![]() |
|
م. فتحي شهاب الدين |
لم يكن غريبًا أن يتعبد المصريون القدماء للنيل عبر العديد من الأرباب فهم: "حابي" رب النيل، و"خنوم" رب الفيضان، و"الضفدعة" ربة المياه.
ومن النيل اتُّخذت أقدم رموز المملكتين القديمتين قبل توحيدهم على يد "مينا" مثل "نبات البردي" لمملكة الشمال وزهرة "اللوتس" لمملكة الجنوب.
لقد مثَّل النيل العمود الفقري للحياة المصرية في ميدان الزراعة والعقيدة والتنظيم الاجتماعي ومختلف جوانب الحياة، من طميه صنعوا الطوب اللبن لبناء بيوتهم، ومن أخشاب أشجاره وغابه صنعوا أدواتهم وآلاتهم الموسيقية، واقتاتوا على المحاصيل والنباتات والحيوانات والطيور التي تعيش على ضفافه.
وليس في العالم كله نهر له من الفضل على قطر كبير وساكنيه مثلما لنهر النيل من الفضل على مصر وساكنيها، ولذا فقد حفل التراث الشعبي المصري ولهجت ألسنة الشعراء والأدباء ثناءً على النيل الذي كان ملهِمًا لهم، فهذا هو الشاعر المهندس محمود حسن إسماعيل في أوج معركة السويس يكتب عن النيل، وتتحول كلماته إلى نشيد يردده الجميع:
أنا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب ناري تبيد الطغاة
أنا الموت في كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه
وفي قصيدته "النهر الخالد" يشيد بالنهر وجريانه بالليل والنهار حتى يصل إلى مصبه في مصر فيقول:
شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال
ولم يزل ينشد الديارا ويسأل الليل والنهارا
آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغريب
يا نيل يا ساحر العيون
ولأن النيل ينبع من الحبشة؛ حيث النجاشي، ولأن أكثر المياه تأتي منها فقد تغنَّى الشعراء بميلاد النيل:
النيل "نجاشي" حليوة أسمر عجب للونه دهب ومرمر
وللنيل موسمان: موسم الفيضان بين شهر يوليو وسبتمبر؛ حيث يبلغ منسوبه 16 ذراعًا- أو أكثر من 8 أمتار- وموسم التحاريق أو الجفاف بقية العام يبذر فيه المصريون الحبوب ويتابعون نموها حتى مواسم الحصاد.
وكان جفاف النهر وعدم وصول مياهه إلى الذراع 16 على مقياسه هو أخطر الكوارث التي تحيق بالأرض والبشر والدولة والنظام، فتنعدم الخيرات والمحاصيل وترتفع الأسعار ولا يعود هناك سوى الفوضى والخراب والمجاعة، كما حدث في الشدة المستنصرية (1065- 1071 م).
وفي العصر الحديث أدرك والي مصر "محمد علي باشا" أهمية النيل أكثر، وقرَّر السيطرة عليه من المنبع إلى المصب.... وبالفعل تم له ذلك فسيطر جيشه على ملتقى النيل الأبيض بالأزرق عام 1816م، ثم قسم جيشه إلى قسمين: قسم سلك مجرى النيل الأزرق والآخر سلك مجرى النيل الأبيض محاولين الوصول إلى المنبع.
ورغم خروج المصريين من السودان عام 1885م احتفظوا لأنفسهم بحامية عسكرية في المنطقة الاستوائية محاولين بذلك الإبقاء على سيطرتهم على أعالي النيل.. وبقيت هذه الحامية إلى عام 1892م عندما خرجت بعد تآمر الإنجليز على مصر واحتلالهم مصر والسودان.
وقد عبَّر اللورد ميلز- وهو كاتب إنجليزي عني بنشاط بريطانيا في المستعمرات الإفريقية عن حالة المصريين نتيجة فقدانهم السيطرة على نهر النيل بقوله: (من المزعج أن نفكر في أن إمداد المياه المنتظم بواسطة النهر العظيم الذي هو بالنسبة لمصر ليس مسألة رخاء ورفاهية بل هو في الواقع مسألة حياة سيتعرض دائمًا للخطر طالما أن مياه أعالي النيل ليست تحت سيطرة مصرية).
ثم يذهب اللورد ميلز إلى البعد المستقبلي- وكأنه كان يستشرف المستقبل- فيقول: (من ينبئنا بما يحدث لو أن دولة متحضرة كبرى أو أن دولة لديها مهارة فنية قامت في يوم ما بمشروعات هندسية في أعالي النيل، وحولت المياه اللازمة للري في مصر من أجل ري تلك المنطقة، قد يبدو هذا الإجراء بعيدًا.. لكن لن تشعر مصر بأي راحة أبدًا.....).
منابع النيل
يبسط النيل سلطانه على الجزء الأكبر من شرق إفريقيا، ويبلغ طوله نحو 6700 كم من منابعه في الجنوب الشرقي من القارة وحتى البحر المتوسط، وتقدر مساحة حوض النيل بنحو 2.9 مليون متر مربع، وتشمل أجزاء من دول رواندا، وبروندي، وتنزانيا، وكينيا، وأوغندا، وزائير، وثلث الأراضي الإثيوبية، وجزء كبير من مساحة السودان، ومصر ومن المعروف أن الإيراد السنوي للنيل يختلف بين سنة وأخرى فبينما يصل في أقلها إلى 42 مليار متر مكعب سنويًّا، يرتفع في أكثرها إلى 150 مليار متر مكعب، وقد بلغ متوسط الإيراد السنوي للنيل خلال القرن الحالي مقدرًا عند أسوان 84 مليار متر مكعب سنويًّا، ويستجمع مياهه من ثلاثة أحواض رئيسية هي:-
* الهضبة الإثيوبية.
* هضبة البحيرات الاستوائية.
* حوض بحر الغزال.
أولاً- الهضبة الإثيوبية:
تمثِّل الهضبة الإثيوبية أهم منابع النيل وأخطرها على الإطلاق، إذ تمد النيل الرئيسي عند أسوان بنحو 85% من متوسط الإيراد السنوي (71 مليار م3 سنويًّا) خلال موسم الفيضان ومدته ثلاثة شهور فقط، وتتجمع مياه الهضبة الإثيوبية من عدد من الأنهر على النحو التالي:
1- نهر السوباط:
ويلتقي هذا النهر بالنيل الأبيض قُرب مدينة ملكال جنوب السودان ويبلغ متوسط الإيراد السنوي من مياه نهر السوباط نحو 11 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان، وأهم الفروع الرئيسية لنهر السوباط هي:
- نهر البارو، وإيراده السنوي المتوسط 13 مليار م3 يضيع منها 4 مليارات م3 في مستنقعات مشار بجنوب السودان.
- نهر البيبور ويبلغ إيراده السنوي نحو 2.8 مليار م3 يضيع منها نحو 8 مليار م3.
2- النيل الأزرق:
ويلتقي هذا النهر بالنيل الأبيض عند مدينة الخرطوم، ويبلغ إيراده السنوي المتوسط مقدرًا عند أسوان نحو 48 مليار م3، ويستجمع مياهه من عدد من الأنهر التي تنبع من جبال الهضبة الإثيوبية ومن بحيرة تانا.
3- نهر عطبرة:
ويلتقي هذا النهر الرئيسي قُرب الحدود المصرية السودانية ويبلغ متوسط الإيراد السنوي لمياه النهر نحو 11.5 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان.
ثانيًا- الهضبة الاستوائية:
ويمثل هذا المصدر أكثر المصادر انتظامًا في امتداد النيل بالمياه على مدار العام، ويبلغ المتوسط السنوي للمياه الواردة من الهضبة الاستوائية نحو 13 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان، موزعة بين المصادر المختلفة على النحو التالي:-
1- بحيرة فيكتوريا:
تعتبر أكبر ثاني بحيرة في العالم (23 ضعف بحيرة تانا، 11 ضعف بحيرة ناصر)، يقول "ونستون تشرشل" في كتابه (حرب النهر): إن نهر النيل مثلُ نخلة البلح الكبيرة التي تمتد جذورها في وسط إفريقيا في بحيرة فيكتوريا، ولها جذع كبير في مصر والسودان وقلبها وتاجها في دلتا مصر، فإذا تم قطع الجذور فإن القلب سيجف وتموت النخلة.
- تبلغ مساحة البحيرة 67 ألف كيلو متر مربع، ومساحة حوضها 195 ألف كيلو متر مربع، وتقع البحيرة وحوضها في دول رواندا، وبوروندي، وتنزانيا، وأوغندا، وكينيا، وزائير، ولا يصل للبحيرة أكثر من 8% من جملة مياه حوضها، وتصل المياه للبحيرة إما عن طريق الأمطار أو بعض الأنهار الصغيرة التي لا تعرف تصرفاتها بدقة، وعن طريق نهر "الكاجيرا" الذي يُعتبر من أهم مصادر المياه للبحيرة إذ يمدها بنحو 6 مليارات متر مكعب سنويًّا ويمر عبر مسيرته إلى البحيرة بدول: رواندا، وتنزانيا، وبورندي وعلى الطرف الغربي من البحيرة يقع خزان أوين الذي يعتبر المخرج الرئيسي لها ويبلغ نحو 23.5 مليار متر مكعب سنويًّا؛ لتصل إلى بحيرة كيوجا بنحو 22.5 مليار متر فقط.
2- بحيرة كيوجا:
يمتد نيل فيكتوريا من بحيرة فيكتوريا حتى يصب في بحيرة كيوجا التي تقع داخل الأراضي الأوغندية، ومن المعروف أن الأمطار المتساقطة على البحيرة تفقد بالكامل نتيجة للتبخر والنتح من أوراق النباتات الطافية عليه، علاوة على فقد مليار متر مكعب آخر من المياه الواردة من نيل فيكتوريا، وبذلك يبلغ متوسط الخارج السنوي من بحيرة كيوجا نحو 21.5 مليار متر مكعب متجهة عبر نيل فيكتوريا إلى بحيرة ألبرت.
3- بحيرة ألبرت:
وتقع هذه البحيرة في كلٍّ من: أوغندا، وزائير، ويصب في طرفها الشمالي نيل فيكتوريا (21.5 مليار م3 سنويًّا) كما يصب في طرفها الجنوبي نهر السمليكي (4 مليارات م3 سنويًّا)، ويستمد هذا النهر مياهه من بحيرات إدوارد وجورج، وتخرج من البحيرة إلى نيل ألبرت 26,5 مليار م3 سنويًّا في المتوسط، وتمثل المياه الواردة من نيل فيكتوريا ونهر السمليكي والأمطار المتساقطة.
