كلُّ فرد قد خُلق لمهمة خاصة غير المهمة العامة، والتي هي العبادة المطلقة لخالق هذا الكون رب العالمين.

 

والمهمة الخاصة هي لرجل الدعوة وجندي الفكرة؛ أي المهمة الدعوية, وتتفاوت درجات الاهتمام بتلك المهمة من فردٍ إلى آخر تبعًا لعوامل عديدة، منها الإحساس بالمسئولية، وأثر المردود التربوي للوسائل التربوية والمعايشة، والرغبة في الثواب، وعوامل أخرى كالرغبة في الإنجاز.

 

والجماعة ما هي إلا مجموعة من الأفراد، ولديهم هذا التفاوت في التعامل مع المهام المنوطة بهم.

 

وعلى الرغم من هذا الاختلاف الذي يبدو واضحًا فإنك تجد اللُّحمة الشديدة في العلاقات الإنسانية الرحيمة التي تبدو بين أفراد الصف، وتلحظها على قسمات الوجه، والسمت الجميل الذي يبدو على المحيَّا، من خلال البسمة، و"تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وهذه الروح تخفِّف وتسدد وتقارب وتضحِّي وتسدُّ الثغرة؛ حتى لو كان ذلك دفع حجر من الطريق، وتبذل كل ذلك ابتغاء مرضات الله.

 

والتفاوت بين الأفراد إنما هو سنةٌ واقعيةٌ وحقيقة قرآنية.. قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (الزخرف: من الآية 32)؛ لذا يجب حسن التعامل مع هذه الطبيعة المتفاوتة بين الأفراد؛ حتى لا تنفرط حبات العقد بمشكلة هنا وأخرى هناك، ثم نقضي الليالي الطوال في إزالة رواسب النفس، وهذا السلوك يؤخِّر عن الهدف الكبير العظيم.

 

وواجب علينا أن نتعامل مع كلِّ فرد من خلال مدخله النفسي؛ حتى يسهل علينا أن نملك مفاتيح القلب، ولا يجب النظر إلى الجميع على أنهم فردٌ واحدٌ، فهذا خطأ جسيم؛ لأننا نوحِّد ونجمِّد ونختزل تلك المسافات الشعورية لآلاف في قرار أو تكليف أو مهمة.

 

إن التعامل مع الكل ككتلة واحدة فقط يكون في الثوابت الشرعية التي لا يحق لفرد مهما كانت ظروفه أن يتنازل أو يكسل أو يفرِّط فيها، كالصلاة مثلاً، يجب على المسلم أن يصلي مهما كانت ظروفه المرضية؛ لذا شرعت صلاة السفر وصلاة الخوف والحرب والجمع بين صلاتين لعذر كالمطر.

 

أما فيما يخص التكاليف الدعوية التي يجري عليها التطور والتغيير بتغيُّر الزمان والمكان والظروف، فيجوز فيها أن ينزل التكليف على حسب ظروف ومعطيات الفرد؛ حتى لا نَشُقَّ عليه ونحرجه، ومن الحكمة أن يكون التكليف البشري الدعوي مراعيًا ظروف الفرد قدر المستطاع، ومن هذا المنطلق كان لزامًا على الأفراد أن تكون لديهم همة وعزيمة تساعد على إنجاز المهام العامة والخاصة.

 

والفرد صاحب الهمة سريع الوصول والحصول على المطلوب ما لم تعُقْه العوائق وتقطعه العلائق.

 

وهذا الفرد صاحب الفكرة الناضجة في النفس رقم فاعل ومؤثر، وله كيانه الخاص، وله رأيه الذي يحترمه الآخرون، وله نشاطه وحركته التي تجعله في المقدمات، يوجِّه وينصح ويشير ويبعث الروح في المجموع، وهذا الرقم يحسب له الآخرون حسابًا مهمًّا من التقدير والاحترام؛ لإخلاصه وصوابه وشجاعته، وإقدامه وتفانيه، وكل صفة من هذه الصفات لها علامات يدركها ويلمسها الجميع ممن يحسنون فَهْمَ الآخر، والرقم الفاعل هو من يؤثر في الأرقام من حوله، في القسمة والضرب والجمع، وحتى الطرح، والرقم الحسابي له دلالات مجردة.

 

أما الفرد في الدعوة فهو رقم فيه الحياة، ويتحرك في كل اتجاه، والهوامش هي بمثابة اختزال لمجموعة من الأرقام رضيت لنفسها أن تبقى بعيدةً عن دائرة الضوء وليس زهدًا في الشهرة والزعامة، ولكن زهدًا في العمل، وارتاحت لذلك، وقنعت بالقليل، وضربت بالطموح عرض الحائط، واعتمدت على رصيد الماضي، ونسيت أن لكل أوان أعماله، ونسيت الختام النهائي، وأن الواحد سيُبعث على ما مات عليه، فهل نرضى لأنفسنا أن نموت ونحن في الهامش لا يعلم عنَّا أحدٌ شيئًا.

 

والتغيير كلمة نردِّدها؛ لأنها صارت حقيقةً ومن أصول ثقافة الحاضر، لكنَّ آليات التغيير ما زالت غامضةً عند الكثيرين من سكان الهوامش، تلك الأرقام التي رضيت لنفسها الكسل والقعود أزمنةً متواليةً.

 

والواقع الذي نحياه سريعة أحداثه ومتلاحقة، فلم يعد لدينا وقت نضيعه أو جهد ندخره أو مال نبخل به، فقاموس ثقافتنا فيه "وسارعوا" "وسابقوا" "وأنفقوا"، فنريد أن نُخْرِجَ تلك الأرقام الهامشية من مكمنها؛ حتى تصير من أصحاب المهام الصعبة حتى تقترب ساعة الحسم وننال شرف شهود مرحلة التتويج.