النظر للحركة الإسلامية بوصفها حركة اجتماعية يتبنى المنتمون لها رؤيةً خاصةً يعرضونها على المجتمع، يحول دون فهم العلاقة بين الحركة الإسلامية وحالة المجتمع نفسه، فكل مرحلة من مراحل تاريخ الحركة الإسلامية عبَّرت عن حالة المجتمع، وكانت التعبير المنظم عن موقف المجتمع من التحديات التي تواجهه، فلم تأتِ الحركة الإسلامية بفكرة من خارج المجتمع، ولم تأت برؤية جديدة تعرضها على المجتمع، بل كانت تعبيرًا عن الموروث الحضاري للمجتمع في مواجهة التحديات التي تواجهه، هي إذًا تمثل الاحتجاج الحضاري على أوضاع المجتمع، والنابع من مرجعية المجتمع، والموروث الحضاري، في مواجهة ما آلت إليه أوضاع المجتمع.

 

لذا تصاعدت الحركة الإسلامية تبعًا للظرف الذي تمر به المجتمعات العربية والإسلامية، وأيضًا تنوَّعت تلك الحركة تبعًا لما يحدث من تغييرات في التحديات التي تواجه المجتمعات، وتنوَّعت أيضًا وسائل الحركة الإسلامية، تبعًا لطبيعة الظرف الذي تواجهه المجتمعات، فكانت في كل حالاتها ممثلاً عن المجتمعات تنوب عنها في الاحتجاج على الأوضاع القائمة، والحركة الإسلامية، تمثل شكلاً من أشكال الحركات الاجتماعية والحضارية، ولكنها لم تكن تمثل مجرد رؤية جديدة تُطرح على المجتمع، بل مثَّلت حركة اجتماعية احتجاجية تقاوم الظروف التي يتعرَّض لها المجتمع، وتخرجه من الموروث الحضاري، وتخرجه أيضًا من مرجعيته.

 

فقد نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة بوصفها ليست تيارًا من تيارات الفكرة الإسلامية، بل نشأت كتيار يستعيد الفكرة الإسلامية برمتها، حتى إن تنوعت طرق ومناهج الحركات الإسلامية، فهي ليست تيارًا فكريًّا أو مذهبياًّ داخل المرجعية الإسلامية، مثل التيارات التي تشكَّلت عبر التاريخ الإسلامي؛ لكنها حركات تعمل على استعادة المرجعية الإسلامية أساسًا؛ لتعيد البناء الحضاري للأمة، فلم يكن الهدف من الحركات الإسلامية هو إضافة تيار فكري جديد للمرجعية الإسلامية، بقدر ما كان هدفها استعادة تلك المرجعية من حيث الأساس.

 

الاختلاف في الشدة

النظر للحركات الإسلامية دون النظر للواقع المحيط بها، لا يكشف عن دور تلك الحركات والأهداف التي حرَّكتها، فقد تنوعت استجابات الحركات الإسلامية تبعًا لتغير الواقع، فلم يحدث الخروج من المرجعية الإسلامية مرة واحدة، لذا لم تكن التحديات التي تواجهها الحركات الإسلامية واحدة عبر المراحل التاريخية التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، ولكن الهدف الذي جمع الحركات الإسلامية في كل مراحلها، كان استعادة وحدة الأمة، بوصفه العنوان الحقيقي لاستعادة المرجعية الإسلامية.

 

ولقد ظهرت الحركة الإسلامية في موجهاتها المتتالية مع بدايات الخروج من المرجعية الحضارية للأمة، من قبل النظم السياسية الحاكمة، وتحت تأثير الاستعمار الغربي أولاً، ثم الهيمنة الغربية السياسية، ولكن مع بداية مسار الحركة الإسلامية، كان مسار الخروج من مرجعية الأمة يبدأ ويستمر ويزداد شدة، ومعه تعددت الاستجابات من الحركات الإسلامية، وظهرت الحركات الأكثر شدة أو عنفًا أو تزمتًا، ولم ينظر لتلك الحركات بوصفها استجابة لشدة الخروج من مرجعية الأمة، بقدر ما نظر لها بوصفها خيارات متشددة أو متطرفة، والواقع أنها كانت استجابات تماثل الخطر الذي تواجهه في الشدة، فظهور الحركات المتشددة، عبَّر عن حجم المخاطر التي تواجه المجتمعات، وحجم الخروج الحادث عن مرجعية الأمة.

 

لذا لم يكن النظر إلى التشدد بوصفه اختيارًا فكريًّا أمرًا صائبًا، فهو في الواقع اختيار حركي، يستجيب إلى شدة موجات الغزو الخارجي، سواء السياسي أو الفكري والثقافي والحضاري، وإذا نظر إلى التيار المتشدد داخل التيار الإسلامي، بوصفه استجابة لشدة المخاطر التي تواجه الأمة؛ يمكن فهم مسار التيار الإسلامي، فهو حركة احتجاج على إخراج الأمة من هويتها، وبالتالي يتزايد هذا الاحتجاج شدة، كلما تزايد إخراج الأمة من مرجعيتها، وما يحدث هو إخراج للأمة، وليس خروجًا طوعيًّا لها؛ لأن الأمة تتعرض لغزو حضاري منظم، يستخدم القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويستخدم أيضًا الوسائل الثقافية والحضارية، لذا فالأمة تقع تحت ضغط خارجي، وقوى داخلية متحالفة مع الخارج، تفرض عليها مرجعية وافدة، وتحاول إخراجها من مرجعيتها التاريخية.

 

بين الدفاع والنهوض

مع تنوُّع طرق الحركات الإسلامية في مواجهة تحدي الغزو الحضاري، نجد حركات تميل للدفاع عن الأمة، وتهتم بعملية تحصين الأمة وتحصين الفرد، وحركات أخرى تهتم بالإصلاح الحضاري الشامل، حتى تغير واقع الأمة، والناظر لهذا التنوع يجد غلبة عملية الدفاع في مراحل، وغلبة عملية الإصلاح في مراحل أخرى، تبعًا لرؤية كل حركة إسلامية لحال الأمة، وأيضًا تبعًا لوضع الأمة نفسه، وعملية الدفاع تمثِّل مرحلة أساسية تسبق المبادرة والإصلاح والتغيير، ولكن شدة التحديات التي تواجه الأمة تدفع بعض الحركات إلى التركيز على مرحلة الدفاع عن الذات الحضارية، وتركِّز على تحصين الفرد ضد الموجات التي تستهدف ذاته الحضارية وقيمه العليا، وغالب حركات الدفاع تميل إلى التشدد، في حين أن حركات الإصلاح تميل إلى التجديد؛ لأن عملية الدفاع تحتاج إلى تأسيس الملامح المركزية للهوية الحضارية، والتأكد من فصلها فصلاً كاملاً عن كل ملمح من ملامح الوافد، أما عملية الإصلاح، فتهدف إلى تغيير ملامح العصر، واستعادة المرجعية الإسلامية لبناء واقع جديد، يستند لمرجعية الأمة.

 

هذا التنوع بين حالة الدفاع الحضاري، وحالة الهجوم الحضاري- إذا صح التعبير- تنتج من تعدد مواقف الحركات الإسلامية تجاه التحديات التي تواجهها الأمة، فالبعض يشعر بمدى ضعف البنية الداخلية للفرد والمجتمع، ويركِّز على عملية التحصين، والبعض يرى أهمية الدخول في عملية الإصلاح والتغيير؛ لأن بقاء الواقع الراهن، سوف يمثل تهديدًا مستمرًّا للأمة وهويتها، ورغم هذا التنوع والاختلاف، بين عملية الدفاع وعملية الإصلاح، وبين أهداف كل حركة إسلامية، إلا أن التكامل بين تلك العمليات أكبر من الخلاف الظاهر بين الحركات الإسلامية، فبين الحركات الإسلامية جدل حول التباينات بينهم، يصل لحد الخلاف والاختلاف، وربما المواجهة أحيانًا، ولكن النظرة إلى الواقع الاجتماعي للأمة تشير إلى تكامل أدوار الحركات الإسلامية، رغم كل التباين بينها؛ لأنها في النهاية تعيد المرجعية الإسلامية للحضور الاجتماعي والحضاري، وتجعلها حاضرة في الواقع بقوة، وما تحققه كل الحركات الإسلامية من حضور واستعادة للمرجعية الحضارية، يبني الوعي العميق بالهوية الحضارية للأمة، ويجعل تلك الهوية الإسلامية حاضرة في الواقع بقوة تواجه قوة حضور الهويات الوافدة والثقافات الغازية.

 

ومع تزايد حالة حضور المرجعية الإسلامية في المجتمع، بكل صورها المتعددة والمتعارضة أحيانًا، تصبح الهوية الوافدة غريبة ومطرودة، وتكتمل حلقات التمرُّد على الهوية الوافدة، وعلى الحضارة الغازية، بقدر ما يُظهر المجتمع صورة مختلفة معها ومعارضة لها.

 

ظاهرة العنف

تنبع إدانة العنف بكل أشكاله من مداخل أخلاقية ودينية، تتعلق بنتائج استخدام السلاح، كما ترتبط إدانة العنف بعدم مناسبته للتغيير الداخلي؛ لأنه يؤدي إلى مواجهات مسلحة تضر المجتمعات، وهناك بالطبع العديد من التحفظات على استخدام العنف بكل أشكاله، ولكن المقاومة والجهاد المسلح ضد العدو يظل أمرًا مشروعًا في كل الأوقات والأعراف، وهناك أيضًا أشكال أخرى من العنف، وهي التي تستخدمها الأنظمة في مواجهة المجتمعات، فلم تفرض المرجعيات الوافدة على مجتمعاتنا إلا باستخدام السلاح، سواء كان سلاح العدو الخارجي، أو سلاح الاستبداد الداخلي.

 

لكن ظاهرة العنف من جانب آخر، مثَّلت حالة اجتماعية مهمة، فهي كانت وما زالت تمثل ذروة الرفض الاجتماعي للواقع المُعاش، فتزايد حالة الرفض لمجمل الأوضاع المُعاشة، مع عدم وجود سبل لتغيير الواقع، وفرض هذا الواقع بالقوة أو بالسلطة على المجتمع؛ يؤدي إلى ظهور العنف. فهو حالة رفض عنيف لأوضاع مرفوضة، لذا جاء العنف في شكل موجات متتابعة ومتتالية، تعبِّر عن حالة رفض مجتمعي لما يحدث للأمة، ولكن هذه الظاهرة لم تستمر في مسار واحد، سواء متصاعد أو هابط، بل ظلت تمثل صرخة في مواجهة الأوضاع المتردية للأمة، تتصاعد حينًا وتتوارى أحيانًا أخرى.

 

والملاحظ أن تمدد الحركات الإسلامية السلمية يقلل من موجات العنف، فكل حصار لحالة الاحتجاج الحضاري التي تمثُّلها الحركة الإسلامية، يؤدي إلى ظهور موجات من العنف، فلم يكن العنف موقفًا فكريًّا أو سياسيًّا، كما يظن البعض، بقدر ما كان استجابة لحالة الضغط الشديد الذي تتعرض لها الأمة، فالعنف ليس فكرة، ولكنه موقف من حالة تتعرض لها الأمة؛ لذا أصبح الخروج من تلك الحالة يؤدي إلى الخروج من دائرة العنف، كما أن الخروج من حالة الإبادة الحضارية، يؤدي إلى تراجع التشدد، وعمليات الدفاع عن النفس، لصالح عملية البناء والنهوض.

 

حركة شاملة

وقفت كل الحركات الإسلامية تحت العنوان الإسلامي؛ لأنها توجَّهت مباشرة لمسألة المرجعية العليا، فلم تكن المشكلة في جانب من الجوانب، أو في سياسة ما أو فكرة ما، ولكن المشكلة التي تعرضت لها الأمة كانت تغيير مرجعيتها العليا، لذا وقفت الحركات الإسلامية في مواجهة التعدي على مرجعية الأمة، حتى تستعيدها مرة أخرى، وكأن المرجعية الإسلامية عندما نُحِّيت من النظام العام، حملتها الحركات الإسلامية، فلم تسقط رايتها بوصفها مرجعية عليا، بل انتقلت الراية من الدولة إلى الحركة الإسلامية، فلم تعد الدول تحمل الراية الإسلامية، فأصبحت الحركات الإسلامية تحمل تلك الراية، حتى تعيدها مرة أخرى إلى الدولة.

 

من هنا بدأت المواجهة بين الحركة الإسلامية والدولة، فقد حمَّلت الحركة الإسلامية المرجعية الإسلامية حتى تعيدها للدولة، ولكن من بنى تلك الدولة العلمانية، ومن يحكمها ومن يحميها؛ لا يريد تلك المرجعية مرة أخرى، بل يقاوم رجوع المرجعية الإسلامية للدولة، وهذا ما أكسب المواجهة طابعها الكلي والشامل، حتى باتت مواجهة بين نظامين، لا علاقة لأحدهما بالآخر، وهو ما جعل المواجهة والخصومة بين الدولة والحركة الإسلامية، تصل إلى ما وصلت له من شدة، فالمسألة لم تكن تتعلق بقضية فرعية، بل بقضية مرجعية الدولة ونظامها السياسي، فهي إذًا اختلاف في الجوهر وليس في الفروع، وهو اختلاف كلي وليس اختلافًا جزئيًّا.

 

والدولة التي تخلَّت عن المرجعية الإسلامية، لا تستطيع تحمل وجود الحركة الإسلامية التي تحمل تلك المرجعية نيابة عنها، وتحافظ عليها، وتريد إرجاعها للدولة مرة أخرى، فمجرد وجود الحركة الإسلامية، حتى وإن لم تقم بأي دور سياسي أو لم تواجه الدولة أصبح دليل إدانة للدولة، فوجود حركة إسلامية تطالب باستعادة المرجعية الإسلامية، هو دليل على أن تلك المرجعية تمَّ تنحيتها، وبالتالي فهو دليل على أن الدولة تخلت عن المرجعية الإسلامية، ومن هنا حدثت المواجهة المستمرة بين الدولة والحركة الإسلامية، فهي مواجهة بين مرجعية وافدة تحملها الدولة، ومرجعية موروثة تحملها الحركة الإسلامية.

 

الحركة والمجتمع

ظلَّ موضع الحركة الإسلامية في المجتمع مع كل التغيرات، يمثِّل رأس الحربة للمجتمع، الذي يقود حركة المجتمع لاستعادة هويته، والدفاع عن ذاته الحضارية، فالحركة الإسلامية هي تعبير عن موقف اجتماعي أصيل، يبحث عن الهوية الحضارية للأمة، ويريد تحقيق النهوض والوحدة، فالحركة الإسلامية هي إفراز للمجتمع، تنبع منه، وتعبِّر عن أزماته، وتعبِّر عن تطلعاته.

 

والعلاقة بين الحركة الإسلامية والمجتمع، لا تقاس بعدد المنتمين للحركة الإسلامية، أو بعدد المؤيدين لها، ولكن تقاس في الواقع بمدى التقارب بين الفكرة السائدة لدى الحركة الإسلامية، والفكرة السائدة لدى المجتمع، وهو ما يكشف عن التوافق بين الغاية النهائية للحركة، والغاية النهائية للمجتمع؛ لذا تبلورت مسارات الحركة الإسلامية ومسارات المجتمعات العربية والإسلامية حول قضية الشريعة الإسلامية، فقد أصبحت الشريعة هي العنوان الأبرز لفكرة المرجعية، فمع تطبيق الشريعة تتغير المرجعية وتستعاد المرجعية الإسلامية، وبهذا يتشكل التوافق الحادث بين المجتمع والحركة الإسلامية، فهو ليس توافقًا على رؤية فكرية أو توجهات فرعية، ولكنه توافق من حيث المبدأ، وتلك مسألة مهمة، فالناظر للحركات الإسلامية يراها تيارات اجتماعية وسياسية، وهذا واقع بالفعل، ولكنها في مجملها تمثل اختيارًا مركزيًّا أساسيًّا، بغض النظر عن مواقف التيارات الفرعية، فقضية الحركة الإسلامية تتعلق بالقضية المركزية، وتتبلور حول وحدة الأمة السياسية، وتحرير فلسطين وتطبيق الشريعة الإسلامية؛ ما يجعل كل الحركات الإسلامية تستهدف غاية واحدة، حتى مع تنوع الطرق والسبل، ومع تبني المجتمعات تلك الغاية، تتحقق العلاقة العضوية بين الحركة الإسلامية والمجتمعات.

 

فالحركة الإسلامية هي الصوت المسموع للمجتمع الصامت، وهي الحركة المرئية لحالة السكون المجتمعي، وهي عنوان التوجهات الصامتة للمجتمع، هي إفراز للاحتجاج المجتمعي على الغزو الحضاري، وهي أيضًا نتاج تحرُّك المجتمع نحو استعادة مرجعيته.