![]() |
|
د. أحمد جعفر |
تأكيد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان أن بلاده ستواصل التحرك حتى يرفع الصهاينة حصارهم عن قطاع غزة، وإصراره بالقول: إن غزة "بالنسبة إلينا هي قضية تاريخية نقف في وجه من يجبرون سكان غزة على العيش في سجن في الهواء الطلق".. يفرض علينا كمراقبين ومحللين للمشهد السياسي العديد من البرقيات المهمة لمختلف الجهات ذات العلاقة، ألخِّصها في نقاط:
أولاً: رئيس وزراء تركيا
"ألف ألف ألف تحية إليك وإلى شعبك وحكومتك، ولكل تحركاتك السياسية التي شهدتها المنطقة..
ألف ألف ألف تحية للتحرك الجاد والنزيه والواعي والمتزن..
ألف ألف ألف تحية لاختيارك اللحظة المناسبة للقيام بهذه الأدوار..
ألف ألف ألف تحية أن وفقك الله لفضح وتعرِّي حالة الضياع العربي..
ألف ألف ألف تحية على مهاراتك في ترويض الغرب وفهم لغة التعامل معهم..
ألف ألف ألف تحية لاستقواء شوكتك في حلق الغرب والأمريكان..
ألف ألف ألف تحية حقًّا على اختيار فريق عمل من المستشارين لا يطمح فيما دون الريادة القائمة على تغيير الواقع المؤسف..
ألف ألف ألف تحية للخصومة التي تبديها للبسمة تعبيرًا على حالة التردي للواقع المأزوم عالميًّا..
ألف ألف ألف تحية لاختيارك مهمة إيقاظ الضمير العربي والغربي لنصرة المستضعفين في غزة بمواقف تقرن القول بالعمل في تأكيد لا يقبل التشكيك فيه على خيرية أمتك..
وحتى لا تسرق ثمار أسطول الحرية الذي شرفتم بتسييره، نذكركم أن هناك هدفًا إستراتيجيًّا وأهدافًا أخرى فرعية لهذا الحراك، فالهدف الإستراتيجي رفع الحصار، والأهداف الأخرى تبدأ بكسر الحصار وفضح الأنظمة والدول المشاركة فيه، وإبراز الصورة الحقيقية للوجه الصهيوني القبيح، ودعم معنويات الشعب الفلسطيني المحاصر، وإحراج الحكومات المجاورة من صناع ومساهمي الحصار بحجج واهية، وكشف زيف علماء السلطة والمفتين بحلِّ بعض مواقف الأطراف العربية، وإرسال رسائل إلى الضعفاء والجبناء الذين يأكلون على كافة الموائد أن بالإرادة وحدها يمكن أن يتحقق الكثير والكثير لنجدة، وفك أسر شعب محاصر في الهواء الطلق- على حد قولكم- دون أن يحرك هذا المشهد الدامي نخوة وشهامة العرب الأصيلة.
فلا ينبغي أن نتصور أن نقبل بالتحايل والالتفاف الصهيوني على النتائج المستهدفة وأن يكون كسر الحصر عبر بوابتها والتنفس عبر رئتها "ميناء أسدود".
ولا ينبغي أن يكون مصير الأساطيل الأخرى نفس مصير الأسطول الثاني "راشيل كوري".
ولا ينبغي أن يدخل علينا ممارسات التنفيس التي حدثت في رفح عقب أحداث أسطول الحرية الأول لاستيعاب غضبة الشعوب.
ولا ينبغي أن نتصور أن يكون مستوى الأساطيل التي يجري تجهيزها أن تكون أقل من مستوى الأسطول الأول.
ولا ينبغي أن تكون الأساطيل التي يجري تجهيزها تخلو من متحدث إعلامي باسمها يجيد لغة الخطاب وإصدار المعلومات والبيانات للرأي العام.
ولا ينبغي أن نقرأ أرقامًا متضاربةً عن حجم الممثلين؛ فمنهم من يقول 40 دولة ومنهم من يقول 32 دولة ومنهم من يقول 12 دولة؛ ما يعطي مؤشرات سلبية عن الجوانب التنظيمية.
وحتى لا يسرق الهدف الإستراتيجي ينبغي أن يكون هناك برنامج واضح ومعلن عن تجهيز أساطيل أخرى.. أسطول للإعلاميين فقط من كافة وسائل الإعلام العربية والأجنبية، أسطول للفنانين والفنانات وأبطال السينما والمسرح والثقافة في العالم.. أسطول للرياضيين بمختلف أنواعهم على مستوى العالم.. أسطول للمحامين وحركات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم.. أسطول للعلماء ورجال الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي في العالم.. أسطول للأطفال اليتامى في العالم.. أسطول لكبار السن من سيدات ورجال من كافة الجنسيات.. أسطول للمعوَّقين وذوي الاحتياجات الخاصة، شعار هؤلاء وهؤلاء: الحرية لغزة.
وحتى لا يسرق عرق الضعفاء ونبض المخلصين ومساندة أحرار العالم، لا تلتفتوا كثيرًا لزيارة أمين عام الجامعة العربية لغزة، فقد سئمنا من حنجوريته التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. لقد اكتفى أن يشاهد ما يجري ناسيًا أن التاريخ لا ينسى، لقد اكتفى بنصيحة بان كي مون في دافوس ولسان حاله يقول له: "اقعد لا تتحرك" فاستجاب، لقد اكتفى بمشاهدة بان كي مون في غزة.. ولم يأخذ بزمام المبادرة حتى ولو كانت تلك المبادرة ثمنًا لموقعه في الجامعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثانيًا: الشعب التركي
"ألف ألف ألف تحية على التحرك الناشط الذي أذهل العرب وكل الشعارات الجوفاء التي سئمنا منها وسأمت شعوبنا مردديها..
ألف ألف ألف تحية على حسن اختياركم للقيادة الحكيمة التي تقود دولتكم في هذه المرحلة الحرجة من مراحل زمن هيمنة القطب الواحد..
ألف ألف ألف تحية لشركاء المقولة القرآنية الشهيرة "نزل في الجزيرة وكُتب في تركيا وقُرئ في مصر"..
ألف ألف ألف تحية للشعب التركي الرافض للهيمنة الصهيونية، والراغب في تقوية ومساندة الدور العربي والإسلامي القائم على العدالة ووحدة المصير..
ألف ألف ألف تحية للشعب الذي يؤمن بالمفهوم الحقيقي للأمن القومي التركي..
ألف ألف ألف تحية للشعب الذي اختار الوقوف مع الحق وأهله ونصرة قضية العرب والمسلمين الأولى وأن يأخذ زمام مبادرة تجهيز جيش العسرة".
ثالثًا: الأنظمة العربية
مطلوب منكم أن تعبِّروا عن نبض شعوبكم ولو مرة واحدة في حياتكم، وأن تعيدوا النظر في علاقاتكم مع تركيا في الاتجاه الإيجابي ودعم موقفها المشرف، وأن تتجه عيونكم إلى إسطنبول بدلاً من تل أبيب.. للحرية بدلاً من التبعية.. للكرامة بدلاً من المهانة.. للوحدة بدلاً من الفرقة، للأخذ على يد المعتدي بدلاً من التفكير في تعبيد طرق التطبيع معه.
تذكَّروا أن رهانكم على تركيا أفضل بكثير من رهانكم على تل أبيب وربيبتها.
تذكَّروا يا عرب أن بينكم وبين تركيا رابطتين كما يقول الدكتور محمد نور الدين في كتابه "حجاب وحراب"، فالرابطتان، هما الأرض والخلافة: الأولى ذهبت مع نهاية الحرب العالمية وهزيمة الدولة العثمانية، والثانية ولَّت أيضًا بإلغائها وإقامة الجمهورية التركية في عام 1923، وهو ما أدى إلى فك ارتباط دام بين الطرفين طيلة 4 قرون.
تذكروا يا عرب، أن القيادة السياسية في تركيا الحالية استثمرت صراع الإرادات حول الهوية التركية التي طالما بقيت حائرة بين من يراها غربية علمانية ومن يراها شرقية إسلامية، حتى توصل حزب العدالة لحل وسط لم يثبت بعدُ حصولُهُ على إرضاء الأطراف جميعها، على اعتبار أنه حل مؤقت لم يثبت ما إذا كان سيتم رفضه حين تسنح الفرصة لذلك، أم سيتم تبنيه كإستراتيجية، ولعل المشهد الأخير يمكن أن يحسم تردد الدول العربية في اتخاذ خطوات إيجابية لتطوير العلاقات مع تركيا.
تذكروا يا عرب، محاولات أربكان لتحسين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية حين فرض عليه توقيع اتفاق التعاون مع الصهاينة، فقام فور توقيع الاتفاقية الثانية مع الصهاينة خلال منتصف أغسطس 1996 بزيارة شملت عدة دول إسلامية، كما أوفد مبعوثين خاصين لكل من سوريا والعراق- كان مبعوثه لسوريا "عبد الله جول"- الرئيس التركي الحالي- لحل القضايا الخلافية حول المياه ونشاطات "حزب العمال الكردستاني".
تذكروا يا عرب، سعي أربكان لتحسين العلاقات التركية مع الدول العربية والإسلامية، حتى إنه كان قد أعلن قبل تسلمه منصب رئاسة الوزراء في 1996 أنه سيعمل على تجميد اتفاقية التعاون العسكري التركي مع الصهاينة التي وقعت في 24 فبراير 1996.. ووقف الجيش له بالمرصاد؛ وهو ما أدى إلى تقديمه استقالته في 18 يونيو 1997، فيما عرف آنذاك بالانقلاب الأبيض.
تذكروا يا عرب، أنكم لم تستجيبوا لمبادرات أربكان الاقتصادية الاستجابة الملائمة؛ حيث كان التشكك يكسو نظرتكم تجاه سياسته الخارجية بعد توثيق التعاون مع إسرائيل والآن هل ستتعاملون بشك وريبة كما كنتم تتعاملون؟!
تذكروا يا عرب، أن تل أبيب دائمًا تسعى إلى استيعاب الحراك وترويضه وتوجيهه لخدمة أهدافها، فحولت نصر غزة إلى مفاوضات إعمار وفرضت أجندتها في النهاية فباءت مبادرات الإعمار بالفشل، وحولت نصر غزة لمفاوضات صلح بين الفرقاء للبحث عن شريك للسلام ومتحدث واحد ثم فرضت أجندتها بتفجير علاقة خصمها اللدود مع مصر وهي تعلم باستحالة توقيع حماس على اتفاقية المصالحة ببنودها المفخخة، فهل ستسمحون لها هذه المرة بترويض دعاة الحرية والقفز على نجاحاته؟!
رابعًا: البرلمانات العربية
أنتم اللسان الحقيقي للشارع العربي، فلا ينبغي أن تغمض عيونكم عن تحقيق هدف رفع الحصار عن غزة وليس كسره، التحموا بشعوبكم، انقلوا نبضات شعوبكم، عبِّروا عن أحاسيسهم، أعلنوا مقاطعة كل من يتلوث ماله وقلمه وفمه ووثيقة سفره من أموال وبصمات سيادة قراصنة الحرية، أعلنوا إعادة النظر والتلويح بسحب التأييد العربي للمبادرة العربية وغيرها من المبادرات والاتفاقات المعلنة والخفية.
خامسًا: المجتمع المدني
الأمل في حراككم كبير، فلا تهنوا ولا تحزنوا، ادعموا قوافل وأساطيل الحرية بالقليل والكثير معًا.. أنتم معنيون بتجهيز جيش العسرة، جيش الحرية، جيش كفكفة الدموع، جيش اليتامى.. جيش الأرامل، جيش الضعفاء، جيش الشهداء، جيش المرابطين والمدافعين عن المقدسات. نظموا الفعاليات لتأصيل تجربة أساطيل الحرية وشهدائها، أعلنوا يوم القرصنة يومًا لحرية الضعفاء، خصصوا يومًا في مؤسساتكم للتعريف بالشهداء ونقل قصص حياتهم وكيف قدموا أرواحهم غالية في سبيل هدف غالٍ.
سادسًا: المؤسسات الإعلامية
لقد أثلجتم صدورنا بالدور الرائع للانحياز للحقيقة، للانحياز للموضوعية، للانحياز في نقل الصورة بدون تزييف، للانحياز نحو الإعلام الرسالي، للانحياز نحو تقديم أروع صور الخدمة في بلاط صاحبة الجلالة، للانحياز، كونوا أنصار الحقيقة.
لقد نجحت قناة (الجزيرة) في نقل النبض الحقيقي خطوة بخطوة لما يجري على سطح أسطول الحرية كما نجحت في نقل الحرب على غزة، كما نجحت في بث فواصل إنسانية من المشهد الدموي لآلة الدمار الصهيونية في الحرب على غزة فترة من الزمن، لماذا توقفت؟ لماذا لا يكون لديها إصرار وتكرار على ترسيخ هذه الصورة الذهنية ورسائلها المتعددة، لإحياء الضمير العربي المزحوم بلقمة عيشه؟!
لقد انزعجنا من عدم تمثيل الكثير من المؤسسات الإعلامية الكبرى، فلدينا أكثر من ألفي قناة فضائية وآلاف الصحف المطبوعة، كم منهم شاركوا في أسطول الحرية الأول والثاني، لقد علمت من مصادري أن إدارات بعض القنوات والوسائل رفضت المشاركة لأسباب وحجج، لقد راهنت على الذل والهوان، وحق الرأي العام على المنظمين لأساطيل الحرية أن يعلنوا عن وسائل الإعلام التي أعلنت رفضها المشاركة حتى ولو كان مشاهديها ممن ينطبق عليهم شعار "مش ها تقدر تغمض عينك"!.
سابعًا: النخب الثقافية
لا تكونوا كالمطففين- على حد قول د. عبد الله الأشعل- تزينون الباطل وتُحيلونه حقًّا، كونوا شرفاء بكتابة الحق والتحريض على اتباع القيم.. كونوا منحازين للإنسانية بتجرد، واعلموا أن القرآن الكريم سطر آيات، لو أمعنتم النظر فيها ستعيدون النظر فيما تكتبون وتقولون وتتحركون وصدق الله العظيم حين يقول ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)﴾ (فصلت).
ثامنًا: شعب غزة
اصمدوا فقد عريتم العالم بصمودكم، وما النصر والتمكين إلا صبر ساعة.
تاسعًا: شعب الضفة الغربية
كونوا أنصار الحق، ولا تتركوا إخوانكم في غزة، أعلنوا عصيانًا سلميًّا.
عاشرًا: اللاجئون الفلسطينيون
العبء كبير، والنصرة لا تحجبها مكان ولا زمان ولا وسيلة مشروعة.
------------------
Dr-ahmadjaafar.com
