- د. أحمد المهدي: الجامعات الخاصة أساس انحطاط التعليم

- د. حسني السيد: خفض المجاميع يحوِّل الطلاب الفقراء للشارع

- علي لبن: زكي بدر "سوبر مان" والمانحون يملون علينا سياستهم

- حسن العيسوي: خصخصة التعليم تنفيذ لمطالب البنك الدولي

 

تحقيق- يارا نجاتي:

أصابت تصريحات وزير التربية والتعليم الدكتور أحمد زكي بدر طلاب الثانوية العامة وأهاليهم بالذعر والفزع؛ بعدما قال مؤخرًا: "اللي ها يجيب مجموع 85% في الثانوية العامة سأتوجه إلى بيته لأسلم عليه"، إلى جانب تجاهله شكاوى الطلاب من صعوبة الامتحانات وخروجها عن المنهج؛ حيث قال أثناء جولاته: إن الشكوى من الامتحانات متكررة كل عام، وأنه لن يلتفت لها، طالما أن الامتحانات من داخل المنهج، وأثناء تجواله في لجان محافظة سوهاج تجاهل أيضًا حالات الإغماءات والانهيارات والبكاء التي شهدتها لجان سوهاج، واكتفى بالتعليق: "نسبة النجاح في العينة العشوائية بمادة الإنجليزي 84%.. إزاي تقولوا الامتحان صعب"!.

 

ويرى مراقبون أن كل هذه المشاهدات مرجعها تخبط سياسات الحكومة فيما يتعلق بمنظومة الثانوية العامة، وعدم وجود إستراتيجية واضحة لوزارة التربية والتعليم، فكل وزير جديد يقرّ سياسة وإستراتيجية جديدة، ضاربًا عرض الحائط بمستقبل العلم والتعليم في مصر.

 

فما الهدف من زيادة صعوبة الامتحانات على الطلاب وسياسة خفض المجاميع؟ هل يعد ذلك تشجيعًا للجامعات الخاصة على حساب الجامعات الحكومية؟ ثم ما مصير الطالب الفقير؟ هل سيجد مكانًا في الجامعات الحكومية أم سينتهي عصر مجانية التعليم، ونعود للوراء، ويتعلم أبناء الأغنياء فقط؟ وما تأثير كل ذلك على منظومة التعليم في مصر؟!.

 

(إخوان أون لاين) طرح تلك الأسئلة وغيرها على مجموعة من الخبراء والمتخصصين في التحقيق التالي..

 

أُسّ الفساد!

بدايةً يشدد الدكتور أحمد المهدي أستاذ المناهج وطرق تعليم اللغة العربية بجامعتي حلوان والأزهر على أن مشاكل الثانوية العامة تتعدى صعوبة الامتحانات ومكاتب التنسيق والجامعات، وتصل إلى فشل النظام التعليمي المصري بأكمله، مؤكدًا أن ضرورة استبداله بنظام آخر ننأى فيه عن الاستعارة من نظم التعليم الغربية، وأن نستعين بالخبرات الوطنية، ويقف حدود الاستفادة من النظم الغربية عند دراستها ورؤية مدى ملاءمتها لظروف بلادنا.

 الصورة غير متاحة

هستيريا وبكاء من صعوبة امتحانات الثانوية هذا العام

 

ويوضح أن التعليم في كافة الدول المتقدمة يختلف عن التعليم في مصر، منتقدًا اتجاه الدولة إلى فتح مجال أوسع للتعليم الجامعي الخاص من خلال العقبات التي تقابل طالب الثانوية، وتُخفِّض من مجموعه؛ ما يدفعه إلى اللجوء للجامعات الخاصة، والتي تمثل أساس فساد التعليم في مصر من اليوم الأول الذي شاعت فيه.

 

ويضيف المهدي أن الانحطاط التعليمي ماثل في كل مراحل التعليم، وخاصةً نظام المرحلة الثانوية الذي يفرز طالب الجامعة والخريج الجاهل تمامًا؛ نتيجة للمناهج التي تُربي الطالب على الحفظ والتلقين، مضيفًا أن سوء حالة التعليم جعله عبئًا على الدولة، ومعوِّقًا في سبيل التقدُّم والتطوير.

 

ويقترح أن تقوم الحكومة المصرية بما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية حين اتجهت إلى الإجابة على السؤال الأساسي (لماذا نُعَلِم؟)، واستطلعت آراء كافة القطاعات من خلال وسائل الإعلام والصحافة وتحليل كل ما جاء فيها.

 

ويرى المهدي أن التخبط في السياسات التعليمية نوع من قصد الإهمال مع الاختيار غير المناسب للقيادات التعليمية، إلى جانب أنه استكمال لسياسة تكميم الأفواه وتسيير المواطنين بالكرابيج، كما حدث مع (خالد سعيد) شهيد الطوارئ الذي قتل عندما رفع صوته مطالبًا بحقه، على حد تعبيره.

 

تدخل الوزير!

ويستنكر الدكتور حسني السيد أستاذ التربية بجامعة عين شمس تصريحات وزير التربية والتعليم، موضحًا أنه من المفترض ألا يتدخل الوزير في وضع الامتحانات؛ حيث يقوم على وضعها أكاديمي وتربوي ومستشار للمادة من الوزارة، لا يُصدر لهم الوزير أية تعليمات خاصة بوضع الأسئلة؛ من حيث الصعوبة أو السهولة، مشيرًا إلى ضرورة وجود معايير محددة لمستوى الامتحان؛ بحيث يتم قياسها بعد الامتحانات، والتأكد من صحة الشكاوى المستمرة من الطلاب بصعوبتها.

 الصورة غير متاحة

أولياء الأمور طالبوا بإقالة الوزير بعد ضياع أحلام أبنائهم

 

ويضيف أنه منذ أن دخل التعليم الخاص إلى مصر أصبحت العملية التعليمية في مأزق، بدءًا من المدارس الخاصة، واتجاه المواطنين للدبلومات الأمريكية والفرنسية بدلاً من النظام الفاشل للثانوية العامة، مرورًا بإلغاء وزير التعليم العالي مؤخرًا الانتساب الموجه لحساب التعليم المفتوح والكليات الخاصة إلى جانب ادعاءات الحكومة بعدم توافر أماكن كافية للطلاب في جامعاتها.

 

ويؤكد السيد أن الدولة تخلت عن مسئوليتها في تعليم أبنائها في الجامعات الحكومية، إضافة إلى انعدام وجود جامعات أهلية في مصر، وهي الجامعات الخاصة غير الربحية، موضحًا أن المعايير الدولية تشير إلى وجود جامعة لكل 2 مليون مواطن ما يعني أن مصر تحتاج إلى 40 جامعة!.

 

ويشير إلى أنه كلما خفّضنا من مجاميع الثانوية العامة واتجه الطلاب الأغنياء إلى الجامعات الخاصة فإن الفقراء من الطلاب لن يكون لهم مكان سوى الشارع، ما يعني المزيد من البطالة والجهل والتخلف وارتفاع معدلات الجريمة والفساد في مصر.

 

ويرى أن عدم ثبات سياسات التعليم يأتي بسبب أنها سياسات تابعة للوزير، وليس للوزارة، فمرة نضع الصف السادس الابتدائي ومرة نلغيه، وتتغير كثيرًا سياسات مكاتب التنسيق تجاه الطلاب إلى جانب أن نظام الثانوية العامة نفسه لم ير الثبات يومًا، فمؤخرًا قيل إنه سيتحول إلى نظام السنة المنتهية، إلى جانب نظام التقويم الشامل الذي يتغير كل عام.

 

وأكد أن الحل النهائي لن يكون إلا برحيل النظام وتغييره بالكامل والتخلُّص من أتباعه، حتى يأتي من يرغب في تحسين أوضاع التعليم، وإصلاح أحوال مصر بعد أن أصابها التدهور على جميع المستويات.

 

الدول المانحة

 الصورة غير متاحة

 علي لبن

ويتفق معه في نفس السياق النائب علي لبن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة التعليم بمجلس الشعب؛ حيث أكد أن سياسات وزارة التربية والتعليم تُرسم وتُملى على الوزير من الدول المانحة، وبالتالي تدخلت في نظام الثانوية العامة، ما جعل الوزارة غير مستقرة في قراراتها واتجهت مؤخرًا إلى تقليل نسب المجاميع.

 

ويرجع فشل التعليم المصري إلى أن أي سياسة إستراتيجية لا بد أن يشارك في وضعها المجلس الأعلى للتعليم برئاسة رئيس الوزراء والذي لا يجتمع أبدًا، منتقدًا تجاهل الحكومة لتوصيات وتعليمات المجالس المتخصصة ولجنة التعليم بمجلس الشعب، وفردية القرار في الوزارة؛ حيث يقوم الوزير بدور المخطط والمنفذ وكذلك المحاسب لنفسه.

 

وأوضح أن الجامعات الخاصة هي المستفيد الأول والأوحد من تخفيض مجاميع الثانوية العامة، مستنكرًا الأزمات المصنوعة في وزارة التربية والتعليم التي لا يحاسبها أو يعاقبها أحد على تلك الأزمات، الأمر الذي يؤكد أنها تهدف إلى شغل المجتمع وإرباكه وتضييق ظروف الحياة عليه، وتحويل اهتمامه عن قضايا بعينها، خاصةً فيما يتعلق بالإصلاح السياسي ونزاهة الانتخابات.

 

ويصف لبن النظام الحالي للثانوية العامة بالخطة المحكمة لإلغاء مكاتب التنسيق مما يعني انتهاء العدالة في توزيع الطلبة على الكليات ودخول المحسوبية، معتبرًا أن مكتب التنسيق بمثابة حائط السد الذي يمثل العدالة التعليمية للطالب المنتمي للطبقة الفقيرة في مصر، متسائلاً عن الهدف من خفض موازنة التعليم بالنسبة للموازنة العامة للدولة مقارنة بميزانية وزارة الداخلية؟!.

 

عصر الإقطاع

 الصورة غير متاحة

حسن العيسوي

ويؤكد حسن العيسوي الأمين العام لحركة "معلمون بلا نقابة" عدم وجود مبرر منطقي يدفع وزارة التربية والتعليم إلى زيادة درجة صعوبة الامتحانات على طلاب الثانوية العامة، مشيرًا إلى أن هذا التصرف يعني وجود العديد من أوجه القصور في وضع الامتحانات من عدم قياس الوزارة لكفاءة الطلاب قياسًا دقيقًا، إلى جانب أن الامتحان التجريبي الذي خضع له الطلبة قبل فترة لم يكن على مستوى من الجدية والدقة؛ بحيث يأخذه الطلاب على محمل الجد.

 

وطالب بأن يكون نظام العمل بوزارة التربية والتعليم عملاً مؤسسيًّا، حتى يتوقف التعليم المصري عن التخبط، وتتوقف الوزارة عن العمل الفردي برأي من يديرها، وبعدما تنتهي مدة خدمته في الوزارة تتغير السياسة بالكامل وينقلب حال التعليم.

 

ويرى أن التوجه لخفض مجاميع الثانوية العامة فيما أسماه بخصخصة التعليم إنما هو تشجيع للتعليم الخاص على حساب التعليم الحكومي، والذي يعد تماشيًا مع سياسة البنك الدولي الداعية إلى خصخصة التعليم، وهو البرنامج الذي تعمل الحكومة على تنفيذه بكل دقة، مؤكدًا أنها سياسة فاشلة وتطبيقها في مصر غير منطقي؛ حيث لا تتوافر المستويات الاقتصادية المساعدة لنجاحها؛ لأن معظم المصريين ذوو أجور متدنية.

 

ويشير إلى أن المجتمع بكامله يتحول إلى عصر الإقطاع، والوضع التعليمي الحالي يدعو صاحب المال إلى التعليم والفقير إلى المكوث في المنزل، ملمِّحًا إلى أن توجيه الطلاب للتعليم الخاص يعد مخالفة للدستور الذي ينص في مواده الـ19 و20 و21 على مجانية التعليم لكافة فئات المجتمع.