حسين القباني
في اليوم الأول من يونيو كرَّر النظام الحاكم المصري نفس تجربة الإقصاء والتنكيل بحق الإخوان كما حدث في انتخابات 1995م؛ حيث شهد التجديد النصفي الثاني لانتخابات الشورى في عام 2010م ما حدث في التجديد النصفي الأول في عام 2008م من انتهاكات أمنية صارخة في حق العملية الانتخابية، بعد أن تنازلت هذه المرة اللجنة العليا للانتخابات عن مسئولياتها لحماية عملية التصويت، في ظل غياب الإشراف القضائي الكامل.

ولم يكن هذا المشهد غائبًا عن الأذهان، خاصةً مع جولات أحمد عز أمين تنظيم الحزب الحاكم في معظم محافظات مصر؛ لإحكام القبضة الأمنية على مجريات الأوضاع حتى لا يتكرر مشهد نواب الـ88 المنتمين لجماعة الإخوان، والذي أقلق القيادات الحاكمة في مصر التي تريد مزيدًا من الاحتكار والفساد والاستبداد، وتمرير آمن للسلطة دون أي التفات لمطالب التغيير والإصلاح التي تنادي بها قوى إصلاحية عديدة بمصر.
وانكشفت مطالب الشفافية التي أراد النظام أن يجمِّل بها وجهه في الداخل والخارج منذ بداية الدعاية الانتخابية التي شهدت تمزيقًا للافتات ومنعًا للمؤتمرات في المحافظات المقررة فيها الانتخابات وتشارك فيها الانتخابات، وتم إلقاء القبض على مرشحين للإخوان مثلما حدث في كفر الشيخ، وتم إطلاق رصاص مطاطي وقنابل مسيلة للدموع على مسيرة انتخابية لمرشح الإخوان في البحيرة، وإلقاء القبض على المصابين ووضع الكلبشات في أيديهم على أساس أنهم هاجموا الشرطة، وأتلفوا سيارة لها، وأصابوا عددًا من المجندين، بل ووصل الأمر إلى الاعتداء على نواب في البرلمان المصري، كما حدث لعزب مصطفى نائب الجيزة، ومنع عمدة للنائب أشرف بدر الدين في أشمون في المنوفية، ومنع المواطنين من حضور مؤتمرات للنائب علي فتح الباب.
ولم يختلف التحرك الإعلامي المنحاز للحزب الوطني في عددٍ من الصحف ووسائل الإعلام، كما رصد ذلك عددٍ من التقارير الحقوقية في رصدها لفترة الدعاية الانتخابية.
ولم تمر أيام إلا وكُشفت الخطة المركزية التي وضعتها قيادات الحزب الوطني بالتنسيق مع الجهات الأمنية؛ للقضاء على حلم التغيير صبيحة عملية الانتخاب، وانكشف سر جلوس أحمد عز في غرفة العمليات بالمقر الرئيسي للحزب الوطني، ورفض الإدلاء بأي تصريحات على عكس صفوت الشريف الذي قال: "توجيهات من الرئيس بأن يكون أعضاء الوطني قدوة في الانتخابات" أو د. فتحي سرور الذي وصف انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى "بأنها تتم في جو ديمقراطي وتتسم بالشفافية والمصداقية "وبالفعل فعز لن يتحدث؛ لأنه يعرف السيناريو مسبقًا، ويعرف نتيجة تقفيل صناديق الانتخابات، ومنع مناديب الإخوان من دخول اللجان وإطلاق رصاص حي على قدم ناخب في مدينة حوش عيسى، وبالفعل يعرف صفوت الشريف أن رجاله القدوة ارتدوا "تي شرتات" الحزب الوطني، ورفعوا الشوم في وجه الناخبين ولا أدري هل الديمقراطية لدى د. سرور تتساوى مع اختطاف الناخبين في سيارات أمنية وإطلاق أَلْسِنَة البلطجية وأيديهم على أنصار المرشحين؟
وهل الشفافية تتساوى عنده مع الاعتداء على السيدات وتسويد البطاقات لصالح مرشح الحزب الوطني علنًا؟ وهل المصداقية تعني تزوير الانتخابات بإخلاص من جانب الجهات الأمنية أم عن أي وطن يتحدث؟!
إن ما حدث اليوم يضع علامات استفهام على نظام حاكم يصرُّ على قتل أي أمل في التغيير في أي انتخابات تُجرى في البلاد، ويدفع المراقبون للعمليات الانتخابية إلى كشفها في الداخل وفي المحافل الحقوقية في الخارج.
إن نتيجة الانتخابات اليوم- أيًّا كانت- ليست تعبِّر إلا عن الأفق المظلم الذي تجنح له سفينة الوطن ما لم يتدارك الأمر الحكماء لأهمية اتساع التحرك السلمي في طول البلاد وعرضها قُبيل الانتخابات البرلمانية القادمة؛ وهي الأهم في تاريخ مصر.
ومن الضرورة بمكان أن نتابع السيناريوهات التي تمت في هذه الانتخابات، والتي تكرر معظمها في كل انتخابات من جانب الأجهزة الأمنية والحزب الحاكم، مع وضع سيناريوهات بديلة مدروسة.
وبالتأكيد لم يكن اليوم يوم انتخابات بل كان عملية إجرامية نفَّذتها الجهات الأمنية بتعليمات عليا، كانت تُحرِّك البلاد أيضًا في غياب الرئيس مبارك أثناء إجرائه إحدى العمليات في الخارج، وبالتأكيد لم يكن ما حدث اليوم يعبِّر عن "شورى" بل سيظل عنوانًا للاستبداد وتحطيم قيمة الإنسان وآماله.
وأخيرًا.. يجب أن نحيي صمود جماعة الإخوان بمصر قيادات وشبابًا وفتيات ونساءً وشيوخًا وأشبالاً وزهراوات ولجان تنظيمية تحرَّكت بإخلاص عما تمَّ تأديته في الأيام السابقة من جهد ينشد الإصلاح والتغيير، فهو يستحق أن يرى الثناء بدلاً من السجون والرصاص المطاطي وبطش البلطجية، ولكن مصر ليست هي التي نعرفها في ظل هذا النظام البوليسي الذي لا محالةَ سينتهي مهما كانت الحشود الأمنية وأساليبها الإجرامية!.