الحادث الذي راح ضحيته الشاب خالد سعيد، يحمل مع دلالاته النفسية والإنسانية دلالات ووقفات لا ينبغي أن يمر الحديث دون الوقوف عندها أو تأملها.

 

أول هذه الوقفات تتعلق بما هو متوقع؛ حيث إن الحادث مع بشاعته وخطورته فهو ليس الأول من نوعه بل هو سلوك معتاد يفهمه الكثيرون ويدركه الجميع، ويظل هاجسًا نفسيًّا لدى المواطنين الذين يتوقعون مثل هذه المعاملة غير الإنسانية إذا ساقهم حظهم العاثر للتواجد في أحد أقسام الشرطة، أو الاقتراب من أي مؤسسة أمنية، وهو شعور يستبطنه أي مواطن مصري أو حتى وافد حيث يدرك أنه أمام مصير مجهول، تتضح معالمه وتظهر قسماته عندما يخرج من المخفر سالمًا معافى، حينها يدرك أن الدنيا قد حيزت له بحذافيرها.

 

الوقفة الثانية تتعلق بأمر غير متوقع وغير معتاد يخص التقرير الصادم الصادر عن الطب الشرعي، والذي أكد أن خالد توفي خنقًا نتيجة ابتلاعه لفافة البانجو العجيبة التي حُشرت في حلقه فأصابته بإسفكسيا الخنق وانسداد القصبة الهوائية مما تسبب في الوفاة.

 

والواقع أن انطباعات الكثيرين- وأنا منهم- عن الطب الشرعي كانت حتى هذه اللحظة انطباعات إيجابية يكاد لا يتطرق لها شك أو يقترب منها ريب، فعندما أتابع حادثًا أو قضيةً ملتبسةً وأعلم أن الطب الشرعي بدأ في التحقق من الجريمة، والوقوف على طبيعتها وتشريح الجثة؛ أُدرك أن الأمر أصبح في دائرة الحقيقة المجردة التي لا تحتمل التضليل.

 

ولا أدري- حقيقةً- ما هو السر وراء هذه الثقة الكاملة في الطب الشرعي؟ وهل هي ناتجة عن اعتياد الكثيرين على متابعة الأفلام البوليسية؟ أم ناتجة عن الرهبة التي يولدها الاسم نفسه؟ أم لجمع المصطلح بين كلمتين لهما احترام وتقدير سواء كلمة "الطب" أو كلمة "الشرع"؟.

 

على كل الأحوال لا أخفي الصدمة النفسية التي انتابتني عندما علمت أن النائب العام أصدر قرارًا بتشكيل لجنة ثلاثية من الطب الشرعي لعمل تقرير آخر غير التقرير الأول، وهو ما دفعني إلى الوقوف أمام تقرير للطب الشرعي يمكن أن يكون مصنوعًا وفقًا لمواصفات خاصة على مقاس أحد المجرمين الذي ارتكب جريمة خطيرة على قارعة الطريق.

 

الوقفة الثالثة: أن الجريمة لم تحدث هذه المرة في الخفاء أو بعيدًا عن أعين الناس أو داخل أروقة المخافر أو في غرف التعذيب المجهزة بأدواتها، ولكنها جريمة فاحشة ارتكبت على قارعة الطريق وأمام أعين الناس، وسط متابعة جماهيرية تبدو أنها جيدة.

 

الوقفة الرابعة: أن الجريمة كان بالإمكان أن تمر مرورًا عابرًا خاصةً أن شهود الإثبات الكثر يمكن أن يقف أمامهم شهود نفي يأتون من كل حدب وصوب، إلا أن الصورة التي التقطها شخص ما خففت من جو السلبية التي خيمت على الجماهير التي تابعت الموقف، وكأنه مشهد سينمائي يعرض على شاشة الواقع.

 

هذه اللقطة التي صورت خالد بالهيئة التي هزت المشاعر المتبلدة، تستحق الإشادة وتعد نوعًا من المقاومة المشروعة والمؤثرة والرادعة لمثل هذه الجرائم المروعة، فرب صورة وافقها التوقيت المناسب أحيت أمة وناصرت حقًّا، حينها يمكن أن يكون سلاح الصورة شاهدًا على كثير من المظالم التي تضيع وسط الزحام.

 

الوقفة الخامسة: هي تفرقة البعض بين جريمة التعذيب التي تحدث في حق سياسيين أو جنائيين أو مواطنين ليس لهم من السياسة نصيب، والواقع أن هذه التفرقة ليست من المنطق في شيء، وليست من أصول الإسلام التي كرمت الإنسان حيًّا وميتًا ومتهمًا ومدانًا، وتتعارض مع الحد الأدنى لحقوق الإنسان الذي كرمه الله، فكرامة الإنسان حق لا يتجزأ، سواء كان سياسيًّا أو غير سياسي.

 

وإذا قررنا هذه الحقيقة الشرعية والفطرية والقانونية نجد أنفسنا أمام سجل واسع من الانتهاكات والخروقات يشيب له الولدان، فلم يكن خالد سعيد بدايته ولكن لعله يكون بداية لنهايته.