الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد،،
هناك حيلة يروِّج لها اليهود حتى يخدعوا بها العالم، وهي أن فلسطين وطن قومي لليهود، ولكي نرد على هذه الخدعة وهذه الحيلة التي يروِّج لها اليهود يجب أن نعود إلى الوراء قليلاً:
النشأة التاريخية لليهود:
تعود بداية ونشأة اليهود إلى عهد إبراهيم عليه السلام في أرض بابل بالعراق، بعدما قذفت الجزيرة العربية من أحشائها أفواجًا من البشر في اتجاه منطقة الهلال الخصيب, واستطاعت مجموعة من هذه الأفواج أن تستقر في أرض العراق وتؤسس دولة تُعرف في التاريخ باسم دولة "الكلدانيين" التي كان يحكمها مجموعة من الرجال المتسلطين, انتزعوا لأنفسهم كهانة دينية وسيادة سياسية.
في وسط هذا الجو نشأ إبراهيم عليه السلام يدعو إلى عبادة الواحد الأحد وانتشار قيم العدل والمساواة والحرية, ولمَّا أحسَّ "الكلدانيون" بأن إبراهيم عليه السلام يشكِّل خطرًا عليهم وعلى مصالحهم وقفوا في وجه دعوته وحاربوه.
ثم رحل إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه إلى فلسطين؛ حيث كان يسكنها الكنعانيون, وكانت مجموعة قد سبقته من العراق إلى فلسطين، وسموا باسم "العبرانيين"، وهذا الاسم صفة لهم نسبة إلى عبورهم الصحراء أو لعبورهم نهر الأردن أو نهر الفرات "ومن كلمة العبور جاءت كلمة العبرانيين والعرب".
ولما قدِم إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه إلى فلسطين لم يطب له المقام فيها؛ لعدم تقبل الكنعانيين دعوته, وذلك لأن بعض الجماعات العبرية التي اعتادت السطو والإغارة قد سبقت إبراهيم عليه السلام إلى أرض فلسطين، ولذا فقد اعتزلهم الكنعانيون, فلما جاء إبراهيم عليه السلام اعتبروه واحدًا من العبرانيين ولم يستجيبوا لدعوته.
ومن المتفق عليه أن اليهود لم يستقروا في بقعة من الأرض، وما زالوا في هجرتهم من موطن إلى آخر, وما زالوا كذلك حتى لجئوا إلى مصر في عهد يوسف عليه السلام, عندما أصاب بلاد الشام قحط شديد, فهاجروا إلى مصر عندما كان يوسف عزيزًا لمصر، وقال لهم كما حكى القرآن الكريم ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 99)، أكرمهم فرعون مصر في ذاك الزمان إكرامًا عظيمًا حتى زاد عددهم وزادت ثروتهم, ولكنهم عاشوا في عزلة تامة وابتعدوا عن الاختلاط بالشعب المصري, وهؤلاء من طبيعتهم أنهم يميلون إلى الانعزالية؛ حيث لا يوجد تآلف بينهم وبين سائر الشعوب, وبعد فترة من الزمن تولى عرش مصر فرعون آخر, فبدأ الخطر يهدِّد بني إسرائيل؛ حيث أوجس الفرعون الجديد منهم خيفة, تقول التوراة "ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعبٌ أكثر وأعظم منَّا، هلم نحتال لهم لئلا ينموا، فيكون إذا حدثت حربٌ، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض.
بل بالفعل قد انضموا إلى الهكسوس لمَّا هاجموا مصر, ولمَّا انتصر المصريون على الهكسوس وطردوهم من مصر, اتجه فرعون مصر إلى بني إسرائيل ليصفي حسابه معهم؛ فأذلهم وأذاقهم أشد ألوان العذاب.
إن فرعون مصر عمَّم العقوبة على جميع بني إسرائيل، وهذا ظلم فادح, إن قانون الله عز وجل السائد إلى يوم القيامة وحتى قانون الخلق ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: من الآية 165).
في ظل هذا الذل الرهيب الذي تعرَّض له بنو إسرائيل في مصر ولد موسى عليه السلام, فالتفوا حوله للخلاص من استعباد المصريين لهم.
وأغرق الله فرعون ومن معه كما حكى القرآن الكريم ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)﴾ (الأعراف)، وكان المفترض على بني إسرائيل بعد أن رأوا هذه المعجزة بأعينهم- معجزة شقِّ البحر- أن يسمعوا ويطيعوا لموسى عليه السلام, ويُخلصوا في عبادتهم لله عز وجل, كلا بل بعد خروجهم وعبورهم البحر، ولم تجف أقدامهم من ماء البحر مروا على قومٍ يعبدون الأصنام من دون الله كما حكى لنا القرآن الكريم أيضًا ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)﴾ (الأعراف).
في أثناء طريقهم ذهب موسى عليه السلام للقاء ربه ثلاثين ليلةً ثم زادها الله عشرًا حتى صارت أربعين, وهنا عاد بنو إسرائيل إلى طبيعتهم الوثنية, وتناسوا كل المعجزات التي شاهدوها مع موسى عليه السلام، فعبدوا العجل من دون الله.
ولمَّا عاد موسى عيه السلام ووجد قومه على هذه الحالة فتأسف عليهم وعاتبهم وحرق العجل, ثم سار بهم إلى فلسطين, فوقف أهل فلسطين في وجهه يردونهم عنها, وكان بنو إسرائيل قد جبلوا على الذلة والجبن والاستعباد, فخافوا من ملاقاة أهل فلسطين, فدعاهم موسى عليه السلام إلى دخول الأرض المقدسة، وأن الله قد كتبها لهم فردوا عليه وقالوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)﴾ (المائدة)
وبدأ موسى عليه السلام يحاول معهم مرة تلو المرة، ولكنهم أصروا على موقفهم، وقالوا له في وضوح "﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآية 24) وهنا كتب الله عز وجل التيه على بني إسرائيل أربعين سنةً, حتى يتغير هذا الجيل الذي نشأ وتربى على الذلة والهوان، فهم غير مؤهلين لدخول هذه الأرض المباركة, فلا بد من جيل آخر يقدِّر ويعرف قدر الحرية، ولا يخاف في الله لومة لائم.
ويموت موسى وهارون عليهما السلام في فترة التيه, ولم يدخلا أرض فلسطين قط، ولم تطأ أقدامهما هذه الأرض المقدسة.
وبعد وفاة موسى عليه السلام يتولى قيادة بني إسرائيل "يوشع بن نون", واستطاع أن يدخل ببني إسرائيل أرض فلسطين, غير أن العبرانيين لم يفتحوا إلا منطقة التلال الداخلية, وأن المدن الساحلية استعصت عليهم, وقد ظل بنو إسرائيل شعبًا مغمورًا يعيش في منطقة التلول الخلفية.
وبعد فترة بدأ بنو إسرائيل يعرفون الزراعة إلى جانب الرعي، وتعلَّموا من الكنعانيين- السكان الأصليين لفلسطين- وتأثروا بهم حتى في عباداتهم.
إن إله الكنعانيين "بعل" كان معبودًا لبني إسرائيل في كثيرٍ من قراهم, وفي أحوال كثيرة أصبح للطائفتين معبود واحد مثل تمثال "يهوه" وتمثال "بعل".
وظلَّ الأمر كذلك حتى جاء داوود عليه السلام فدخل مدينة القدس، وبنى له فيها قصرًا وهيكلاً عرف باسمه, وجاء من بعده ابنه سليمان عليه السلام فازدهرت المملكة في عصره، وبنى كذلك لنفسه قصرًا ومعبدًا عرف باسمه.
وبعد وفاة سليمان عليه السلام بدأ عهد الانقسام وزوال ملك بني إسرائيل؛ حينما تنازع ابنا سليمان عليه السلام- رحبعام وبربعام- الملك فيما بينهما، وانقسمت المملكة إلى مملكتين: شمالية واسمها إسرائيل وعاصمتها "شكيم نابلس" وجنوبية اسمها "يهوذا" وعاصمتها "أورشليم"، ودخلا في حروب عدة أدت إلى تفتت ملك بني إسرائيل.
وفي عام 732 ق.م غزا الآشوريون المنطقة كلها، فقضى بذلك سرجون الثاني على مملكة إسرائيل الشمالية قضاءً تامًّا، واختفى ذكرها.
وفي عام 597 ق.م غزا "نبوخذ نصر" مملكة إسرائيل الجنوبية غزوته الأولى, ثم عاد إليها مرةً أخرى، وسبى اليهود إلى بابل سنة 586 ق.م , وبقيّ اليهود في الأسر البابلي يعيشون عيشة ذلٍ وهوانٍ لدرجة أن أجبرهم البابليون على أن يتخذوا لأنفسهم زيًّا خاصًا وهيئةً خاصةً حتى لا يضيعون بجرائمهم في زحمة الناس، ثم خضعت فلسطين للحكم الفارسي، فاليوناني ثم الروماني.
وفي عهد الإمبراطور الروماني "فسبسيان" عيَّن ابنه" تيتوس" حاكمًا على فلسطين, وهو الذي سبى اليهود السبي الثاني في عام 70 ب.م بعد أن أحرق المدينة بكاملها, ودكَّها على رءوس ساكنيها, ولم تلبث فوضى ذلك الشعب المزعج وضوضاؤه أن استنفد صبر روما فعزمت على إبادته حتى لا تسمع حديثًا عنه, وأُزيل الهيكل من الوجود, وعُرضت أقدس أوانيه وكتبه في ساحة روما.
وبعد تدمير المدينة وحرقها, وبعد زوال الهيكل, اجتمعت فلول اليهود الهاربة في العريش, وبعد أن تدارسوا أمرهم أقسموا قبل رحيلهم وشتاتهم في المنافي على خمسة مبادئ ظلت دستور عملهم, وما تزال نجومًا تهديهم إلى ضلالهم وتضليل غيرهم، وهي:
1- أن يبقوا محافظين على دينهم, مهما لاقوا من عنت وعناء.
2- أن يبقوا محافظين على لغتهم إلى جانب أي لغة قد يضطرون إلى تعلُّمها.
3- أن يبقوا على اتصال دائم فيما بينهم, مهما بعدت الشقة وتفرقت بهم السبل.
4- أن يعملوا, وبكافة الوسائل المتاحة, على الرجوع إلى أرض الميعاد, وأن يقولوا كل صباح "شلت يميني أن نسيتك يا أورشليم".
5- أن يعملوا على إفساد جميع شعوب الأرض, وبأي وسيلة ممكنة.
وبعد الفتح الإسلامي لمدينة القدس لم يكن يعيش في أرض فلسطين يهوديٌّ واحد، بل إن ما عاهد عليه النصارى أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه أن لا يسكن أرض فلسطين أحد من اليهود، وبعد هذا العرض السريع يجب أن نوضِّح عدة حقائق حتى لا ينخدع أحدٌ بما يقوله اليهود أو بما يحاولون أن يخدعوا به الآخرين، وهي:
أولاً: دخل بنو إسرائيل أرض فلسطين غزاةً من الخارج دون أن يكون لهم بها أي جذور أو تاريخ, واستعملوا القوة الوحشية ضد السكان الأصليين.
ثانيًا: لم يستطع اليهود أن يمدوا سلطانهم إلى كل فلسطين.
ثالثًا: كانت مدة دخول بني إسرائيل بفلسطين منذ دخول "يوشع" حتى سقوط مملكة "يهوذا" حوالي خمسة قرون, وهي مدة احتلال هولندا لأندونسيا وبريطانيا للهند.
رابعًا: لم يعرف بنو إسرائيل حياة الاستقرار على الإطلاق في فلسطين، بل ظلُّوا في صراع دائم مع السكان الأصليين.
فإلى أي مدى.. يمكن أن تُعدّ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود.
-----------
* إمام وخطيب بالأوقاف