تحقيق- إيمان إسماعيل ويارا نجاتي:
أثار عفو بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر عن الممارسات والفضائح المشينة لبعض من قساوسته داخل أروقة الكنائس غضب وسخط أهل الأديان عامة، وخاصةً المسيحيين في شتى أنحاء العالم.
وما زاد من اشتعال الغضب في نفوس المسيحيين قول البابا: إنه "يشعر بالعار الشديد" من ممارسات بعض قساوسته المنحرفين في الولايات المتحدة، وتعهده بالعمل على منعهم من أن يصبحوا قساوسة وأن يتم طردهم، إلا أنه أصدر قراره بالعفو عنهم، وكأن شيئًا لم يكن، واتبع ذلك القرار بتقديم وثيقة يهاجم فيها المسلمين للتغطية على فضائحه، وامتصاص غضب الأقباط ضده.
وكانت الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة موجةً من الاتهامات ضد عددٍ من القساوسة استغلوا الأطفال جنسيًّا ودفعوا حوالي مليارَي دولار في قضايا تعويضات، وبات أمرًا معروفًا أن الفضائح الجنسية لم تعد تقتصر على كنائس أوروبا والولايات المتحدة فقط وإنما طالت أيضًا أروقة الكنيسة الأم ذاتها؛ حيث يواجه الفاتيكان أزمةً داخليةً منذ سنوات على خلفية تورط عددٍ من رجال الكنيسة في جرائم اغتصاب لعشرات الأطفال والقصر.
وهناك تحقيقات علنية وسرية بدأت بالفعل منذ حوالي عامين ضد المتورطين في تلك الفضائح، وأبرزهم القس جاميلي، المقرب من بابا الفاتيكان، والمعروف عنه نشاطاته التبشيرية؛ حيث يُشرف على حوالي 267 جميعةً تبشيرية في العالم.
وانتشر الاعتداء الجنسي على الأطفال وتستر المسئولين عن الكنائس العالمية الكبرى عن المجرمين، والتي باتت تُشكِّل فضيحة مدوية؛ حيث يوجد في الولايات المتحدة وحدها ما يقرب من 6000 ضحية اعتداء جنسي من رجال الدين، بالإضافة إلى اعتراف الكنيسة بوجود ما يزيد عن 20000 ضحية اعتداءات جنسية يرتكبها القساوسة في جميع أنحاء العالم.
وتزامنت تصريحات عفو البابا عن قساوسته مع موجة من الفضائح حول اعتداءات جنسية ارتكبها قساوسة بحق أطفال في عدد من الدول الأخرى من بينها أيرلندا والنمسا وهولندا وسويسرا، إلا أن الجديد هذه المرة أن الفضائح بدأت تقترب من البابا نفسه، بل إن تلك التصريحات تشكك في حقيقة الاعتذار الذي قدمه بينديكت السادس عشر في 20 مارس الماضي إلى ضحايا عقود من الاستغلال الجنسي والاعتداءات من جانب قساوسة ورجال دين كاثوليك في أيرلندا، وترجح في الوقت ذاته أنه ما زالت هناك فضائح أخرى يتم التستر عليها.
وكشفت مواثيق حقوق الإنسان أن البابا بنديكيت يدير مؤسسة واسعة في انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأطفال بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، هذا فضلاً عن الحوادث اليومية المتكررة تحت قيادته في الفاتيكان حاليًّا وسابقًا عندما كان رئيسًا لتجمع عقيدة الإيمان منذ 27 عامًا.
وهناك عددٌ من الوثائق تؤكد أن البابا ومسئولين آخرين في الفاتيكان تستَّروا على الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها كاهن أمريكي ضد 200 طفل أصم في ولاية ويسكونسن شمالي الولايات المتحدة، في الفترة من 1950م حتى 1974م.
وجاء في الوثائق أن مسئولين كبار في الفاتيكان بمَن فيهم البابا بينديكت السادس عشر الذي كان برتبة كاردينال في ذلك الوقت فشلوا في اتخاذ إجراءات ضد القس الأمريكي "لورنس ميرفي" رغم التحذيرات المتكررة بارتكابه فضائح جنسية.
![]() |
|
البابا بنديكتوس السادس عشر |
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة "لاريبيبليكا" الإيطالية أن الاعتداءات الجنسية، والتي تورط فيها حوالي 4 آلاف كاهن وقسيس وكاردينال لم تعد تقتصر على الأطفال والقصر من النساء فقط، بل شملت أيضًا الراهبات؛ حيث قام بعض القساوسة والأساقفة في الكنائس الكاثوليكية بالاعتداء الجنسي على الراهبات واغتصابهن، وإجبارهن بعد ذلك على الإجهاض لمنع الفضيحة، وشمل ذلك 23 دولة منها: الولايات المتحدة، والبرازيل، والفلبين، والهند، وإيطاليا، وحتى داخل الكنيسة الكاثوليكية (الفاتيكان) نفسها.
ويبدو أن هجوم بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر المتواصل على الإسلام كان يهدف بالأساس للفت انتباه مرتادي الكنيسة بعيدًا عن الفضائح السابقة من ناحية، وللحد من اعتناقهم للإسلام من ناحية أخرى، ولعل هذا ما ظهر واضحًا في المقابلة التي نشرتها أيضًا صحيفة "لاريبيبليكا" الإيطالية مع بطريرك البندقية الكاردينال أنجلو سكولا الذي قال بكل صراحة وهو يعلق على الفضائح الجنسية: إن الحرب على الإسلام تتصدر أعمال أجندة البابا، مؤكدًا أن هذا الموضوع يُعد بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية ولأوروبا أهم قضية في القرن الحادي والعشرين!
وعلى صعيد آخر، فإن سجلات التاريخ حافلة بتصريحات بابا الفاتيكان الغريبة والتي هي ليست من تعاليم الدين المسيحي في شيء؛ حيث دعا في 17 مايو 2008م إلى ضمِّ كل البشر إلى النصرانية، واصفًا هذا الأمر بـ"الواجب" و"الحق الثابت" بالنسبة إلى الكنيسة وكل مؤمن بالمسيح، تلك الدعوة أباحت لنصارى العالم أجمع بإعطائهم مبررًا لشنِّ الحرب ضد العالم الإسلامي؛ ولم تكن تلك التصريحات الأولى من نوعها، فهو خرج على العالم في 2006م أيضًا بتصريحات شديدة اللهجة شنَّ خلالها هجومًا حادًّا على الإسلام، وزعم أنه انتشر بحد السيف، واعتبرها مباركةً للحروب الاستباقية التي يشنُّها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة ضد المسلمين.
يُذكر أن زعماء صهاينة كانوا قد طلبوا من البابا بنديكت السادس عشر أن يجعل دراسة المحرقة النازية موضوعًا مقررًا في المدارس الكاثوليكية، قائلين: إن هذا سيساعد على إخماد مشاعر معاداة السامية المحتملة لدى الأجيال القادمة، وهو ما قابله البابا بترحيب شديد، وكشفت تقارير آنذاك أن بابا الفاتيكان كان عضوًا في منظمة شباب هتلر النازية.
مخالفة الفطرة
![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
يقول الدكتور حلمي القاعود المفكر والكاتب الإسلامي: إن انتشار جرائم الشذوذ والانحرافات داخل الكنيسة جاء نتيجةً لمخالفة الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، والتي أباح لهم إشباع احتياجاتهم البشرية في الزواج وغيره من الاحتياجات، مشيرًا إلى أن الحرمان يؤدي العديد من الانحرافات، منها الشذوذ والاعتداء على الأطفال والراهبات.
ويضيف أن اعتداء القساوسة والأساقفة على الأطفال بذلك الشكل يمثِّل خرقًا فاضحًا وعدوانًا على البشرية، مشيرًا إلى أن قرار العفو ما كان يجب أن يصدر إلا بعد أن تتمَّ معاقبة المنحرفين عقابًا رادعًا، يقرُّون فيه بعدم العودة إلى تلك السلوكيات أبدًا.
ويؤكد أن بابا الفاتيكان ظهر منذ توليه منصبه بأنه شخصية متعصبة وفاضحة، ولم يحاول أن يخفي ذلك قط؛ حيث ظهر أمام العالم أجمع في مرات كثيرة بإصداره للعديد من الاتهامات ضد الإسلام والمسلمين، والتي كان آخرها في زيارته لقبرص؛ حيث اتهم الإسلام بأنه مجرد تعاليم سياسية، ودعا إلى محاربته وإيقافه، وهو تدخل السافر في عقائد الآخرين.
ويلفت النظر إلى أن سبب هجوم البابا المتكرر والدائم على الإسلام والمسلمين يعود إلى رغبته في التغطية على الكوارث التي تحدث داخل كنيسته، مؤكدًا أن زيوع هذه الجرائم وانتشارها في الوسط الكنسي دليلٌ قاطع بانعدام وجود قداسة لأحد من الكهنة والأساقفة والرهبان، إنما القداسة لله وحده.
ويرى د. القاعود أن تستر البابا على تلك الجرائم سيعمل على زيادتها داخل كنيسته بوجه خاص، وداخل باقي الكنائس بشكل عام؛ نتيجة اعتمادهم على الصفح والغفران دون أي عقاب".
التجريد الفوري
ويقر القس رفيق جريش المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة الكاثوليكية في مصر أن التصرف الواجب على بابا الفاتيكان اتخاذه ضد الكهنة الذين ثبت اعتداؤهم على الأطفال والنساء والقصر هو التجريد الفوري من أماكنهم، وطردهم من الكهنوتية، مضيفًا أن الوضع يجب أن يكون مماثلاً أثناء نظر الدعاوى المدنية ضد الكهنة أمام المحاكم؛ حيث يجب إيقافهم عن المشاركة في الأنشطة الكنسية وخاصة الصلاة، وإبعادهم عن التعامل مع رواد الكنيسة.
ويعترف أن عدد القساوسة الذين ظهرت اتهامات ضدهم حتى الآن يصل إلى 3000 كاهن، منهم حوالي 300 قضية هي التي اكتملت حتى وصلت للقضاة، وبعد المفاوضات ودفع التعويضات وصلوا إلى 16 قضية تم الحكم فيها ضده.
ويقول: على البابا أن يجرِّد المتهمين من الكهنوتية أسوةً بالذين جرَّدهم منذ سنتين بالولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد أن عددًا كبيرًا من القساوسة مرتكبي تلك الجرائم اللا أخلاقية يخضعون للعلاج في مصحات نفسية، ويتم معالجتهم من قبل الأطباء يوميًّا.
حرج الكنيسة
![]() |
|
د. رفيق حبيب |
ويوافقه الرأي الدكتور رفيق حبيب الكاتب والمفكر، قائلاً إن قرار العفو الذي أصدره بابا الفاتيكان هو دليلٌ على وجود أزمة متفاقمة داخل الكنيسة؛ حيث إن ظهور هذا العدد الكبير من الجرائم والاعتداءات على الأطفال والراهبات يضع الكنيسة في حرج ديني وأخلاقي وقانوني؛ ما دفعها أثناء محاولتها إلى غلق الملف وتجاوز المأساة إلى اتخاذ قرارات لم تكن قاطعةً ولا مُرضيةً لأهالي الضحايا؛ ما أدَّى إلى عدم قدرتها على الفصل في الأزمة، وتفاقمها.
ويتوقع أن تتفاقم نتائج تلك الأزمة خلال الفترة القادمة، ولن يتناساها الرأي العام العالمي بسهولة، مضيفًا أن ما حدث يبيِّن ضخامة تكرار الانتهاكات داخل الكنيسة التي أصبحت عاجزةً لحدٍّ كبيرٍ عن إصدار قرارات صارمة، كعزل القساوسة، والتي سيتبعها إبعاد عدد كبير منهم عن مواقعهم، في الوقت الذي يشتدُّ فيه احتياج الكنيسة لهم ولا تستطيع الاستغناء عنهم.
ويرى أن السبب وراء صمت الرأي العام وعدم ثورته تجاه الجرائم السابقة يعود إلى أن الرأي العام الغربي متأثرٌ بشكل مباشر بالتحرُّر من كافة القيود الدينية والأخلاقية؛ ولذلك فالمجتمعات ليست في حالة تؤهلها للضغط على الكنيسة أو الصدام معها.
ويرى أن الكتمان والتعتيم الذي يحدث على جرائم القساوسة ومرتكبي الجرائم داخل الكنيسة هو نتيجة طبيعية للقداسة المعطاة لهم داخل الكنيسة، والتي جعلتهم في منصب لا يتم فيه محاسبتهم، لافتًا النظر إلى أن تلك القداسة لم تعد منتشرةً في المجتمع كما كانت الكنيسة والكهنة في الماضي.
كنائس سياسية
![]() |
|
جمال أسعد |
ويعتبر الكاتب السياسي جمال أسعد أن الانحراف داخل الكنائس ينمُّ عن وجود خلل في سلَّم القيم الدينية، مؤكدًا أن الفساد الأخلاقي الظاهر في الكنائس حاليًّا يرجع إلى أن جميعها تتعامل كمؤسسات سياسية وليست دينية، فتقوم بممارسة أدوار سياسية ملتبسة، تعمل من خلالها للحفاظ على كيان المؤسسة، ولا تلتفت إلى الحفاظ على القيم الدينية التي وُجدت من أجلها، مشيرًا إلى أن كلَّ ضحايا الاعتداءات رفعوا قضايا أمام المحاكم للحصول على حقوقهم، وكلَّفت هذه القضايا الكنيسة أكثر من مليارَي دولار، سواءٌ كمصاريف محاماة ولجان دفاع عنها أو أموال للتعويضات.
ويدعو جمال أسعد بابا الفاتيكان بدلاً من تستُّره على الجرائم الفاجعة داخل أروقة كنيسته إلى أن يضع أزمات الكنائس على مائدة التحليل العميق؛ حتى يخرج بالأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى انتشار الجرائم وظهور الخلل المتمثِّل في كون الفساد يظهر من "رجل الدين" المفترض منه الدفاع عن الفضيلة.
ويؤكد أن منع زواج "رجال الدين" بشكل عام في الكنائس الكاثوليكية يجعل هناك تنازعًا داخليًّا في نفوسهم بين ذلك الإلزام وبين احتياجهم الفطري للزواج؛ ما يجعل تصرفاتهم مضطربةً وغير سوية.
انتشار الرذيلة
ويشدِّد القمص صليب متَّى ساويريس راعي كنيسة مارجرجس بالجيوشي على ضرورة تطبيق عقوبات رادعة لهؤلاء القساوسة، ووضعهم تحت الملاحظة فترةً؛ حتى لا تكون- مثل تلك الأخطاء- شيء بسيط يتم ارتكابه في المجتمع بسهولة، فتنتشر وتُعتبر أمرًا هينًا؛ نتيجةً للعفو الذي تمَّ بكل هذه السهولة.



