حمدًا لله تبارك وتعالى وصلاةً وسلامًا على خير البرية، درة التاج والعف العفيف والقرآن الذي يمشي على الأرض: أيها الأخ الفاضل الذي يحمل بين جنبيه أشرف دعوة على ظهر الأرض، ويأخذ على عاتقه مسئولية تبليغ دعوة الحق ونشرها في ربوع الأرض، إليك أسوق هذه الرسالة، وهذه الدعوة الكريمة لا يحملها ولا يبلغها بصدق إلا أصحاب الخلق الكريم، الذين يعانون المحن، ويتعففون عن المنح؛ لأنها دعوة مغرم لا دعوة مغنم.

 

ولقد حبانا المولى سبحانه برصيد من الفهم الجيد لطبيعة هذا الدين، وكيف يعمل في دنيا الناس، وأتاح لنا فرصًا عظيمةً نفهم من خلالها واقعنا، وما به من علل وأمراض اجتماعية لوَّثت حياتنا وأصابتنا بجرح كبير؛ لذا صار حالنا معاناةً يوميةً في الشارع والمواصلات والفضائيات، وفي كل ما تقع عليه عيناك، وهذه المعاناة المؤلمة جعلت أهل الحق في غربة مستمرة، وهذه حرب منظمة ومخطط لها، تقودها أيادٍ خفية تعبث بقيمنا وثوابتنا.

 

ولزمن غير بعيد كانت الأخلاق عنوان أفرادنا من السمت الحسن والابتسامة الرقيقة والكلمة الطيبة والنظرة المقتصدة والتواضع واحترام الغير؛ كل هذا وغيره أتاح لأهل الفراسة التعرف على أفرادنا أيًّا كان موقعهم أو حتى زمن وجودهم، من خلال السمت الحسن ولغة الخطاب والمعاملة الطيبة، وهذا وإن دل فإنما يدل على وحدة التلقي، ووحدة التربية ووحدة الفهم.

 

وهذا الرصيد رسم لنا معالم طيبة للقدوة المتأسية بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والحديث عن أناس من هذا الصنف يشعرك بالتباهي والمباهاة أمام الغير، إذ يتحول الأخ المسلم بسلوكه العام والخاص إلى ترجمة حقيقية لطبيعة النصوص القرآنية والنبوية، فهو في سيره يلتمس خطا الجيل الأول، جيل النور، ولكن ومع تباعد الزمن وانفتاح الدنيا، وزيادة تأثيرات البيئة السلبية والواقع المريض، كل ذلك ساعد على زيادة نسبة الانفلات، بل التآكل الأخلاقي، وأخشى ما أخشاه أن يصل بنا الحال إلى الترحم على الفترات الزاهرة السابقة.

 

وقضية التآكل الأخلاقي هي نوع من التساهل في خطاب الغير، وكثرة التعديات اللفظية التي تثير النفوس، وتجرح المشاعر، وهذا نذير خطر؛ لأن التساهل مع الظاهرة يؤدي لوجود نبت صغير يقتدي بلغة الكبار، فينشأ في وسط جو أخلاقي بدأ ينهار، فتكون الكارثة بتعميق هذا الانحراف الخلقي على أنه أصل.

 

ونحن في موضع القدوة، والناس ينتظرون منا الكثير، والمشكلة ليست في إفلاسنا المعرفي بجانب الأخلاق، أبدًا ما كان ذلك سببًا لوجود هذه الظاهرة، إنما التساهل وعدم المتابعة في معالجة الحالة قبل استفحال خطرها مع الاستجابة لتأثيرات البيئة وضعف الإيمان.

 

فالأخلاق قرينة الإيمان، وهذا هو مربط الفرس وبيت القصيد، وأحيانًا تحكمنا العاطفة عند علاج هذه الظاهرة، فنمنح الفرد المنفلت والمتسيب في لغته وتصرفاته فرصة تلو فرصة، فيشعر أن عوده أصلب وموقفه أقوى، وخاصةً عندما نخاطبه بلغة صوتها منخفض، فيكبر بمرضه، ثم يصعب علينا العلاج، ثم يصير نموذجًا يؤصل لغيره من النبت الجيد دعوة للانفلات الأخلاقي، وبهذه الصورة تكون ظاهرة التآكل الأخلاقي بمثابة ناقوس خطر على ثوابتنا القيِّمة.

 

إن الأزمان تصنع الرجال، وكذلك تعلمنا أن يكون رصيدنا كيفيًّا لا كميًّا، وقد يقول قائل: إن المتهم الأول في ذلك هو البيئة والمناخ والجو العام، فقد لامس على أصحاب الدعوات، فتأثروا بحكم الجوار والمعايشة، هذا صحيح ولكن أين التمايز؟ وأين القدوة؟ وأين إبراز ملامح الشخصية المتوازنة التي تؤثر في المحيط العام؟.

 

ولذا يجب أن تكون وقفتنا وقفة نوعية، بمعنى تحديد مكان التسيب، ثم ردّ الفرد إلى المنهج وإشعاره بأنه في موضع المخالف للقرآن والسنة، وهذا فيه خطر عليه يوم القيامة، فيها تجديد الإيمان في نفس صاحبه، نخاطبه بلغة شديدة حتى يرتدع، ثم إزاحته من مواقع المسئولية، حتى لا يصير نموذجًا يُحتذى به.. والله المستعان.