دفعت دماءُ شهداء الحرية قضيةَ الحصار بجوانبه المأساوية إلى قمة الأجندة الدولية؛ تحقيقًا لرغبة الشهداء الذين استَهدفوا كسر الحصار الذي فرضته الحكومة الصهيونية على غزة، في هذا الإطار وأمام هذه الموجة فتحت مصر معبر رفح، ولكن ليس فتحًا دائمًا، ولذلك فإن فتحه مؤقت انتظارًا لأحد أمرين: إما أن الحملة الدولية لكسر الحصار تتصاعد فتدفع إلى بحث ترتيبات لفتح المعبر، وإما أن الحملة نفسها تفتر أو تنكسر فيُغلق المعبر؛ خصوصًا، وأن أسباب إغلاقه في نظر مصر لا تزال قائمة.

 

فقد برَّرت مصر إغلاق المعبر بعدد من الحُجج، وكان واضحًا أن إغلاقه قرارٌ سياسيٌ، بل حاربت مصر الأنفاق البديلة وشنَّت حملةً عاتيةً لإغلاقها هي الأخرى، وقللت المصادر الرسمية المصرية من أهمية اعتماد غزة على هذا المعبر، وأشارت إلى أن إغلاقه ليس دائمًا وإنما يُفتح للحالات الإنسانية، ولكن مصر لم تستطع أن تبرر أن إغلاق المعبر والأنفاق ببناء جدار مبارك الفولاذي سوف يُحْكِم الحصار على غزة ويحقِّق خُطَّة الكيان الصهيوني في كسر إرادتها السياسية أو كسر إرادة الحياة لديها، وكلاهما كسب للكيان الصهيوني.

 

والمطروح الآن بشدَّة هو رفع الحصار، أو كسر أو تخفيف الحصار، فإذا فُتح معبر رفح في إطار الحصار فمعنى ذلك أن المعبر يُفتح برضى الكيان الصهيوني والسلطة في رام الله، وهذا لن يتحقق ما دام الكيان الصهيوني مصرٌّ على أقتلاع المقاومة، وعلى تمدُّد مشروعه الصهيوني، وما دامت واشنطن تقف بحزم إلى جانب الكيان الصهيوني.

 

أما كسر الحصار فيعني تحقيق التواصل بين غزة والعالم الخارجي عن طريق البحر والمعبر والحدود مع مصر والجو، وهو ما يعني الصدام مع الكيان الصهيوني الذي لا يملك أي سند قانوني لفرض الحصار، كما لا يملك بالتالي أي سند أخلاقي لذلك.

 

ولا شك أن فتح المعبر يمكن أن يلبي احتياجات غزة النفسية والمادية بنسبة عالية، ويجعل الحصار من وجهة نظر الكيان الصهيوني غير فعَّال؛ خاصةً إذا تم فكُّ الارتباط بين الاقتصاد في غزة والكيان وفك الارتباط بين الطرفين في قطاع الطاقة والعملة وغيرها، غير أن هذا الحل يتطلُّب توفر عوامل عديدة أولها موقف عربي وفي قلبه الموقف المصري المقتنع بجدوى هذا الحل، ولا يخشى ضغوطًا أمريكية وصهيونية، وأن تكون مصر مستعدةً للاستفزاز الصهيوني، أما اتهام الصهاينة وأمريكا لمصر في هذه الحالة بأنها بذلك تكرِّس الانقسام بين غزة وبقية الأراضي الفلسطينية، وأنها تخلَّت عن المصالحة التي كان الحصار وإغلاق معبر رفح أهم أدوات الضغط على حماس لتحقيقها، فإن بوسع مصر أن ترد مثلما ردَّ الأمين العام للأمم المتحدة بأن الحصار فقد أهدافه، وعجز عن تحقيقها، وأصبح استمراره سببًا لإراقة دم غير الفلسطينيين، مع إصرار العالم على كسر هذا الحصار، كما يمكن لمصر أن تدفع بأن المُصالحة لم تتحقق، ولذلك لا يمكن أن ترتهن حياة غزة بمصالحة مستحيلة، كما أكدنا في مناسبات سابقة، وعلى كل حال فإن دفع الضرر الناجم عن الحصار مُقَدم على أي مصلحة حتى لو كانت للكيان الصهيوني الذي زُرِعَ لالتهام كل فلسطين وإبادة أهلها.

 

سوف يقف العالم كله مع مصر إذا اتخذت هذا الموقف واختارت هذا المعسكر حتى دون أن تثير روابط العروبة والإسلام، بل إن مصر بحق تستطيع هذه المرة بمصداقية أن تتمسك بأن هذا هو الذي يخدم أمنها القومي الذي دفع الكيان الصهيوني مصر إلى أن تهدده بيدها لحسابات لا مجال لفتحها في هذا السياق.

 

هذا هو البديل الأول لفتح معبر رفح، بقطع النظر عن تفسيره على أنه انتصار لحماس على كلٍّ مِن مصر والصهاينة ورام الله؛ لأنه في الحقيقة انتصار لشعب أصرَّ على البقاء، وأن فوز حماس سببه أنها تقوده في هذا الاتجاه رغم كل التحديات القاتلة.

 

وهناك حقيقة يجب أن تظل في الحسبان، وهي أن إغلاق المعبر ارتبط بوجود حماس كسلطة في غزة، وكان هدفه الضغط على حماس لقبول شروط الرباعية الدولية التي صُورت على أنها الشرعية الدولية، وكان ذلك يُرضى مصر والصهاينة وأمريكا وسلطة رام الله على أساس أنه هدف مشترك، وكانت الرسالة واضحة: إذا كانت حماس حريصةٌ على شعب غزة فلتضحي إما بالرحيل أو التخلي عن شعاراتها أو بقبول شروط المصالحة المماثلة لشروط الرباعية، لكن الحقيقة هي أن حماس لم تغتصب سلطة غزة، فهي صاحبة السلطة الوطنية الشرعية بعد الانتخابات العامة في يناير 2006م، وأن عدم تمكينها من حكم كل الأراضي الفلسطينية هو غصب لسلطة خارج هيمنتها.