![]() |
|
م. فتحي شهاب الدين |
منيت السياسة المصرية تجاه ملف النيل بسلسلة متتالية من الفشل، فطوال 10 سنوات من المفاوضات لم تنتبه إلى إصرار دول المنبع على مطالبهم، وتهاونت في ذلك، ثم عندما استيقظت على ما حدث في اجتماع "كينشاسا" من رغبة هذه الدول في التوقيع رغمًا عن مصر والسودان لم تحاول البحث عن سياسة بديلة لصيانة حقوقها، بل استمرت في سياسة التسويف، من خلال ما أسفر عنه مؤتمر الإسكندرية من إعطاء مهلة ستة شهور للتفاوض، ومع انتهاء هذه المدة حاولت الحكومة الاستمرار في نفس اللعبة بالدعوة إلى الاستمرار في التفاوض، وهو ما رفضته دول المنبع حتى تمَّ التوقيع على الاتفاقية أخيرًا؛ لتخرج الحكومة المصرية بنفس التصريحات والكلام المتكرر عن الحقوق التاريخية.
إن أخطر ما في الاتفاقية الإطارية الجديدة أنها ضمَّت بندًا يشير إلى حق الدول المتشاطئة مع دول حوض النيل في الحصول على مياه النيل، وبالتالي فإن الكيان الصهيوني المتشاطئ مع مصر سوف يكون له الحق في الحصول على المياه، والقصة نفسها تنسحب على ليبيا أيضًا.
والأشدُّ خطورةً في الاتفاقية الجديدة أن القانون الدولي يلزم بوجود اتفاقيات جماعية، ويمكن في هذه الحالة أن يكون عدم اعتراف دول حوض النيل بالاتفاقية الثنائية بين مصر والسودان (1959) قانونًا في حد ذاته.
إن الرصيد الذي صنعته مصر في سنوات طويلة قد تلاشى في سنوات قليلة ولم يكن هذا الرصيد من صناعة ثورة يوليو فحسب، لكن سبقته علاقات وصراعات قديمة حول مياه النيل، ابتداءً من عصر محمد علي، ومرورًا بعصر إسماعيل ودور إنجلترا (رغم أنها كانت تحقق مصالحها بذلك).
وليس أدلَّ على ذلك من قيام مصر بإغلاق جميع المكاتب التجارية المصرية في إفريقيا وبيع منشآتها ومبانيها في إطار ما سمِّي بـ"الخصخصة".
لقد توقفت مصر عن المشاركة في وفود رسمية عالية في مؤتمرات القمة الإفريقية والمؤسسات التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية، وحدثت فجوة واسعة في الأنشطة الأهلية والمدنية ترتب عليها غياب كامل لمصر بكل مؤسساتها في دول إفريقيا، ابتداءً من البعثات الدينية والتعليمية، وانتهاءً بدور الأزهر الشريف، كما تقطَّعت كل الروابط الدينية بين الكنيسة في إثيوبيا والكنيسة في القاهرة، ولم تحاول مصر الإبقاء على شيء من هذه العلاقات، والتي كانت من أهم الروابط بين الشعبين في كل من مصر وإثيوبيا.
لقد ترك النظام المصري إفريقيا خاليةً من أي دور أو مكانة مصرية مفسحًا المجال للدور الصهيوني الذي تحرَّك بخبث ودهاء، فأقام العلاقات، وساعد في بناء السدود والمشاريع المائية، ولم يكتفِ بذلك، بل قام بتأليب دول حوض النيل ضد مصر، وساهم في تراجعهم عن كل الاتفاقيات السابقة.
وإن المرء يحار كيف تكون هناك معاهدة سلام بين مصر والكيان الصهيوني، وتقوم الأخيرة بهذا الدور المشبوه الذي ينسف هذه المعاهدة من أساسها.
وإذا نظرنا إلى الوضع الداخلي في مصر نجد أن المشكلة الأساسية هي عجز الموارد المائية بصورة واضحة من ناحية، والإسراف في استخدام المتاح من ناحية أخرى، ثم الأشد والأخطر، وهو تلويث النيل بطريقة بشعة وعن إصرار وتعمُّد.
ونستطيع أن نعرض التوصيات التالية كحلول للقضية:
1- عقد مؤتمر يحضره العلماء والمتخصصون والمسئولون ومتخذو القرار لوضع إستراتيجية وسيناريوهات للتعامل مع الاتفاقية الجديدة لحوض النيل، يسترشد بها المفاوض المصري.
2- على مصر التوقف عن سياسة الاستخفاف بدول حوض النيل ومعاملتها على أساس أنها دول منبع ولها حقوق، والبعد عن نغمة الحق التاريخي في المياه؛ حيث إن الظروف تغيرت، وأصبح الماء سلاحًا في يد من يمتلك منابعه، وخاصةً إذا كان ملاك المنابع يعانون من الفقر والمشكلات الاقتصادية الحادَّة.
3- يجب أن تعيد الدبلوماسية المصرية النظر في وجودها وتأثيرها في دول حوض النيل، وتقوم بفتح سفارات نشطة تقوم بمدِّ الجسور للتواصل وفتح مجالات جديدة للتعاون وإعادة المياه إلى مجاريها.
4- إنشاء وزارة للشئون الإفريقية تتولَّى التنسيق مع دول حوض النيل، وتكون ذات اعتماد مستقل، يفتح لها الباب لفتح مساعدات وإقامة مشروعات في دول الحوض على الأقل؛ لمعادلة الدور الصهيوني الذي تعاظم في هذه الدول، ويكون من مهمتها أيضًا تنشيط الروابط الثقافية والحضارية، وتقديم البديل المتكامل (ثقافيًّا وروحيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا).
5- الوقوف ضد مخطط تقسيم السودان، والعمل على وحدة أراضيه.
6- حتمية التكامل المصري السوداني والعمل المشترك الجاد لتنمية الموارد المائية والبحث عن سبيل لاستكمال العمل في قناة جونجلي المتوقف منذ عام 1983م، والتي من شأنها أن توفر لمصر والسودان 5 مليارات متر مكعب.
7- التنسيق بين مصر والسودان؛ للتأثير في الدول العربية المانحة، والتي لها استثماراتٌ في إثيوبيا ودول الحوض، مثل السعودية والإمارات وقطر؛ حيث تستطيع هذه الدول أن يكون لها دورٌ مؤثرٌ في مستقبل هذه المنطقة؛ حيث إن هناك مؤتمراتٍ واتفاقاتٍ معظمها يتجه نحو الإنتاج الزراعي والحيواني في هذه الدول، وهذا كله سيكون خصمًا من مياه النيل، وهو تهديدٌ واضحٌ لمصالح مصر والسودان.
8- إن عودة مصر القوية يعني القدرة على التفاوض وتحسين وضع المفاوض المصري، ومن ثم يجب العودة بقوة للوجود في البحر الأحمر، ففي هذا البحر توجد قناة السويس، وهي مورد مهم من الموارد المصرية، وعلى البحر الأحمر توجد أكثر من دولة عربية، فهو بحر عربي بكل المقاييس، ومن الخطر الجسيم ترك أمريكا والكيان الصهيوني تستحوذان عليه وتعبثان بدول حوض النيل، ومن ثم يجب العمل على:
1- التواجد العسكري المكثَّف في حلايب وشلاتين، وإقامة قاعدة عسكرية في "بانياس" في البحر الأحمر.
2- وقف نزيف الانقسامات في السودان والعمل بكل الوسائل؛ للحيلولة دون فصل الجنوب.
3- بقاء اليمن قويًّا موحدًا للحفاظ على باب المندب (المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر).
4- إنقاذ الصومال من الحروب الأهلية، والعمل على استقراره وإعادته إلى الصف العربي.
5- دعم جيبوتي وإريتريا ووضع أولويات للتنمية فيهما؛ لإعادة التوازن في مواقع هذه الدول، وتنسيق أدوارها.
9- التنبيه على الكيان الصهيوني بشدَّة لكفِّ يدها عن دول حوض النيل، ووقف مشاريعها هناك، والتهديد بإلغاء معاهدة كامب ديفيد إذا استمرت في تهديد مصالح مصر.
10- على المستوى الداخلي يجب:
1- مقاومة الهدر (الإسراف)، وذلك بالاقتصاد في استخدام المياه، وترشيد هذا الاستخدام (سيول- أمطار- خزانات- إزالة ملوحة- معالجة مياه الصرف- تطهير المجاري المائية- تقليل البخر- التخزين في البحيرات- استخدام الطاقة الشمسية والنووية)؛ حيث إن الفاقد يساوي ثلث حصته من المياه.
2- تكوين جهاز قومي من المتخصصين في مجالات المياه الجوفية في مصر، يتولَّى تقييم ما تمَّ إنجازه من دراسات ومشروعات المياه الجوفية على المستوى القومي، ورسم خريطة صحيحة للموارد المائية الجوفية في مصر؛ لإعادة التوازن في حالة فقد مياه من حصتنا.
3- التوسع في الري بالمياه الجوفية، وتخفيض مساحة زراعة الأرز وزراعة الأصناف المبكرة.
4- استخدام تقنيات جديدة في الزراعة والري، مثل (الري بالرش والري بالتنقيط).
5- مقاومة تلوث نهر النيل.
وأخيرًا:
إن حل مشكلات حوض النيل يتطلَّب النظرة إلى الحوض كوحدة مائية واقتصادية وبيئية واحدة, واعتراف كل دولة بحقوق الدول الأخرى، وهذا بدوره يتطلَّب التعاون الكامل بين دول حوض النيل والتركيز على تبادل المنافع, فحصاد مياه إضافية لزيادة إيراد النيل يتطلَّب تعاون كل دول الحوض، كما أنه يتطلب تعاون إثيوبيا؛ حيث إن معظم إيراد النيل يأتي منها، وكذلك حكومة جنوب السودان (حيث يضيع 20 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا في مستنقعات الجنوب)، ويتطلب أيضًا ترشيد الاستهلاك في مصر والسودان, كما أن الطاقة الكهربائية في إثيوبيا التي يمكن توليدها من النيل وحده تكفي كل دول الحوض، إضافةً إلى أن إمكانيات السودان الزراعية وإمكانيات مصر الصناعية والثروة السمكية في البحيرات الاستوائية (خاصةً بحيرة فيكتوريا) ضخمة، ويمكن توظيفها لخدمة شعوب هذه الدول، ولكن هذا لن يحدث بدون التعاون بين دول الحوض، والذي هو في نهاية المطاف الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة دول الحوض.
