لا يُقاس عمر الدعوات بعدد السنين، ولا تُقاس نسبة النجاح بطول المدة، ففي الأولى يأتي نوح عليه السلام الذي عاش ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعلى أصح الروايات لم يؤمن معه إلا النفر القليل، وقد استنفد عليه السلام مع قومه ما في الوسع في دعوتهم، وأخذ بأسباب النجاح وترك للبشرية رصيدًا هائلاً في فن التعامل مع المدعوين المصرين على عدم الاستجابة، وسيدنا نوح عليه السلام قام بتلك المهمة من باب الاستجابة لأمر الله، وعمل ما في الوسع، وترك النتائج على مسبب الأسباب.
قال ربنا وتبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾ (نوح)، أرأيتم كم كان سيدنا نوح عليه السلام مصرًّا على تبليغ دعوته بشيء من بذل ما في الوسع، وترك النتائج على الله سبحانه وتعالى، وأرى في ذلك نجاحًا أي نجاح، فليس نجاح السعي في إتمام الثمرة؛ لأن جني الثمار بمشيئة الله وتقديره، فما علينا إلا السعي وبذل الجهد قال تعالى:
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (المائدة: من الآية 99)، فلا تحزن إن ضاق صدرك من صدور مدعويك، وتذكَّر ما فعل مع الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل الكرام، فالقرآن يوضح هذه القضية في سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)﴾.
وفي الثانية لا نسبة للنجاح بطول المدة، فجني الثمار قد لا يتم في حياة الداعية؛ ولكن في حياة الأجيال التالية، انظر لأسرة عمار بن ياسر وزوجه سمية عاشت المحنة كاملة في مهد الدعوة، ولم تشهد المنحة وهي انتصار الإسلام والدولة، وشاءت قدرة الله أن يشهد عمار جني الثمار في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وما زالت الأجيال تنهل من المواقف الرائعة التي سطرها الجيل الأول وأعطانا دروسًا في الثبات والتضحية.
وأمر آخر أن الله تعالى كتب البقاء لتلك المواقف وأصحابها، وهذا ذكر وشرف؛ فالذكر للإنسان عمر ثانٍ، وبعض العاملين والدعاة قد يضيقون بمدعويهم الذين لم يستجيبوا، فيسارعون لإصدار الأحكام القاسية والجزافية التي قد تؤدي بالغرور إلى المزلق الخطير من اليأس والقنوط.
وهذا سيدنا يونس عليه السلام النبي الكريم الذي ضاق صدره بتكذيب قومه، فتركهم غاضبًا يحكي القرآن ذلك ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87)﴾ (الأنبياء).
ترك قومه وميدان العمل إلى شاطئ البحر، ثم ركب سفينة مليئة بالأحمال والريح شديدة؛ فقرر الملاحون إلقاء ذلك الغلام في البحر كي تنجو السفينة من الغرق، وبعدما ألقوه ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)﴾ (الصافات)، قال عطاء: أوحى الله إلى الحوت أني قد جعلت بطنك سجنًا، ولم أجعله لك طعامًا؛ فلذلك بقي سالمًا لم يتغير منه شيء.
وبعدما خرج من بطن الحوت، وعادت له عافيته رده الله إلى قومه قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)﴾ (الصافات).
فداعية اليوم عليه أن يعي الدرس جيدًا في تكرار الدعوة مرة بعد مرة، إذ في دعوة الغير منه أن تستقيم حياته على هدى الله من باب أحيي قلبك وادع غيرك.
وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فربما تأتي الاستجابة في لحظة فارقة من حياة الإنسان، ثم ابتكر وسائل متنوعة، واعرف مفاتيح القلوب، وانهض بهمة واعمل خيرًا تجني الأثر في النهاية.
فالفهم القاصر لدى بعض الدعاة، والذين لا يؤملون الخير في الناس يثبتون أن أنفاسهم قصيرة وجهدهم قليل وشكواهم لا تنتهي.
فما أحسن التبليغ، فنحن للدعوة خدم وعمال وموصلون، فما أحرانا أن نبذل ما في وسعنا من طاقة، ثم نترك النتائج على الله تبارك وتعالى؛ فالحساب ليس على النتائج وإنما على بذل الجهد واستفراغ الطاقة في اليوم والليلة وبقايا العمر كله.