- د. عصام عبد المحسن: البحث العلمي يعاني ضعفًا خطيرًا بسبب ضآلة المخصصات المالية
- د. محمد أبو الأسرار: استحقاق الجوائز في مصر تحكمه السياسة وموافقة أجهزة الأمن
- د. محمد وهدان: نتيجة طبيعة لأسلوب الاستبداد السياسي وغياب الحريات في الجامعة
- د. محمد طنطاوي: الرشاوى والوساطات والمحسوبيات أصبحت الطريق لحصد الجوائز
- د. حسان عبد الله: الإبقاء على البحث العلمي متخلفًا وضعٌ مقصودٌ ومخططٌ من السلطة
تحقيق- أحمد الجندي:
خرجت 11 جامعة حكومية مصرية هي جامعة "الأزهر، وحلوان، وبنها، والمنوفية، وكفر الشيخ، والمنصورة، وبور سعيد، والفيوم، وبني سويف، وسوهاج، وجنوب الوادي"- وهي تضم حوالي 20 ألف أستاذ جامعي من إجمالي 48 ألفًا و728 وفقًا للأرقام الرسمية- من منافسة الحصول على أي من جوائز الدولة للعلوم لعام 2009م، وهي جوائز "الدولة التشجيعية، والتقديرية ومبارك والتفوق"، وحجب 14 جائزة لعدم وجود مَن يستحقها؛ مما طرح مجددًا قضية تخلف البحث العلمي في مصر وآثار انتقادات العديد من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية الذين أرجعوا ضعف مستوى التعليم العالي والبحث العلمي في مصر، وتردي مستوى الجامعات المصرية، وانحسار الأبحاث العلمية؛ إلى فشل الحكومة في إدارة التعليم العالي والبحث العلمي وضعف المخصصات المالية الموجهة للجامعات وقلة إمكاناتها وضآلة ميزانية البحث العلمي.
وأكدوا أن الشروط التي وضعها الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي لاختيار الفائزين بهذه الجوائز تتوفر لدى العديد من العلماء المصريين، وهي "النشر العلمي المحكم في مجلات علمية لها تأثير وتصنيف دولي كبير، والنشاط العلمي للمرشح، والإسهامات المحلية وخدمة المجتمع" تنطبق على العديد من العلماء والباحثين في مصر، ولكن الحكومة هي التي تتعمد إبقاء المجتمع في حالة من التردي العلمي والتخلف.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء أساتذة الجامعة حول خروج 11 جامعة حكومية من المنافسة على جوائز الدولة، وقرار الوزير بحجب 14 جائزةً لعدم وجود مَن يستحقها!!.
د. عصام عبد المحسن

الدكتور عصام عبد المحسن أستاذ الكيمياء الحيوية بكلية الطب بجامعة الأزهر ينتقد حجب وزير التعليم العالي لـ14 جائزةً من جوائز الدولة التشجيعية بحجة عدم وجود مَن يستحقها، موضحًا أن مصر بها علماء كثيرون يُقدَّرون بالعشرات، لهم العديد من الأبحاث المنشورة في مجلات علمية كبرى، كان ينبغي الاختيار مَن بينهم.
ويؤكد أن سبب تراجع المستوى العلمي للجامعات المصرية وعدم وجود أبحاث جديدة هو ضعف الميزانية الموجهة للتعليم الجامعي وللبحث العلمي، موضحًا أن الطلبة في الجامعات لا يجدون المعامل والأدوات التي تساعدهم في دراستهم، وإن وجدوا المعامل لا يجدون المواد الكيميائية التي يعملون بها؛ حيث إن الدولة تخصص 2000 جنيه في السنة لشراء المحاليل والكيماويات الخاصة لقسم الكيمياء الحيوية بكلية الطب جامعة الأزهر، والتي لا تكفي ويضطر الطلاب لشراء الكثير من المواد على نفقتهم الخاصة.
ويضيف أن البحث العلمي في مصر يعاني حالةً من الضعف والموات بسبب ضآلة المخصصات المالية الموجهة له، ويضطر الباحثون لإجراء أبحاثهم على نفقتهم الخاصة، وهو ما يُشكِّل عبئًا كبيرًا على كاهلهم، موضحًا أن العلماء المصريين متفوقون على مستوى العالم عندما توفرت لهم الإمكانات المؤهلة للإبداع.
ويستنكر سياسة حجب الجوائز بصفة عامة قائلاً: "حتى لو افترضنا عدم وجود مَن يستحق الحصول على الجائزة من علماء مصر في الداخل فهناك المئات من العلماء المصريين في الخارج يستحقون التكريم"، مشيرًا إلى أن تكريم الدولة لهؤلاء العلماء قد يُشجِّعهم على العودة إلى مصر للاستفادة من خبراتهم في التنمية الداخلية للبلاد.
ويتساءل: لماذا لم تُحجب جوائز الدولة عن الفنانين والممثلين والكتاب والرياضيين؟ بالرغم من أن هذه القطاعات تعاني حالةً من التدهور أكثر من مجال البحث العلمي، ومع ذلك تُعطى الجوائز لـ(أحسن الوحشين)، على حدِّ تعبيره، متهمًا الدولة بإهمال العلم والعلماء.
فساد الجامعات
ويؤكد الدكتور محمد أبو الأسرار محمد أستاذ طب الأطفال بجامعة عين شمس أن الفساد موجود داخل الجامعات المصرية، وتوريث المناصب داخل الجامعات، وتزوير النتائج ومنح شهادات الدكتوراه والدرجات العلمية دون وجه حق، حتى أصبحت الجامعات المصرية تعجُّ بالفساد والتزوير والتوريث مثل القضاء والشرطة وغيرها من قطاعات الدولة، بالإضافة إلى الخلل الكبير الذي تعاني منه المنظومة السياسية داخل الجامعة، وأن المناصب القيادية داخل الجامعة تكون بالتعيين مثل رؤساء الجامعات وعمداء الكليات هي من أهم أسباب تأخُّر الجامعات الحكومية المصرية وعدم قدرتها على المنافسة سواء داخليًّا أو على المستوى العالمي.
ويضيف أن المشكلة في مصر ليست في حجب الجوائز لعدم وجود مَن يستحقها، ولكن المشكلة الخفية في معايير الاستحقاق التي من خلالها يتحدد مَن يستحق الجائزة ومَن لا يستحقها، موضحًا أن هناك اعتبارات جوهرية غير معلنة مثل الانتماء السياسي، ورأي أمن الدولة في المرشح للحصول على الجائزة، فإذا كان عضو هيئة التدريس لا ينتمي للحزب للحاكم وأمن الدولة لا يوافق عليه لا يُرشَّح للحصول على الجائزة، هذا بخلاف المعايير الأخرى مثل هل الأبحاث تخدم المجتمع أم لا، وتكلفة البحث وإمكانية تطبيقه في الواقع، بالإضافة إلى كونِ عضو هيئة التدريس غير معارٍ بالخارج، مطالبًا بإعادة هيكلة هذه المعايير بشفافية ونزاهة.
وينتقد ضعف المخصصات الموجهة للبحث العلمي في مصر، قائلاً: "لا توجد أية مخصصات مالية للبحث العلمي في مصر على الإطلاق"، موضحًا أن أغلب دول العالم توجه أكبر مخصصات مالية لدعم المؤسسة البحثية والمؤسسة العسكرية، ضاربًا المثل بالكيان الصهيوني الذي ينفق على البحث العلمي ما يعادل إنفاق الدول العربية كلها.
ويشير إلى أن عدم وجود مخصصات مالية للإنفاق على الأبحاث، وغياب التعاون بين الجامعات المصرية في مجال البحث العلمي، فضلاً عن ما أسماه "فبركة" الأبحاث العلمية التي تُنشر دوليًّا بعد اقتباسها من أبحاث أجنبية دولية ودبلجتها وإعادة نشرها من أهم أسباب تأخُّر البحث العلمي في مصر وعدم استحقاق الأبحاث المصرية للحصول على جوائز.
مناخ الاستبداد
د. محمد وهدان
ويقول الدكتور محمد وهدان الأستاذ بجامعة قناة السويس: إن عدم حصول 11 جامعةً مصريةً على أي من جوائز الدولة، وحجب 14 جائزة لعدم وجود مَن يستحقها هو نتيجة طبيعية لأسلوب الاستبداد السياسي وعدم وجود حرية؛ لأن الأصل في البحث العلمي أن يكون هناك حريةً للباحثين في اختيار مجالات البحث التي يريدونها بعكس ما هو موجود في مصر.

ويضيف أن هناك أسبابًا أخرى لهذا الوضع منها الفساد الموجود في الجامعات المصرية، وأن مناصب الجامعة أصبحت شأنها شأن بقية المناصب في الدولة تخضع لشروط أهل الثقة، بالإضافة إلى ضعف ميزانية البحث العلمي، والتي لا تُقارن بأية ميزانية في دولة صغيرة، فضلاً عن أن قانون تنظيم الجامعات في كل دول العالم ينصُّ على أن جميع الأبحاث العلمية تنشر بلغة الدولة، أما في مصر فتنشر باللغات الأجنبية حتى لا يستفيد منها إلا القليل.
ويشير إلى أن هذا المناخ السيئ الذي يخيم على البحث العلمي في مصر هو الذي دفع العقول المصرية إلى الهجرة إلى الخارج لكي تجد متنفسًا تحقق فيه أبحاثها، فضلاً عن أن ضعف المستوى المادي لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية جعلهم يتسارعون على الإعارة إلى دولة مثل ليبيا بالرغم من أن ليبيا ليست دولةً كبيرةً، ولكنهم يقولون إن الوضع هناك على أي حال سيكون أفضل من مصر.
ويؤكد أن هذه المنظومة بوضعها الراهن لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، وهي التردي داخل الجامعات المصرية وانحسار البحث العلمي، مشيرًا إلى أن هناك الكثيرَ من العلماء داخل مصر ولكن الإمكانات المادية لا تمكنهم من نشر أبحاثهم في مجلات عالمية؛ لأن الورقة الواحدة تُنشر بـ100 دولار ولو نُشر بحث من 12 صفحة يجب على الباحث أن يدفع 1200 دولار، فمن أين يأتي بهذا المبلغ؟!.
ويستطرد: هذا فضلاً عن مناخ الوساطة والمحسوبية المتغلغل في البحث العلمي، ويحكم الترشيحات للحصول على الجوائز، مؤكدًا أن المعايير المعلنة للترشيح للجوائز غير حقيقية، وأنه لا يوجد مقياس ثابت يستطيع الباحث أن يعرف من خلاله مدى انطباقه عليه أم لا، فضلاً عن غياب الشفافية والوضوح.
ويرى أن هذا الوضع المزري للجامعات المصرية يكشف عن سير الدولة نحو خصخصة التعليم الحكومي، مؤكدًا أنه لا يستطيع أحد أن يقول بأن التعليم بالمجان؛ لأن الشعب المصري يُنفق المليارات على التعليم وعلى مصروفات الجامعات التي ارتفعت بصورةٍ غير طبيعية وعلى الدروس الخصوصية في جميع مراحل التعليم.
ويرفض د. وهدان حجب الدولة لـ14 جائزةً من جوائز الدولة، قائلاً: "إن لم يكن هناك علماء مصريون في الدخل يستحقون هذه الجوائز، فلنا الكثير من العلماء في مؤسسة ناسا الفضائية وفي دول أوروبا وأمريكا يستحقون أكثر من هذه الجوائز"، ويتساءل مستنكرًا: هل نُزعت الجنسية المصرية عن هؤلاء العلماء؟
الوساطة والمحسوبية
ويرى الدكتور محمد طنطاوي أستاذ الفيزياء بكلية التربية جامعة عين شمس أن الوضع الذي آلت إليه الجامعات الحكومية وخروج 11 جامعة مصرية تضم أكثر من 20 ألف عضو هيئة تدريس من المنافسة الداخلية للحصول على جوائز الدولة التشجيعية إلى المناخ العام الذي تعيشه مصر من غيابٍ للحريات والمناخ التزويري الذي يخيم على كل الانتخابات في مصر، والفساد المستشري في كافة قطاعات الدولة، موضحًا أن فساد التعليم والبحث العلمي هو السبب في عدم وجود كوادر علمية تستحق الحصول على جوائز.
ويؤكد أن عدم وجود كوادر علمية متميزة تستحق التكريم راجع للإدارة الحكومية الفاشلة للبحث العلمي في مصر وضعف المخصصات المالية الموجهة للبحث العلمي في مصر، والتي لا تُقارن بما يوجهه الكيان الصهيوني مثلاً إلى البحث العلمي، فضلاً عن غياب الشفافية والنزاهة في التعامل مع الأبحاث العلمية التي يتقدم بها الباحثون المصريون.
ويلمح إلى انتشار الرشاوى والوساطات والمحسوبيات في الترشح للحصول على الجوائز، منتقدًا الفساد الذي يغطُّ فيه مجال البحث العلمي في مصر.
وينتقد تردي أوضاع التعليم بالجامعات المصرية قائلاً: "لم يعد هناك تعليم في الجامعات المصرية"، مرجعًا ذلك إلى ضعف المناهج التعليمية، وتدخل جهات أجنبية للتلاعب بالمناهج من أجل القضاء على التعليم في مصر، فضلاً عن ضعف الإمكانيات والموارد المتاحة وخلو الجامعات من المعامل المجهزة، مضيفًا أن هذا ليس في الجامعات الحكومية فقط وإنما في الجامعات الخاصة أيضًا، وإن كان بها إمكانيات مادية وتجهيزات حديثة، ولكنها تعمل في مجال الـ(بيزنس)، ولا تقدم تعليمًا، وإنما تُقدِّم شهاداتٍ مدفوعةَ الأجر.
احتضان العلماء
د. نصر رضوان
ويؤكد الدكتور نصر رضوان الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة أن مصر مليئة بالعلماء الأفذاذ الذين يستحقون الحصول الجوائز، ولكن تنقصهم دولة تحتضن العلم والعلماء وتقدرهم من أول الاهتمام بالتعليم من بدايته إلى رفع ميزانية البحث العلمي، مشددًا على أهمية رعاية الباحثين لأنهم يعانون الأمرين في أبحاثهم، وينفقون على أبحاثهم من أموالهم الخاصة.

ويضيف أن غياب استقلال الجامعات من أهم أسباب تأخر البحث العلمي في مصر، مشيرًا إلى أن الأقسام، التي هي النواة الأكاديمية الأولى، لا تتخذ أي قرارات ولا ترفع توصيات للجامعة، مطالبًا باستقلال الجامعات المصرية واستقلال ميزانياتها، وأن يكون لأعضاء هيئة التدريس رأي في الميزانيات المقررة للجامعات.
ويطلب من الحكومة الاهتمام بالجامعات الحكومية، وفض الاشتباك بينها وبين الجامعات الخاصة قائلاً: "إن إمكانيات الجامعات الخاصة تقتل الجامعات الحكومية وتجعلها درجة ثانية أو ثالثة"، منتقدًا أن يكون مستوى الجامعات الحكومية من حيث الإمكانات العلمية والمعامل والوسائل التعليمية، محذرًا من دخول التعليم في مصر في الطبقية والعنصرية؛ بمعنى أن مَن يملك المال يتعلم ومن لا يملك لا يتعلم.
وضع متعمد
ويقول الدكتور حسان عبد الله حسان أستاذ أصول التربية بكلية التربية جامعة المنصورة أن السبب في عدم حصول 11 جامعة مصرية على جوائز الدولة وحجب 14 جائزة عدم وجود من يستحقها راجع إلى حالة الانهيار الشديد التي يعاني منها البحث العلمي في مصر، مؤكدًا أن هذا الوضع مقصود ومتعمد من قبل الدولة للإبقاء على وضع البحث العلمي في حالة من التردي والتخلف.
ويدلل على ذلك بإهمال الدولة للبحث العلمي في مصر وضعف المخصصات المالية الموجهة إليه، مؤكدًا أن الجامعات المصرية يوجد بها العديد من العلماء الذين يستحقون التكريم، ولكن الإدارة لا تمكنهم من العمل والبحث.
ويضيف أن حقوق أعضاء هيئة التدريس والباحثين مهضومة في مصر، فمثلاً عضو هيئة التدريس في السودان يحصل على راتب 1000 دولار شهريًّا في حين لا يحصل الأستاذ الذي هو أكبر درجة علمية في على 500 دولار شهريًّا، وهو ما يحصر أعضاء هيئة التدريس والباحثين في دائرة (لقمة العيش) مثلهم مثل باقي فئات الشعب المصري، ولا يوجد لديهم إمكانيات مادية لإنجاز أبحاثهم العلمية.
ويشير د. حسان إلى أن الدولة لا تريد أن يكون هناك أي تنمية علمية، وتكرس للتخلف وإبقاء المجتمع في حالة من التردي العلمي وعدم إحداث أية خطوة نحو المنافسة، وتكريس حالة التخلف التي تعيشها مصر، موضحًا أن هذه الحالة هي التي أخرجت الجامعات المصرية من المنافسة العالمية في حين حصلت السعودية ودول أصغر من مصر على ترتيب.
ويحذر د. حسان من أن إبقاء وضع التعليم المصري والجامعات المصرية على الحال التي هي عليه من شأنه أن يعطي مساحات واسعة للتعليم الخاص، والتوجه نحو خصخصة الجامعات الحكومية.