الصورة غير متاحة

 د. جابر قميحة

كنتُ في قرابة الثامنة عشرة من عمري عند قيام ما سموه بثورة 1952م، كدنا نطير من الفرح، وقلنا إنها الأمل الجديد الذي به يتحقق النصر بعد هزيمة الجيوش العربية السبعة هزيمة منكرةً على أيدي العصابات الصهيونية.

 

ولكن "الثوار" أسفروا عن وجوههم الحقيقية، واستطاع عبد الناصر بالمكر والغدر أن يقضي على مفجر الثورة وأبيها وراعيها "محمد نجيب"، وأن يزيح من طريقه كل مَن قال له "لا"، أو قال له "اتق الله"، وأصبح هو الدستور والقانون والحكم والحاكم والدولة.

 

وحاك المؤامرات، ودبَّر المظاهرات، وافتعل حادث الاعتداء عليه في المنشية، وشكَّل ما سُمِّي بمحاكم الثورة، ومحاكم الشعب، وغيرها، وما كانت إلا محاكم الظلم والدم والقهر والاستبداد، وبأمره شُنق قادة الإخوان، وهم الأشراف الأبرياء المجاهدون الأبرار.

 

وفتح السجون ليلقي في غياباتها عشرات الآلاف الذين لا ذنبَ لهم إلا معارضة استبداده ودكتاتوريته، وصبَّ عليهم من العذاب ما لم تعرف البشرية مثله من قبل، حتى مات الكثيرون من التعذيب، ودُفنوا في الصحراء، وأصيب بعضهم بالجنون من هول ما نزل بهم، وما شاهدوه مما نزل بزملائهم، وأصبحت "شخصية المصري" هينة مهينة في البلاد التي يهاجر إليها ليكسب عيشه في أمان، وهو الذي كان- قبل العهد الناصري- ملءَ السمع والبصر، أو عملة صعبة- كما يقولون.

 

وعلى يديه كانت مذبحة القضاة، ومذبحة الصحفيين، لا لذنبٍ جنوه، ولكن لأنهم لم يكونوا من أهل الثقة والولاء.

 

وظهرت بفضله طبقة جديدة من "الضباط العظام" نهبوا القصور الملكية، وأموال الحراسة، وأصبحوا وزوجاتهم وأبناؤهم أصحاب تجارات واسعة، ومكاتب استيراد، ونفوذ واسع، وعنهم عبَّر الشعب "بالنكتة" التي أفرغ فيها نقمته على هذا الوضع، ومنها: أن أحد المواطنين- في الترام المزدحم- شعر براكبٍ آخر يقف على قدمه حتى كاد يسحقها، وهو يتحمل الألم الشديد في صمتٍ إلى أن وصل الترام إلى آخر الخط، ونزل الراكب، فسأل الضحية دائسه:

-  سيادتك من رجال الثورة؟

- لا..

- هل أنت ضابط في الجيش، أو أحد أقربائك ضابط في الجيش؟

- لا..

 

فصرخ هائجًا في وجهه "أُمّال دايس على رجلي ليه من أول الخط لآخره يا ابن (....)؟!!!.
كما نجح عبد الناصر في إهدار أموال مصر في الخارج على الأنصار والمغامرين للقيام بانقلابات ضد حكوماتهم في إفريقيا والبلاد العربية.

 

وضحَّى- في سبيل تحقيق مجدٍّ شخصي- بعشرات الألوف من خيرة شبابنا في اليمن، زيادةً على الملايين التي وُزعت على شيوخ القبائل لكسب ودهم وتأييدهم، وزّيف إرادة الشعب في استفتاء تمخض عن "نجاحه" بمجموع 99.999، وفي انتخاب أول "مجلس أمة" في عهد الثورة، وحقق- بتفوق- أكبر هزيمتين في تاريخ مصر والعرب سنة 1956م، وسنة 1967م.

 

وفي غيبة العدل والقانون، وانفراد الدكتاتور وحوارييه بالحكم والتحكم والسيادة والهيمنة على مصر المسكينة.. أصبح الشعب يعيش في جوٍّ خانقٍ من الرعب والفزع، والشك والقلق، وتغلغلت عيون الدكتاتور في الجامعات والمصالح الحكومية والبيوت، ودارت على ألسنة الناس عبارات مثل: (يا عم وأنا مالي- سبنا ناكل عيش- الحيطان لها ودان)، وأصبح الجبن والتردد طبيعة، والنفاق دينًا، وماتت الضمائر، والشعور بالمسئولية، والتحمس للعمل والإنتاج.

 

ومن عجبٍ أن ترى من النفعيين والملاحدة والمنافقين مَن يتغافل- في مقام تقييم هذا العهد- عن ذكر هذه الجرائم والخطايا، وقد يذكر بعضهم بعضها، ويطلق عليها سلبيات.. أي واللّه سلبيات، مع أنها- في واقعها- إيجابيات إجرامية شيطانية جرَّت على مصر والعرب الخراب والدمار.

 

وكان من أقذر نقاط العار في وجه المسماة بالثورة، ووجه العهد الناصري إنشاء ما أطلقوا عليه "محكمة الشعب" بالأمر الصادر من مجلس قيادة الثورة في الأول من نوفمبر 1954م (أي بعد افتعال تمثيلية الاعتداء على عبد الناصر في المنشية)، وشُكِّلت المحكمة برئاسة قائد الجناح جمال سالم، عضو مجلس قيادة الثورة، وعضوية القائمقام أنور السادات، والبكباشي أركان حرب حسين الشافعي، عضوي مجلس قيادة الثورة، وصدر الحكم بإعدام عبد القادر عودة، والشيخ محمد فرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير، ومحمود عبد اللطيف، ونُفِّذ حكم الإعدام، وذلك غير أحكام أخرى بالأشغال الشاقة.

 

وهلك جمال سالم بعد مرضٍ بشع خبيث طويل عانى فيه من الأوجاع والآلام والهلوسة والهذيان ما لا حدودَ له، كما قُتل السادات على يد خالد الإسلامبولي في 6/10/1981م.

 

مات كلاهما، ولم ينقل عنهما أنهما تابا إلى الله من جريمة إعدام الأبرياء، ولم يبق من الثلاثة على قيد الحياة إلا حسين الشافعي، وقيل لي: إن الرجل نزع نزعةً صوفيةً في الثمانينيات، وإنه يخطب أحيانًا في المساجد، وإن عباراته أصبحت ذات طوابع دينية، وتمنيتُ أن ألقى الرجلَ لأطلب منه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحًا كواحدٍ من ثلاثةٍ اشتركوا في إهدار دم شهداء الإخوان، ولكن أنى لي ذلك، وأيان? والرجل لا يعرفني، ولم ألقه من قبل.

*****

وما تمنيتُ أن يتم في مصر لم يتم إلا صدفة في مكة أمام بيت اللّه الحرام، كنتُ أنزل بفندق "خوقير"- وهو مطل على الحرم- بالحجرة رقم 214، واكتشفتُ أن السيد حسين الشافعي ينزل بالحجرة 221 (في الطابق نفسه)، وكان لقائي به قبل المغرب بساعة يوم السبت 28 من رجب 1410 - 24 من فبراير 1990)، وبعد التعارف دار بيننا الحديث التالي:

- حمدًا لله إذ ألقاك، فقد كنتُ عزمتُ على أن أنشر مقالاً بعنوان "رسالة مفتوحة إلى حسين الشافعي"، أطلب منك فيه أن تتوب إلى الله، بسبب ما اقترفته يداك.

- أتوب مم?!! أتوب مم؟!

- من الاشتراك في قتل الأبرياء: عودة، وفرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وغيرهم.

- ولكن هؤلاء كانوا أعداءً للثورة من أول لحظة.

- هذا غير صحيح، بل إن الإخوان هم الذين حموا الثورة، وعبد القادر عودة بالذات كان "يفرمل" شباب الإخوان، ويحدُّ من حماستهم.

- ولكن الذي "وداهم في داهية" هو محمد نجيب.

- هذا الكلام أضعف من أن يرد عليه، ويكفيك خطيئة أنك كنت مرءوسًا لقاضٍ مجنون.. أسألك سؤالاً محددًا: هل كان رئيسكما "رئيس المحكمة" جمال سالم سويًّا أم مختلاً؟

- إنه سؤال تصعب الإجابة عليه.

- بل إجابته سهلة جدًّا.. يعرفها الجاهل والمتعلم.

- كنت أتمنى أن تقرأ المحاكمة كلها.

-  قرأتها بالكلمة، كل محاضر الجلسات بأجزائها السبعة التي طبعتها الحكومة.. يا سيدي أنت الوحيد الباقي حيًّا من الثلاثة فتب إلى الله، وانشر توبتك في الصحف، فقد يقتدي بك طغاة أخذهم الندم في "نوبة" من يقظة الضمير.

*****

وتركت حسين الشافعي، ولم ألتق به بعد ذلك، وفي مساء الأربعاء 17/7/2002م شاهدته في برنامج "بلا حدود" بقناة (الجزيرة) ولم أسمع من السيد حسين إلا الأغاليط، والإصرار على الخطأ والخطيئة: زعم أن هدف الكيان الصهيوني من حرب 1967م- ومعها أمريكا- كان التخلص من عبد الناصر.

 

ومعنى هذا بمنطقك- يا سيد حسين- أن الكيان الصهيوني هُزم في هذه الحرب، وأننا انتصرنا انتصارًا ساحقًا لأن هدف الصهاينة لم يتحقق، وبقي لنا "ناصرنا" العظيم، ونسيت يا سيد حسين أنك بمقولتك هذه قد كذَّبت عبد الناصر الذي اعترف بالهزيمة، وبأنه مسئولٌ عنها.. فأيكما نصدق؟

 

ولن أقف عند كلام "صغير" يصدر من رجل كان أحد حكامنا ذات يوم مثل: "كل الانتقادات التي وجهت للثورة كانت هدامة، أما نقدي فهو الوحيد البنّاء"، ومثل "أريني بيتًا واحدًا في الوطن العربي مفيش فيه صورة لعبد الناصر?"، وأقول: أنا لم أدخل بيتًا ليس فيه صورة لعبد الناصر".

 

وأقول: إذا كانت الزعامة بالصور لكان من زعمائنا كاظم الساهر، وعمرو دياب، ونوال الزغبي، ونانسي عجرم.

 

وينفي الشافعي عن الإخوان اشتراكهم في الثورة، وطبعًا ينكر دور بطل مثل عبد المنعم عبد الرءوف، وما قام به الإخوان من حراسة المنشآت والكباري والكنائس.

 

ويستحل الشافعي دم الإخوان بمقولة إنه كان ضرورة لتحافظ الثورة على بقائها، ولا أملك في النهاية إلا أن أقول: تب إلى الله يا رجل من خطيئتين: الأولى شنق الإخوان، والثانية رضاؤك بأن تكون مرءوسًا لقاضٍ مجنون كان يسخر من الذات الإلهية ومن الرسول والقرآن الكريم، ويطلب منهم أن يقرءوا الفاتحة بالمقلوب، (محاضر الجلسات 3/567)، ويسبهم بأفجر الشتائم وأقذرها، ويستعدي عليهم الجمهور.. تب إلى الله يا سيد حسين الشافعي، تب إلى الله ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)﴾ (غافر).

 

هذا ما سجلته بيومياتي في حينه، وحسين الشافعي الآن بين يدي الله، وهذا لا يمنعني أن أنشر ما سجلته بيومياتي للتاريخ، ولا أقصد إساءة للرجل، فحسابه موكول إلى الله الذي حرم الظلم على نفسه، وما كان ظلامًا للعبيد. (أكتوبر 2007م).

*****

والملك الواحد الذي قصدته بالعنوان هو حسني مبارك مخترع نظام "الجمهوملكي"، فهو الذي حكم مصر أطول مدة في تاريخها باستثناء عهد محمد علي باشا، ومن عجبٍ أن يحكم مصر مُددًا أطول من المدة التي حكم فيها الملكان فؤاد وفاروق كلاهما، وأطول من المدة التي حكم فيها رجال الثورة جميعًا.

 

وعلى سبيل الاستطراد أذكر الوقعة الغريبة الآتية، وهي أنني- وأنا طالب في السنة الأولى من كلية دار العلوم (1953- 1954م)- أجريت لي عملية "اللوز" بمستشفى الجامعة التي كان مديرها الدكتور عزيز البنداري (وهو ابن كامل باشا البنداري المشهور).

 

وكان يجالسنا رجل جاوز الستين من عمره يعمل "عامل ظهورات" في حديقة الجامعة، وذات يوم جلس إلينا وقلنا له:-

شوفت يا عم محمود.. أهي قامت الثورة لتعيد الحكم للشعب، فرأيت عبرتين في عينيه، وقال في أسى شديد: "يا بْني، لقد كان يحكمنا ملك واحد اسمه فاروق، ملك ابن ملك.. والآن يحكمنا 11 ملكًا، كلهم أولاد "....... "، وأذكر أنني كنت أعمل في الفاعل في قصر عابدين "أي عامل من العمال الذين يساعدون البنائين في رفع الحجارة، وما شابه ذلك، فاعترضنا حجر حاولنا أن نرفعه فعجزنا، وأخذنا ننشد "يا حسين.. يا حسين.. يا حسين.. فلم يتحرك الحجر. ففوجئنا بجلالة الملك ورأى ما نفعل وما نقول، وقال بالحرف الواحد: طب جربوا المرة دي قولوا يا رب. فأخذنا نردد في صوت جماعي "يا رب يا معين.. يا رب يا معين.. يا رب يا معين" فاستطعنا أن نرفع الحجر إلى مكانه من السور، وجاء البناءون، وأكملوا بناءه، وأمر جلالة الملك لكلٍّ منا بعشرة جنيهات، ويصمت عم محمود ليقول: "بكره يا بني حتشوفوا".. وتحققت نبوءة الرجل، وكان آخر واحد في الملوك الأحد عشر هو حسين الشافعي.

*****

ولم يبق في الساحة إلا ثلاثة يقومون فعليًّا بدور الحاكم أو الملك، ويديرون شئون مصر في العلن أو في الخفاء:

الأول: هو صفوت الشريف " صاحب التاريخ المعروف أيام أن كان رجلاً مهمًّا في المخابرات المصرية، ويقوم بدور معروف ومشهور جدًّا جدًّا"، وصفوت هو رئيس مجلس الشورى، وأحدث كلماته التي تثير الأسى والغثيان، قوله "إن السيد حسني مبارك أسطورة، لن تتكرر"، وهو الذي تسبب في خسارة الشعب بإهماله في حريق يكلفه 45 مليون جنيه. وفي يده أن يتخذ من القرارات ما لا يناقش.

 

أما الثاني: فهو أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني، والذي يتحكم في أعضاء مجلس الشعب، بل يتلاعب بهم كما يشاء، وآخر عبثياته أو سقوطاته أن الغالبية- أي نواب الحزب الوطني- وافقوا وصفقوا لقرار إلغاء الضريبة العقارية على المسكن الخاص، وقام أحمد عز بحركةٍ لا يفهمها إلا أمثاله، دفعت هؤلاء إلى الاعتراض، وسقط القرار، ومعنى هذا أن مجريات أمور الدولة في يدي هذا المذكور آنفًا.

 

وقبل ذلك حينما سُئل عن قوة الإخوان في المعارضة، ونفوذهم في الشارع المصري، فقد حصدوا 88 مقعدًا في مجلس الشعب" فكان جوابه هؤلاء جميعًا لا قوةَ لهم، والإخوان ليسوا بالصورة التى يعتقدها الناس، وحصولهم على هذا العدد من المقاعد إنما يرجع لغلطةٍ وقع فيها الحزب الوطني، ولن تتكرر هذه الغلطة".

 

وقد رأينا بشائر هذا "الوعيد" في الانتخابات النصفية لمجلس الشورى، فلم يمكنوا واحدًا من الإخوان من النجاح، وزورت العملية الانتخابية تزويرًا شاملاً؛ مما دفع رجلاً سياسيًّا كبيرًا عاقلاً هو عمرو موسى إذ صرَّح، وقال: من الغريب الشاذ ألا يفوز في هذه الانتخابات واحد من الإخوان.

 

أما الثالث فهو: السيد المحترم جدًّا جمال محمد حسني مبارك أمين السياسات وصاحب نظرية: النهوض بالألف قرية الأكثر فقرًا، والمشهور بالوريث، ومن حقنا أن نسأل ولماذا اكتفى بألف قرية فقط مع أن مصر كلها أصبحت بقراها ومدنها من أكثر الشعوب فقرًا، ويرفض الواقع دعواه بأننا نعيش في ديمقراطية حقيقية.. فأين الديمقراطية يا جمال والسجون مكتظة بالأبرياء من ذوي الرأي؟ ونحن نعلم أن الإمكانات السياسية لجمال مبارك إمكانات وقدرات محدودة، ولا يستطيع جمال أن يدَّعي أنه زعيم شعبي، وإلا لاختلط بالناس وتحدَّث إليهم، ولكن الواقع يقول إنه لا يذهب إلى قرية أو مدينة إلا بالطائرة: والطرق مفروشة بمئات المصفحات، وقد حدث أنه في إحدى زياراته أمر الناس بألا يغادروا بيوتهم، كما أن الله صنع بين جمال وبين الشعب جدارًا كثيفًا، فهو لا ينال من حب أي مواطنٍ مثقال ذرة من خردل.

 

نعم هذا هو الثلاثي الذي يُسيِّر دفةَ الوطن المسكين.. وأقول لكِ الله يا مصر.

---------------

* gkomeha@gmail.com