- التجار يصرخون: اتركونا في أماكننا ولا نريد تعويضات
- الحكومة قالت على مصدر رزقنا إنه "شوية زبالة واتحرقت"
- فقدنا الثقة في الإعلام بسبب التغطية المتحيزة ضد الغلابة
- المطافئ جاءت فارغةً من المياه بعد ساعاتٍ من الحريق
تحقيق- مي جابر ويارا نجاتي:
طالب رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف عصر اليوم، بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة بنقل سوق التونسي بمنطقة البساتين إلى مدينة 15 مايو، وإعادة تخطيط المنطقة تحت كوبري التونسي والسوق، لاحترام حرم السكة الحديد- حسب قوله- وتحويل السوق إلى منطقة خضراء.
يأتي ذلك بعد نشوب حريق ضخم بسوق التونسي بسبب سقوط إحدى السيارات من كوبري التونسي؛ مما أسفر عن خسائر مادية فادحة للتجار تعدت عشرات الملايين، إلى جانب سقوط عددٍ من الضحايا ما بين قتيلٍ وجريح.
(إخوان أون لاين) قام بجولةٍ في السوق ورصد الحقيقةَ "بلا رتوشٍ" في اللوحة الكئيبة الآتية:-
![]() |
|
الحريق دمر سوق التونسي بالكامل |
وسط ذلك وجدنا رجلاً يعبث في بضاعته المتفحمة، ويقول "موت وخراب ديار، ومش سيبنا في حالنا، الله يخرب بيت اللي كان السبب".
وعندما اقتربنا منه قال لنا أحمد مايو (40 سنة- صاحب فرشة ألومتيال): إن الأمن يمنع التجار من تنظيف آثار الحريق وإحضار بضائع جديدة بديلاً عما أكلته النيران في الحريق.
ويضيف: "عربات المطافئ تأخَّرت لإنقاذ السوق من الحريق قرابة 3 ساعات؛ حيث اشتعل الحريق الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بينما وصلت أول عربة مطافئ حوالي الساعة الرابعة فجرًا، وعندما أخرج رجل المطافئ خرطوم المياه وفتح المياه ليوجهها نحو النيران، اكتشف أن خزانَ المياه فارغ، ولم تنزل قطرة مياه واحدة، لننتظر عربة أخرى فتأتي بعد أن استوى السوق بالأرض، وضاعت بضائعنا".
غياب الحكومة
خسائر فادحة خلفها حريق السوق
"الحكومة ملهاش لازمة" هكذا انضمًّ محمود عويس (33 سنة- تاجر الومتيال)، واصفًا لنا حالهم بعد الحادث وقال: "لم يأتِ مسئول واحد ليتفقد حال السوق بعد الدمار الذي لحق به، كأنهم ما صدقوا يخلصوا مننا، كما لم نسمع منهم تصريحات تشرح لنا الوضع الحالي ونواياهم بخصوص نقل السوق أو بقائه، وكل ما سمعناه تصريحات كاذبة في وسائل الإعلام تقول "إنها شوية زبالة واتحرقت"، منكرين تمامًا وجود خسائر مادية وبشرية ضخمة".

ويستطرد: "على الرغم من أن الخسائر تعدت عشرات الملايين من الجنيهات، فالتاجر الفقير هنا فرشته تمتلأ ببضاعة قيمتها حوالي 30 ألف جنيه، والبعض وصلت خسائره إلى قرابة المليون جنيه، وكله ذهب هباءً، فالزجاج والمعادن انصهرت، أما الأخشاب فتفحمت".
تعمد حكومي
ويؤكد سلامة خليفة (45 سنة) صاحب إحدى العشش المحترقة أن هناك قصدًا حكوميًّا بترك النيران تأكل السوق كله، مرجعًا السبب إلى رغبة الحكومة في نقل السوق إلى منطقة أخرى مثل 15 مايو أو القطامية.
![]() |
|
تجار التونسي افترشوا الأرض رافضين نقل السوق |
ويتابع: "لو أخمدوا نيران أول عشر عشش لكان من السهل السيطرة على الحريق ولم يكن ليصل إلى حد احتراق السوق كله والذي يصل طوله إلى حوالي 6 كيلو مترات بعرض ثلاث حواري".
ويستغرب الحاج محمود صوفي (53 سنة) بائع ألوميتال من إنقاذ المطافئ للمجزر الآلي والشركة الواقعين على جانبي السوق، بينما تركوا السوق ليحترق كاملاً حتى خمدت نيرانه بدون تدخل بعدما قضت على كل شيء.
ويشير إلى أن رجال الأمن منعوا التجار من الدخول إلى المنطقة المشتعلة لمحاولة إطفاء الحريق أو إنقاذ بضائعهم من الدمار، مؤكدًا أن ذلك حدث عن عمد رغبة في تصفية السوق لمصالح بعض رجال الأعمال، حيث يقدم السوق بضائع مخفضة للزبائن، مما يمثل خطرًا على كبار التجار.
حادث مُدبر
قوات الأمن تطارد التجار المحتجين على نقل السوق
ولم يستبعد شعبان إمام (28 سنة) تاجر موبيليا أن يكون الحادث مدبرًا، فقال: "مش بعيد يكون حد قاصد إسقاط السيارة من فوق الكوبري، ليتخلص منا ويزيل السوق نهائيًّا، خاصة أنهم لم يصلحوا الكوبري إلا بعد وقوع الحادث، رغم أنه متهالك من سنوات وتكررت حوادث سقوط السيارات منه".

ويذكر أن أحد ضباط المطافئ قال لهم وقت اشتعال النار إن تعليمات وردت إليه بعدم السيطرة على الحريق وتأخير وصول عربات المطافئ حتى وصلت النيران إلى المجزر الآلي والشركة التابعة للحكومة، وعندما بدأوا في إطفاء حريق السوق اكتفت سيارات الإسعاف بالوجود أعلى الكوبري ولم يحاولوا توصيل المياه إلى موضع الاشتعال.
ويتساءل إمام عن سبب رغبة الحكومة في إزالة السوق قائلاً: "إحنا لا نؤذي أحدًا فأمامنا موتى وخلفنا سكة حديد، عايزين يمشونا ليه؟؟!".
كوبري متهالك
التجار يحتجون على قرار نقل السوق
ويتفق معه عبد الرحمن محسن (44 سنة- تاجر خردة) حيث يقول إن كوبري التونسي يفتقر إلى الصيانة الدورية، فضلاً عن وجود مطب هوائي بالقرب من السوق مما يؤدي إلى تكرار مثل تلك الحوادث، مشيرًا إلى أن التجار اعتادوا على إطفاء الحرائق بأنفسهم لتأخر عربات المطافئ المستمر في هذه الحالات.

وفي إشارة إلى الاستعداد الأمني المكثف لطرد التجار من السوق؛ يقول إن رجال الأمن يطوقون السوق منذ اندلاع الحريق وأحضروا معهم الحبال لتكتيف التجار واعتقالهم، في حالة رفض التجار وأصحاب العشش ترك المكان والانتقال إلى مكان آخر في الصحراء.
بينما يقول مصطفى محمد (25 سنة) عامل في فرش لبيع الألوميتال "هذا المكان كان صحراء منذ أكثر من 20 عامًا وعندما جئنا إليه عمّرناه حتى أصبح سوقًا دوليًّا يتوافد عليه الأجانب لشراء احتياجاتهم".
تجار التونسي يرفضون نقل السوق إلى 15 مايو
وحول مطالبهم أكد محمد أنهم لا يريدون تعويضات أو صدقة من أحد، وكل ما يرغبون فيه أن تتركهم الحكومة وشأنهم، ليستأنفوا أعمالهم مرة أخرى ومحاولة تعويض ما تكبدوه من خسائر، مشيرًا إلى أن معظم تجار السوق مدينون بمئات الآلاف، وبعد الحريق هددهم تجار الجملة بالحبس في حال عدم حصولهم على قيمة الشيكات والكمبيالات التي وقع عليها تجار السوق جميعهم".

ويضيف: "يحاصرنا رجال الأمن منذ وقت الحريق ويمنعونا من تنظيف أماكننا من آثار الحريق أو إزالة بقايا الزجاج والمعدن، بالإضافة إلى منعهم إدخال سيارات النقل المحملة بالبضائع الجديدة، بحجة انتظار قرارات المحافظ بشأن إزالة السوق".
وتساءل عن المستفيد من تشريد أكثر من 50 ألف عامل يعتبر السوق هو المصدر الوحيد لرزقهم؟!.
خسائر فادحة
تجار التونسي يروون المأساة لمحررة (إخوان أون لاين)
حال تجار الأخشاب كان الأسوأ كثيرًا عن حال تجار الألوميتال، وقال المعلم حرَّاس محمود (34 سنة): "وصلت خسارتي مع شركائي إلى 100 ألف جنيه، فتفحمت غرف النوم الجديدة والصالونات التي وصلت قبل الحادث بيوم واحد، ووصل الأمر بأحد التجار إلى إلقاء نفسه داخل النيران في محاولة لإنقاذ بضاعته، ولا يعرف أحد مصيره حتى الآن".

ويتابع: "في الوقت الذي احتمينا فيه داخل المقابر أثناء الحريق؛ حيث وصلت درجة الحرارة إلى حد شعورنا بانصهار أجسامنا".
ويوضح أن حجم الخسائر المعلنة من جانب الحكومة أقل بكثير من الحقيقة؛ حيث وصلت الخسائر البشرية إلى ما يقارب 20 شخصًا، تفحمت جثثهم ولم يحاول أحد استخراجها أو حصرها، واكتفوا بإعلان وفاة 3 من الركاب المتوفين في السيارة المتسببة في الحادث، على الرغم من أن المتوفين في السيارتين المحترقتين فقط 6 أفراد.
وأكد مجموعة من التجار أن رجال الأمن أثناء حصرهم لأسماء المتضررين لم يسجلوا أحدًا ممن تضرر واحترقت بضاعته، بل سجلوا أشخاصًا آخرين لم تقترب النيران من عششهم، ما أسقطهم من حسابات الحكومة في حال تفكيرها تعويض المتضررين ماديًّا، أو نقلهم لأماكن جديدة.
وأشاروا إلى فقدهم الثقة في أية جريدة مصرية؛ بسبب التلفيقات والأكاذيب التي ما زالت تُروى عن أهالي المنطقة، بالإضافة إلى تسفيههم من حجم الحادث، وقدر السوق اقتصاديًّا.
العودة للحرام
الحريق التهم كل شيء في سوق التونسي
وبلهجة حزينة يشير محمد عبد الله (33 سنة- عامل) إلى أنه أقلع عن الإدمان منذ سنوات عديدة، ويخشى من عودته إليه بعد أن فقد كل ما لديه في الحريق، مؤكدًا أنه يفضِّل الموت عن خروجه من المكان الذي نشأ فيه وكان مصدر رزقه.

ومن جانبه يقول جودة خليل (22 سنة- عامل): "لو إحنا عايشين بالحرام كان حالنا أصبح أفضل من ذلك، لكن لأننا شرفاء وبناكل بالحلال، رجال الأعمال يريدون سرقة أرضنا ومصدر رزقنا، فهناك عدد غير قليل من العمال في السوق كانوا من اللصوص والمدمنين وتابوا بعدما وجدوا فرصة عمل شريفة، وإذا طردتنا الحكومة فهي تعيد هؤلاء للحرام والشارع مرةً أخرى!".
وبعيون مليئة بالدموع أقبلت علينا أم عصام (85 سنة) وزوجها عم فوزي (90 سنة) وآثار الحريق تبدو ظاهرةً على وجهيهما؛ لتحكي بشاعة الحريق الذي أكل كل أغراضهم حتى البطانية التي كانت بمثابة جدران عشتهم؛ حيث كانت تأويهم القليل من الأخشاب مغطاة بالبطانية.
![]() |
|
أم عصام وزوجها عم فوزي شردهما الحريق |
وقالت: "الحريق استمر لأكثر من 6 ساعات، أكلت خلاله النيران كل ما نملكه حتى ملابسنا التي لم نعد نتملك إلا ما نرتديه، وسيحت كل المراوح التي يتاجر بها زوجي وأصبحنا على الحديدة، وليس لدينا من يعولنا".


