حسن القباني

مع نهاية شهر يونيو 2010م تقف مصر على أعتاب مشهد مهم، له من الآثار الخطيرة ما يؤثر في مستقبل مصر وحالة الحراك المصرية ضد المعارضة الحكومية لمطالب الأغلبية الشعبية بالإصلاح؛ حيث سيتمُّ إعلان موقف النظام المصري من قضية مدِّ سنِّ القضاة، وهي الأزمة التي تتكرَّر سنويًّا مع تقاعد بعض أعضاء السلطة القضائية، ولكنها في هذا العام تشهد تطوراتٍ مهمةً.
فمع نهاية الشهر من المفترض أن يتقاعد المستشار انتصار نسيم رئيس اللجنة العليا للانتخابات ورئيس محكمة استئناف القاهرة، بعد قيادته لانتخابات الشورى بصفته رئيسًا للجنة الانتخابات بطريقة أخلت بموازين الحق والعدل، وثبت منها انحيازه للحزب الوطني، وعدم احترامه لأحكام القضاء وصمته على تزوير الانتخابات، ومعنى المد له أنه سيواصل رئاسة اللجنة ويواصل الصمت!.
ومع نهاية الشهر نفسه إذا لم يتم مدُّ السنِّ من المفترض أن يدخل المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض وأحد قيادات تيار الاستقلال القضائي ورئيس لجنة تقصي الحقائق بنادي قضاة مصر السابق- والذي كان له ولزملائه الأفاضل فضلٌ واسعٌ في فضح ما حدث من تزوير في انتخابات مجلس الشعب في 2005م فضلاً عن دوره القيادي البارز في الدفاع عن استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات واستقلالية النقابات المهنية وسيادة القانون- المجلس الأعلى للقضاء.
كما يستهدف أي مد للسن خلال الفترة المقبلة إبعاد المستشار حسام الغرياني نائب رئيس محكمة النقض وأبرز قادة تيار الدفاع عن استقلال القضاء من رئاسة محكمة النقض والمجلس الأعلى للقضاء، والتي من المفترض أن يتولاها طبقًا للأقدمية بعد موسمين قضائيين في يونيو 2011م في عزِّ الاستعدادات لانتخابات الرئاسة، بعد المستشار سري صيام الذي سيتولَّى المنصب بعد انتهاء فترة المستشار عادل عبد الحميد في يونيو الجاري؛ حيث سيتولَّى صيام المهمة لمدة موسم قضائي واحد حتى يونيو الذي يليه.
والمستشار الغرياني من أبرز قيادات تيار الاستقلال القضائي في مصر وانتفاضة القضاة في 2006م، التي أدَّت إلى انتزع بعض حقوقهم عبر تعديلات قانون السلطة القضائية الأخيرة، فضلاً عن أن وصوله إلى منصبه في 2011م يعني أنه رئيس الجمعية العمومية لنادي قضاة مصر وشيخ القضاة في ظرف تاريخي حاسم يعلم كل الأطراف في مصر مدى أهميته.
ولا يفوتني أن أربط بين ما تفجَّر في بداية هذا الشهر وبين المترقَّب في نهايته؛ حيث تفجَّرت أزمة المحامين والقضاة على نحو يثير الريبة والشكوك في بواعث تضخيم الأزمة هذه المرة، رغم أن حادثةً مماثلةً وقعت في مدينة إيتاي البارود في شهر يناير الماضي ولم يحدث فيها ما تمَّ من تصعيد تشهده هذه الأيام.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها، فإن المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة يستغل الحدث انتخابيًّا، خاصةً أن أزماته مع القضاة تصاعدت بعد تأجيل الانتخابات إلى شهر سبتمبر المقبل بالمخالفة للقانون، وضعف مواقفه في الدفاع عن القضاة، وكذلك من أجل التغطية علي احتمال مدِّ سنِّ القضاة الذي من المفترض أن يواجهه النادي بقوة لمنع النظام من مدِّ السنِّ لصالح قضاة بعينهم قبل انتخابات الشعب والرئاسة المقبلتين، وعدم مناقشة مطالب بعض رؤساء أندية قضاة الأقاليم في إصدار بيان ينفي صلة القضاء بانتخابات الشورى أثناء الاجتماع الذي جمعه بهم في النادي النهري عقب الأزمة.
الزند يريد أن يظهر بين القضاة بصورة جديدة بعد عدم تحقيقه أية مكاسب من الصمت على تدخلات الحكومة في النادي والسلطة القضائية، وهو ما وضح جليًّا في مؤتمر النادي الأخير، عندما هاجم الزند بضرواة وزير العدل، وطالب رئيس الجمهورية بإنشاء شرطة قضائية لحماية العدل وأبنائه، وتنفيذ أحكام القضاء.
وهو نفس الواقع الذي تعيشه نقابة المحامين.. فالنقيب حمدي خليفة يريد استغلال الحدث انتخابيًّا بعد أزماته النقابة المتكررة وتعرُّضه في أول يوليو إلى جمعية عمومية طارئة لسحب الثقة؛ بعد تحالفه مع الحزب الوطني وتقديمه تعديلاتٍ مشبوهةً لقانون المحاماة تمَّ رفضها، ثم تقديمه بلاغاتٍ ضد بعض المحامين المعارضين في النيابة العامة، وإحالتهم إلى التأديب؛ على خلفية نشاطهم النقابي المعارض.
إن المحاولات الحكومية المسعورة للتغطية على أزمة سن تقاعد القضاة وغيرها بمثل هذه التحركات الانتخابية المدعومة منها؛ يجب أن يتيقَّظ لها المصلحون جيدًا، وينبغي للسادة القضاة أن يذودوا عن استقلال القضاء؛ فهو واجبهم الأول والأخير، وليعلموا أنهم ليسوا وحدهم، فمصر الشعب والوطن كلها ضد العدوان على استقلال القضاء، وتقف خلف مطالبهم المشروعة، وعلى رأسها حقهم في عدم مدِّ سنِّ التقاعد.
اللهم قد بلغت؟! اللهم فاشهد.