يمثل حزب "النهضة" الإسلامي أول مبادرة حقيقية لمشاركة إسلامية فاعلة في الحياة السياسية في جمهوريات آسيا الوسطى؛ وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وزوال الحقبة الشيوعية المظلمة 21/12/1991م.
وجمهوريات آسيا الوسطى (طاجيكستان - قيرغيزستان- أوزبكستان- أذربيجان- تركمانستان) دول مسلمة، لكن طاحونة الحكم الشيوعي (1917- 1991م) فَرمتْها، وحاولت صياغتها صياغةً شيوعيةً إلحادية بكل معنى الكلمة، لكن رغم ذلك، ظلَّت العقيدة الإسلامية راسخةً في القلوب دون اهتزاز، وقد بذل أهل تلك البلاد المستحيل حتى يحافظوا على دينهم، ويورِّثوه لأطفالهم جيلاً بعد جيل في سراديب تحت الأرض سميت بـ"المدارس السريَّة".. وهكذا حافظ أهل تلك البلاد المسلمة على دينهم، حتى إذا ما تهاوى الاتحاد السوفييتي البائد انكشف الغطاء عن الكنز الكبير، هو "كنز العقيدة"، الذي ازداد رسوخًا في القلوب، وحفظ الأجيال بالإسلام، وحافظ على الإسلام في الصدور، ومن هنا عندما تنفَّس الناس الصعداء بإعلان استقلال تلك الجمهوريات الإسلامية، ثم إطلاق حرية العمل السياسي، والمشاركة في الحياة العامة؛ برز أبناء وتلاميذ تلك المدارس الإسلامية؛ ليشاركوا في الحياة السياسية، ويعبروا عن الفكرة الإسلامية الصافية بطريقة حضارية ومتحضرة، ومن خلال القنوات الرسمية بتأسيس حزب "النهضة" الإسلامي (عام 2000م) على يد اثنين من كبار تلامذة وأساتذة المدارس السريَّة، هما السيد "همت زادة" والأستاذ "سيد عبد الله نوري" رحمهما الله، وقد قوبل ذلك الحزب بإقبال شديد من الشعب الطاجيكي وبقية شعوب آسيا الوسطى؛ حيث تم تأسيس أحزاب مماثلة في بقية الجمهوريات، لكن الأمر أزعج حكام تلك البلاد بعدما كاد أن يسحب البساط ديمقراطيًّاً من تحت أقدامهم. وغنيٌّ عن البيان، فإن معظم أنظمة الحكم في تلك البلاد تُعدُّ امتدادًا لنظم الحكم الشمولي الشيوعي، وإن لم يكونوا هم نفس الطبقة الحاكمة بنفس العقلية الدكتاتورية المتسلطة، لكن دواعي المرحلة الجديدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي كانت تتطلب شكلاً ديمقراطيًّا وحرية تأسيس أحزاب، وهو ما كان فرصة لحزب "النهضة"؛ ليشق طريقه بسرعة في الحياة السياسية في دولة مثل طاجيكستان، حتى فوجئ الشعب الطاجيكي (ما يقرب من 7 ملايين)، ومعه كل المراقبين بوفاة الشيخ "سيد عبد الله نوري"، ثم الأستاذ "همت زادة" الواحد تلو الآخر، وترددت أنباء شبه مؤكدة؛ بأن الوفاة كانت بسبب سمّ قاتل لم تفلح في علاجه كل وسائل العلاج في الخارج، وخلت الساحة من قائدين مهمين هما مؤسسا حزب "النهضة"، وجاء الدور على "د. محيي الدين كبيري" (مواليد 1965م) وأحد مساعدي الشيخ "نوري" ونائبه الأول وأحد تلامذة المدارس السريَّة، ودرس الشريعة الإسلامية واللغة العربية، ودرس العلوم السياسية في موسكو؛ ليكون رئيسًا لذلك الحزب عام 2006م عقب وفاة الشيخ "نوري" مباشرةً.
وقبل وفاته بسنوات قليلة التقيت في حوار مطوّل عام 2000م مع الشيخ "سيد نوري" روى لي باستفاضة قصة المدارس السريَّة في آسيا الوسطى، وقصة تأسيس حركة "النهضة"، كما كانت فرصة جيدة للالتقاء بالدكتور "محيي الدين كبيري" مؤخرًا على هامش احتفالات حزب "السعادة" التركي بفتح القسطنطينية في حوار مع طبيعة الأوضاع في جمهوريات آسيا الوسطى وتطوراتها، وكيف يقود حزبه ويتعامل مع حكومة غير مرحّبة بوجود تيار يمثّل حزبه، وكيف يتحرك بين شعب متشوق لدينه قانونًا ونظامًا وخُلقًا وسلوكًا، لكنه ممنوعٌ كبقية الشعوب من تحقيق حلمه حتى إشعار آخر.
قال: إن شعبية الحزب تتزايد بفضل الله، فعدد المنتمين للحزب ارتفع من 20 إلى40 ألفًا، وقد حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على الترتيب الثاني بنسبة 10% بعد التزوير بالطبع، وقال: إن خطاب حزبه المتوجه لجميع شرائح المجتمع أكسبه أصوات الأقليات الدينية، والقومية، والقضاة، وأساتذة الجامعات، والأكاديميين، والكثير من شرائح المجتمع.
ويركِّز الحزب على تنفيذ برامج؛ لحل المشكلات المستعصية في بلد نسبة الفقر به تصل إلى80%، وخاصةً مشكلات الشباب، وهو الحزب الوحيد الذي يتواصل مع المهاجرين الذين يعملون في الخارج (ما يقرب من مليون نسمة).
فيما يتعلّق بنظرة الدولة أو مؤسسة الحكم للإسلام والعمل الإسلامي عمومًا، فهي لا تختلف كثيرًا عن بقية دول العالم الإسلامي؛ فطاجيكستان وإن كان قانونها يسمح بتأسيس أحزاب إسلامية إلا أن دستورها لا ينص على أنها دولة إسلامية، رغم أن 98% من الشعب مسلمون، منهم 4% شيعة، ولم يكن سماح النظام بتأسيس أحزاب إسلامية سهل المنال، فقد تحقق ذلك بعد حرب أهلية استمرت عدة سنوات، وهي في الحقيقة كانت حربًا بين إثبات هوية طاجيكستان الإسلامية أو بقائها بين براثن الشيوعية.
الحزب الحاكم- كغيره من الأحزاب الحاكمة في بلادنا- يسيطر على مقاليد البلاد، ويسخِّر كل إمكانات الدولة من أجل البقاء في الحكم، ولا يتوانى عن استخدام الحديد والنار لاستمرار بقائه، لكن صحوة الناس وإقبالهم المتدفق على دينهم يمنعه من تشديد القوانين أو تنفيذها، فالحجاب مثلاً ممنوع في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية، لكن الأمر متروك للأستاذ داخل المحاضرة، ورفع الأذان للصلاة ما زال ممنوعًا في مكبرات الصوت؛ لكن الناس يتواصلون ويتكلمون ويتعلمون دينهم دون عوائق، وقد أدرك الحزب الحاكم ذو الجذور الشيوعية أخيرًا أن الحرب على الإسلام خاسرة على المدى القريب والمدى البعيد؛ لذلك لجأ إلى محاولة الاقتراب من الإسلام ورفع شعاراته والاحتفاء بأئمته وعلمائه من الطاجيك، مثل الإمام البخاري، والإمام أبي حنيفة النعمان، والإمام الترمذي، والخوارزمي، والبيروني؛ حيث عُقد في البلاد مؤتمران دوليَّان، أحدهما عن الإمام أبي حنيفة، والآخر عن الإمام البخاري.. الأمر الذي يصبُّ في مصلحة الإسلام أولاً وأخيرًا.
---------------------------
(*) كاتب مصري ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية- shaban1212@Gmail.com