- د. عبد الله الأشعل: الأجواء المصرية الآن تشبه واقع فرنسا قبل الثورة
- د. حسن نافعة: مصر بصدد أزمة خطيرة تسحق أحشاء المجتمع
- محمود الخضيري: مخطط مدروس لصرف الأنظار عن فضائح النظام
- السيد الغضبان: رجال الدولة لا يعنيهم التدهور المؤسسي في البلاد
- عاطف البنا: الأزمة ليست في القانون، وانهيار العدالة يدفع ثمنه المتقاضون
تحقيق- الزهراء عامر:
الأحداث الملتهبة التي شهدتها مصر خلال الأيام القليلة الماضية ليست وليد الصدفة، بل كشفت تلك الأحداث المتعاقبة أن هناك أيادي خفيةً تتلاعب بمؤسسات الدولة المختلفة، في محاولة منها للعمل علي انهيار وتحلل تلك المؤسسات، من خلال إشعال الفتن والحرائق فيما بينها.
فلم يكد الرأي العام المصري يهدأ من ضجيج الأزمة المشتعلة بين الكنيسة والمحكمة الإدارية العليا بعد حكمها بإلزام البابا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بمنح الكنيسة الأرثوذكسية تصريحًا بالزواج للمرة الثانية للمسيحي الذي انفصل عن زوجته بالطلاق، حتى فوجئ بأزمة جديدة بين المحامين والقضاة على خلفية اعتداء 2 من المحامين على مدير نيابة طنطا بالسبِّ والضرب؛ أعقبها حكم قضائي بحبسهما 5 سنوات، أشعل نار الفتنة بين الطرفين.
وما بين حكم الإدارية العليا والمحامين والقضاة، ظهرت على سطح الساحة المصرية من جديد ظاهرتا انتحار المصريين والتعذيب حتى الموت داخل أقسام الشرطة، جسدت الظاهرة الأولى حادث انتحار الشاب عمرو مرسي الذي انتحر شنقًا من على كوبري قصر النيل، والتي بثت في نفوس المصريين صدمة كبيرة، خاصة عندما تم نشر صور الحادث "الموحدة" بشكل لافت للنظر في معظم الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، بينما جسدت الظاهرة الثانية حادث مقتل الشاب خالد سعيد بعد تعذيبه، وإلحاق الأذى الشديد بجسده على يد رجال الأمن في قسم شرطة سيدي جابر بالإسكندرية.
ويطرح السؤال نفسه: مَن المسئول عن تفكك وتحلل مؤسسات الدولة المختلفة بإشعال الحرائق والفتن فيما بينهما؟ ولماذا يقف النظام الحاكم موقف المتفرج خلال تلك الأزمات وكأنها تحدث في بلد آخر؟ ومن المستفيد من هذا الانهيار الذي ينتشر في جنبات المجتمع كالنار في الهشيم؟.
![]() |
|
د. حسن نافعة |
الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يقول: إن ما تشهده مصر الآن من أزمات متتالية في جميع مؤسساتها يدل على أننا لسنا أمام أزمة سياسية يمكن تجاوزها بتعديل وزاري محدود أو شامل، أو أزمة فنية ذات أبعاد اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية قابلة للعلاج، وإنما نحن إزاء أزمة شاملة تراكمت مع مرور الوقت إلى أن وصلت إلى العصب الحساس لمجمل مكونات النظام السياسي بشقية الحكومي والمعارض، ولمجمل مكونات النظام الإداري بشقية السيادي والخدمي.
ويرى أن النظام المصري الاستبدادي نجح في إفساد الجهاز الإداري للدولة، وبفساد هذا الجهاز أفقد الدولة هيبتها فعجزت عن التدخل بفاعلية لحل المشكلات الفردية والجماعية للمواطنين، مشيرًا إلى أن هذا النظام يُعَد من نوع خاص يجتمع فيه الأنانية المفرطة، ويتعامل مع هذه الأزمات بين مدى الغباء وقصر النظر.
ويحذِّر أن مصر بصدد أزمة طوائف ستقضي على أحشاء المجتمع المصري، فضلاً عن مشاعر الغضب المكبوتة التي تحتمل في نفوس الكافة، وتبحث لنفسها عن متنفس لتخرج بما بها.
ويضيف أن النظام الحاكم لا يمتلك القدرة على التنظيم والقيادة بطريقة تتسم بالكفاءة والرشد، فضلاً عن أنه لا يريد للمجتمع المصري أن يحصل على خلاصه وحريته، مؤكدًا أن الشعب المصري الآن لدية القدرة على الإمساك بعنق هذا النظام، والضغط بشدة على قبضته الهوائية أكثر من أي وقت مضى.
عرش العدالة
المستشار محمود الخضيري
ويتناول المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض المستقيل أزمة القضاة والمحامين قائلاً: إن الفائز الوحيد في الأزمة بين القضاة والمحامين هو النظام الحاكم المستبد، الذي يحاول ضرب مؤسسات الدولة بعضها ببعض، مؤكدًا أن القضاة والمحامين هما الخاسران في هذه الأزمة.

ويشدِّد على أن النظام يستهدف هزَّ عرش القضاء في الشارع المصري، وتشويه صورة القضاة، في رسالة يريد ترسيخها لدى أذهان المصريين مفادها: "أن هؤلاء هم القضاة الذين تنادوا بإشرافهم على الانتخابات" مطالبًا القضاة بإنهاء الأزمة من جانبهم؛ لأنهم الطرف الأقوى، رافضًا المطالب التي تنادي بتدخل رئيس الجمهورية لحل الأزمة.
ويضيف أن الأزمة القائمة بين طرفي العدالة في مصر "المحامين والقضاة" إنما تتم برعاية ودعم من النظام؛ حتى يستمر هذا الصراع محتدمًا ومتصاعدًا؛ لأنه المستفيد الأول من استمرار ذلك الصراع.
ويؤكد أن النظام يحاول أن يصرف النظر عن مصائبه بعد انتخابات الشورى وما جرى فيها من تزوير فاضح، عن طريق إحداث ما يُشبه بالحرب الأهلية بين أهل العدالة في مصر ليلفت الانتباه، ويشتت الاهتمام ويزيح عن كاهل النظام ملاحقة عار تزويره.
الثمار المر
د. عبد الله الأشعل
وعلى الصعيد الدبلوماسي يرى الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الفساد المتمثل في عدم احترام القانون وتجاهل رجال الدولة لأحكام القانون؛ أدى إلى تآكل سلطات الدولة المختلفة، سواء كانت تشريعية أو رقابية أو حتى تنفيذية، وأفقد الدولة هيبتها على مختلف المستويات، وهو ما قد يترتب عليه فوضى عارمة قد لا يُحمد عقباها.

ويشير إلى أن الأجواء المصرية الآن تُشبه أجواء فرنسا قبل الثورة الفرنسية، من عدم احترام الأحكام القضائية، وعدم تطبيق قيمة العدالة في المجتمع وغيرها، موضحًا أن أزمة المحامين والقضاة هي الثمار المر الذي تجنيه مصر من سياسية النظام الحاكم.
ويرى د. الأشعل أن من يقفون خلف تلك الأزمات التي تشهدها مصر، ويساعدون على إشعال فتيل الحرائق والفتن بين جنبات المجتمع المختلفة هم أول من سيهربون خارج البلاد فور حدوث الانفجار، ويتركون مصر كالليمونة المعصورة- على حدِّ تعبيره-.
ويؤكد أن هذا النظام عجز عن إدارة المجتمع، وأصبح متشبثًا بالسلطة، ويستخدم القوة لمزيد من البطش، ومع كل هذا يستخدم خطابًا استفزازيًّا للمواطنين يدَّعي فيه النزاهة والطُّهر بعد تزوير انتخابات الشورى، ولكن الواقع هو الذي يكذب ويدحض ادعاءاته.
ويشير إلى أن النظام ضعيف ويفتقد للأساس الأخلاقي، ولم يحقق أي نجاحات كما يزعم، والدليل على ذلك بيانات وزارة الداخلية بعد مقتل الشهيد خالد سعيد التي ترفض محاسبة الجناة على جريمتهم، مؤكدًا أن المصريين بحاجة لإنقاذ مصر من الحالة التي تعيشها؛ لأن آلامها وأنينها لن يتوقف عند هذه الأحداث بل سيزداد.
ويقول: كفى عبثًا بمصر، والحزب الوطني الحاكم أثبت عن جدارة خلال العقود الماضية عدم أحقيته في إدارة البلاد، وأضاف ساخرًا من شعار الحزب الوطني الذي ينشده خلال تلك الفترة: "من أجلك أنت أقتلك، ومن أجلك أنت أطحن رأسك، ومن أجلك أنت أتركك جوعان"، مؤكدًا أن هذا هو الفكر الجديد الذي يريدون أن يشكلوا به مصر.
ويشدِّد على أنه ما لم يتم اللجوء إلى صناديق حرة نزيهة ستكون النتيجة الحتمية هي الفوضى التي لن يعقبها سوى انفجار كبير لن يُحمد عقباه، مؤكدًا أنه ليس في مصلحة أحد أن تظل مصر دولة بوليسية، ودولة غير شرعية قائمة على عدم رضا المواطنين ولا تلبي احتياجاتهم.
ومن الناحية القانونية والدستورية يحذِّر الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة من تصاعد وتفاقم أزمة القضاة والمحامين، وما قد يترتب على ذلك من انهيار لمؤسسة العدالة في مصر، وما سيترتب عليه من ضرر على المتقاضين.
وفيما يتعلق بأزمة الأقباط يوضح أن القضاء ليس سببًا في هذه المشكلة، والمشكلة أن الأقباط يتحدون النظام القانوني، وأعلنوا المواجهة والقدرة على الاستخفاف بالقانون الوضعي، وتقديم المسألة بصيغة الله مع البابا في مواجهة النظام مع القانون.
ما وراء الصورة
سيد الغضبان
ويوضح السيد الغضبان الإعلامي والكاتب الصحفي أن النظام يقوم بإشعال الفتن، ويزيد من حالة الاحتقان التي يعيشها الشعب بحفاظه على حاشيته ورجاله المفسدين، ولا يريد أن يضحي بهؤلاء حتى وإن كان لتهدئة حالة الغضب العام، وخير دليل على ذلك موقف النظام من مقتل خالد سعيد الذي انتفض الشباب لموته؛ لعدم محاسبة هؤلاء المخبرين بحجة الحفاظ على رجال الشرطة.

ويشير إلى أن مشكلة مصر الأساسية تكمن في أن الحكومة تركِّز اهتماماتها وجهودها في خدمة أشخاص معينين، وتركت أمن البلد، وشطبت المواطنين من سجلاتها، وتركت الأحداث تتراكم وتتزايد حتى وصلت الأزمات إلى ذروتها، واحتدم الاحتقان إلى أبعد الحدود.
ويؤكد أن هذا التدهور الذي تشهده البلاد لا يشعر به النظام وأعوانه، ولا يعنيه أن تنهار كل يوم مؤسسة من مؤسسات الدولة بسبب سياسته، موضحًا أن البلد في حالة انهيار تام، وأحد مظاهر هذا الانهيار أن الأمن فوق الجميع ولكن اليوم يختلف عن الأمس؛ فالأمس كان الشعب يرى الظلم الواقع عليه ويصمت ولا يدافع عنه حقوقه، أما اليوم فالكلُّ يرفض ظلم وجبروت وطغيان هذا النظام الذي لا ينشغل إلا بحماية نفسه ومناصبه فقط.
ويضيف أن هذا النظام لا يوجد فيه إنسان عاقل؛ لأن كل هذه القضايا والأزمات والفتن المشتعلة الآن من الممكن أن تعالج بسهولة، وتنطفئ هذه النيران المشتعلة، ولكن النظام يزعم أنه باستخدام البطش والقمع سيستمر في الحكم، لكنه واهم؛ لأن حاجز الخوف الذي زرعه في نفوسه مواطنيه قد انكسر، ومن الصعب بناؤه مرة ثانية.
وفيما يتعلق بدور الإعلام في هذه الأزمات يوضح الغضبان أن الإعلام استطاع أن يكشف جرائم النظام ويفضحه، ولولا وجود الإنترنت والجرائد الإلكترونية والفضائيات؛ لاستطاع النظام أن يهرب ويطمس معالم جريمته، مثل جريمة شهيد الإسكندرية.
ويضيف أن مشكلة الحكومة الآن هي الفضائيات والإنترنت؛ لأنها تفضح ما وراء الصورة التي يخفيها النظام للملايين، وتكشف وتنقب عن العديد من جرائمه، وهذا ساهم في زيادة حالة الاحتقان.
ويرى أن الشعب المصري ليس أمامه سوى خيارين: الخيار الأول: حدوث انفجار شعبي، وهذا الأمر غير متوقع حاليًّا؛ لأن الانفجار الشعبي دائمًا ما يحدث في حالة وجود احتلال أو استفزاز وطني، والخيار الثاني: هو أن يقوم مجموعة من المغامرين بالقفز على الحكم، وبالتالي تحدث حالة من الانفلات، وترجع البلد مرة أخرى للمربع الأول.
