يتم التعبير عن الموقف الرسمي المصري بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ولكنه في النهاية موقف رسمي.

 

تشمل الطرق المباشرة تصريحات وبيانات الرئيس أو غيره من الوزراء أو المتحدثين الرسميين في الرئاسة وفي الخارجية وفي مجلس الوزراء، كما يلحق هذا الطريق من طرق التعبير الإعراب عن موقف من قرار في هذا الموضوع خلال مؤتمر أو لقاء رسمي أو صحفي.

 

أما الطرق غير المباشرة فهي كل ما يصدر عن أجهزة الإعلام الحكومية، وتشمل الإذاعة والتليفزيون والصحف الحكومية المسماة بـ"القومية".

 

عندما ارتكب الكيان الصهيوني جريمة العدوان على أسطول الحرية في عرض البحر الأبيض، كان لهذا الحادث علاقة مباشرة بمصر، فمن ناحية يؤدي الحادث إلى تهديد الملاحة المدنية في البحر المتوسط، ويؤثر سلبًا بالطبع على الاتحاد من أجل المتوسط، ومصر طرف في هذا الاتحاد، ودولة متوسطية، ورئيس مشارك لفرنسا في هذا الاتحاد وداعٍ متحمس له، رغم خواء الفكرة ووضوح مقصدها، وهو توفير إطار لملاقاة الكيان الصهيوني والبحث له عن تنظيم، بعد أن ظل معزولاً في المنطقة.

 

كان لهذا الحادث أيضًا علاقة غير مباشرة بمصر، من حيث إن حملة الحصار تطاول كسر الحصار البري في رفح، وكان هذا الاعتبار هو الذي دفع مصر في إطار الفكرة المتداولة؛ لتخفيف الحصار الذي كشف عنه الكيان الصهيوني فيما بعد إلى فتح معبر رفح بشكل مؤقت، أو بشكل غير نهائي بمعنى أدق.

 

وعندما نشبت الأزمة بين الكيان الصهيوني وتركيا وتصاعدت، كانت مصر قد أدانت ضمن الإدانات الدولية العارمة الهجوم الصهيوني على أسطول الحرية، ولكن عندما تفاقمت الأزمة بين الكيان الصهيوني وتركيا، وتشعَّبت إلى الولايات المتحدة، وتحرَّش الكونجرس بتركيا، وقرار الكيان الصهيوني القاطع الذي رحَّبت به واشنطن وأوروبا، رغم معارضة أمين عام الأمم المتحدة بعدم قبول التحقيق الدولي، والاكتفاء بتشكيل لجنة صهيونية بمراقب أمريكي مهمتها بحث مشروعية الحصار على غزة وعدم مشروعية التصدي لهذا الحصار، وصولاً إلى إدانة تركيا؛ ما أشعل النزاع مرة أخرى مع تركيا التي تصر على تأديب الكيان الصهيوني، وعلى التحقيق الدولي في الجريمة عند هذه النقطة، والذي أصبح مفتوحًا بين الموقفين الصهيوني والتركي.

 

ولم تفصح مصر الرسمية بشكل مباشر عن موقفها من هذا النزاع، كما أن مصر الرسمية غير المباشرة لم تقف موقف الحياد، بل إن كتبة الحكومة المصرية وتليفزيون الدولة المصري الرسمي قد شنوا حملة شعواء على تركيا، بما في ذلك المتحدث الذي أشارت (القناة الأولى) صباح يوم الإثنين (21/6) إلى أنه سجل خصيصًا لهذه القناة، وهي وحدها صاحبة الامتياز؛ وكأنه سبق إعلامي ثمين.

 

فقال المتحدث: إن تركيا بعد أن فشلت في التوجه غربًا، ورفضها الاتحاد الأوروبي، فإنها راحت تبحث عن دور "جنوبًا وشرقًا"، ودخلت في مغامرة مثل إيران، وراح يقارن بين هذا الدور المغامر وبين مصر التي تقف عن هذه المغامرات، والتي نأت بنفسها بحكمة عن اللعبة كلها، أي أنه يعيب على تركيا أنها أيَّدت رفع الحصار عن غزة واحتكت بـ"الكيان الصهيوني".

 

هذا الموقف يثير الكثير من التساؤلات؛ أولها: أن تليفزيون الدولة ملك للشعب المصري كله، وليس مسرحًا لرأي معين، يظهر على أن رأي مصر الإعلامي الرسمي لا يعكس إلا رأي شريحة رقيقة تمثل الحكومة وحدها وليس الشعب المصري. وثاني هذه التساؤلات: هو أن المتحدث يجب أن يوضِّح لنا مصلحة مصر في مساندة موقف الكيان الصهيوني ضد تركيا، بشرط أن تكون مصلحة مصر هي مصر الوطن، وليس سلطة عينت نفسها للحديث باسم وطن تسيء بمواقفها إليه.

 

وإذا دُفع بحرية الرأي، فإن حرية رأي أنصار الحكومة يجب أن تجاورها حرية مماثلة للرأي الآخر حتى لا يُضلل الشعب، وألا يتم التعبير غصبًا عن إرادة أمة لا تقر رأي حكومتها، ثم إن تليفزيون الدولة ملك الوطن وبأموال الشعب، فلا يجوز لحزب زوَّر الانتخابات أن يلبس الحزب والحكومة في جسد الدولة، فالدولة لكل المصريين والحزب لأعضائه، ويجب أن يكون حزبًا وليس أخطبوطًا، يبتلع الدولة ويجعل الولاء لنظامه هو الولاء للوطن، رغم الفارق الهائل بين مصالح الوطن ومصالح النظام.

 

إن الإعلام الحكومي الذي يموِّله المواطن يجب أن يلتزم مصلحة الوطن في هذا النزاع بين الكيان الصهيوني وتركيا؛ لأن انحياز هذا الإعلام للكيان الصهيوني يدعم ما يعرفه الجميع من مواقف غير مبررة ولا تفسير آخر لها، للتماهي مع الصهاينة.

 

فلماذا يؤيد إعلام مصر الرسمي الكيان الصهيوني ضد تركيا؟ أرجو أن يختار القارئ إجابة من الإجابات الآتية، أو تقديم إجابة أخرى.

 

الأولى، هي أن هناك تحالفًا بين مصر الرسمية والكيان الصهيوني، وأننا لن نُفاجأ إذا ظهر أحد الوزراء بالادعاء بأن ذلك هو ما تفرضه معاهدة السلام السعيدة بين الكيان الصهيوني ومصر الرسمية.

 

الإجابة الثانية، هي أن تركيا تنافس الدور المصري "المنتعش" الذي كان يناضل لفك الحصار عن غزة، وأن بناء مصر لجدار "مبارك الفولاذي" هدفه زيادة محنة أهالي غزة حتى ينفضح الصهاينة!.

 

الإجابة الثالثة، هي أن حكماء مصر يرون أردوغان سطحيًّا، ولا يفهم مخاطر الصدام مع الصهاينة، وكان عليه أن يسأل حكماء مصر الذين يعرفون تلك المخاطر، وأنهم يتوقونها حتى بدفع الجزية!.

 

الإجابة الرابعة، هي أن دور تركيا ومواقفها يمثل تعرية للموقف المصري والعربي، وهو الذي أحرج مصر فاضطرها إلى فتح معبر رفح.

 

الإجابة الخامسة، هي أن موقف تركيا يدعم حماس وإيران، وهو يناهض السياسة المصرية التي تقف ضد إيران وحماس، ولا ندري لو تفاهمت إيران وحماس مع واشنطن؛ فهل سيظل موقف العداء المصري لهما؟!.

 

الإجابة السادسة، هي الغيرة من شعبية تركيا وأردوغان؛ خاصة بعد أن رفعت الجماهير الأعلام التركية وصور أردوغان، ولم تُرفع صور أي من الزعماء العرب، مثلما رفعوا صور عبد الناصر في مناسبات أخرى.

 

الإجابة السابعة، هي أن إعلام مصر الرسمي استبق أزمة بين تركيا وواشنطن، وأن "التحالف الإستراتيجي" بين مصر وواشنطن يملي عليها كمرحلة أولى التعاطف مع الاتجاهات المعادية لتركيا.

 

الإجابة الثامنة، هي أن هذا الموقف لا يزال إعلاميًّا، ولا يعبِّر عن الموقف المصري المباشر، وأنه، عملاً بحرية الإعلام؛ ترك للمتحدثين والكُتَّاب الرسميين التعبير عن آرائهم، ولكن هذا الافتراض يوجب أن تمثُل الآراء الأخرى، ما دام هو إعلام الدولة وليس إعلام الحزب والنظام، كما أن الشعب يعرف أن هؤلاء لا يملكون حرية للتعبير ولكنهم في كل الأحيان مسيرون.

 

الإجابة التاسعة، هي أن هذا الموقف اجتهاد، وأنه يخدم مصلحة مصر كلها حتى تبعد المنطقة عن مخاطر التوتر بين الصهاينة وتركيا.

 

الإجابة العاشرة، هي أن هذا الموقف هو نمط من التقديرات الخاطئة في إدارة المجتمع في الداخل والخارج، وأن الحكومة أقدر من الشعب على فهم مثل هذه المواقف المعقدة.

 

الحق أن مصلحة مصر الحقيقية هي الخروج من المأزق الذي وُضعت فيه، والتقارب مع تركيا ومع إيران ومراجعة علاقاتها الضارة لمصر مع الصهاينة، وأن تصر على التحقيق الدولي وعلى محاسبة الكيان الصهيوني، وعلى إجباره على احترام القانون الدولي.