يواصل الدكتور حلمي محمد القاعود نشر التراث المجهول الذي تربت عليه الأجيال في أوائل القرن العشرين؛ إلى جانب إصداراته المتخصصة والعامة، وتجاوزت 60 كتابًا، بعضها مرجع في بابه.
وفي هذا الكتاب الذي أصدرته دار الهلال في أوائل القرن الماضي نطالع قضايا ما زالت حية وقائمة، وتتطلب العمل والإبداع من شعبنا ومفكرينا ومثقفينا في أيامنا الراهنة.
يقول المؤلف في دراسته الضافية التي قدَّم بها الكتاب:
"كانت تجربتي مع كتاب "فتاوى كبار الكتاب والأدباء..."، الذي نشرته دار الهلال عام 1923م، حول قضيتي اللغة العربية والنهضة الحديثة (دار الفضيلة، القاهرة، 1430هـ= 2009م)؛ حافزًا على قراءة الكتاب الذي بين أيدينا "أحسن ما كتبت"، الذي كُتب في الفترة ذاتها تقريبًا، أي عقد العشرينيات من القرن العشرين، ونشر بعد سنوات قليلة في أوائل الثلاثينيات (1934م).
رأيت في الكتاب الأول صورةً للحوار الثقافي المثمر، ومناخ التسامح الحقيقي، والتعامل الجدي مع الكلمة؛ ووعيًا واهتمامًا وإخلاصًا، وهو ما أنتج كتابات وأفكارًا ورؤًى تتميز بالنضج والقوة والحيوية، وتستحق في كل الأحوال التقدير والاحترام، حتى لو اختلفت مع آرائنا وتصوراتنا، بل لو كانت فيما بينها متعارضة ومتناقضة؛ إذ إنها تصدر عن قلبٍ حيٍّ، وعقلٍ يقظٍ، ووعيٍ نشطٍ، وهو ما يوجب النظر إليها باهتمام وامتنان.
![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
ويضيف المؤلف: "لقد اجتهدتْ كتب التاريخ المدرسية، ومعها كتب التربية الوطنية أو القومية؛ في تسفيه هذه الفترة (ما قبل 1952م تحديدًا)، ووصْفها بالعهد البائد البغيض، وسلْب هذا العهد كل فضيلة ممكنة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والأدب والفكر.. بيد أن ما نستشعره طوال نصف القرن الأخير من القرن العشرين، وسنوات بداية القرن الحادي والعشرين؛ هو هبوط حاد في مستوى النضج والوعي حيال قضايا الأمة، ومستوى الإبداع والإنتاج في شتى المجالات.
ومن ثم، تأتي قيمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وما يضمه من موضوعات طرحت في سياق "أحسن ما كتبت"، أي إنها موضوعات تمثل ذروة ما كتبه أفضل كُتَّاب ومشاهير وشعراء هذا العصر".
ويقول الدكتور القاعود: "إن الكُتَّاب والشعراء عالجوا موضوعاتهم من خلال نظرة تجمع إلى الاجتهاد الجدية، والعمل إلى الأمل، في سياقات تحتفي بالفكرة، وتبرهن عليها بما يثبتها أو ينفيها؛ رغبةً في خدمة الوطن وصنع المستقبل، دون مَنٍّ أو أذى، ودون ادعاء بطولات وهمية أو تواضع زائف، بل إن المختارات الشعرية القصيرة للشعراء القدامى جاءت دالةً ومعبرةً عن سياق إنساني لا يمكن تجاهله".
ويضرب الكاتب بعض الأمثلة على ذلك فيقول: "تأمل مثلاً تأثير وفاة "سعد زغلول" على كُتَّاب تلك الفترة الكبار، وإحساسهم تجاهه على المستوى الإنساني والسياسي.. لقد كتب عنه الشيخ عبد العزيز البشري وطه حسين- وهما مَن هما تفوقًا أدبيًّا وإثارةً فكرية- ليضعاه في صورة مثالية لا تشوبها شائبة من خطأ أو قصور، كأنهما يريدان أن يكون نموذجًا تقتديه الأمة من خلال شبابها وأبنائها لاستكمال الحلم من أجل الاستقلال وبناء مصر؛ ولذا لم يشر أيٌّ من الكاتبين إلى النواحي السلبية التي ركَّز عليها المعارضون لسعد سياسيًّا، وأسسوا عليها حزبًا يتكون من المنشقين والمختلفين معه..".
ومن القضايا التي شغلت كُتَّاب ذلك الزمان قضية الوحدة العربية والانتماءات الشعوبية، فقد كان تقويض الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1924م؛ حدثًا جللاً، أربك الأمة الإسلامية وفي قلبها العرب، وفتح عليها أبواب الجحيم الاستعماري، فقد كانت الخلافة على ضعفها وطمع الغرب الاستعماري في ممتلكاتها، تمثل حائط صد يعوق طموح الغزاة المستعمرين إلى حد ما، ويربط العالم الإسلامي برباط ما، ولو كان واهيًّا؛ ما كان يقف شوكة في حلق الغرب وحلفائه، ولكن انفصام عروة الوحدة الإسلامية، وسقوط العرب فريسةً للمستعمرين الغزاة؛ مزَّق البلاد والعباد، وأتاح للنعرات القومية على الطريقة الأوروبية والنزعات الانفصالية الشعوبية، فرصة الظهور والتمدد، وصار العرب الذين كانوا جزءًا من دولة الخلافة؛ دولاً شتى متنافرة، بل متناحرة، يتحكم فيها الأجنبي والموالون له.
سبب هذا الوضع مأساة عامة لدى الكُتَّاب العرب وشعرائهم؛ حيث كانوا يمثلون من خلال الثقافة الواحدة عنصر التماسك البارز بين أبناء الأمة، ومن ثم رأينا أصواتًا تجهر بأهمية الوحدة العربية، أو تحارب النزعات الشعوبية.
وحظي هذا الكتاب ببعض المقالات التي تصب في هذا الاتجاه، منها مقالة "عبد الرحمن عزام" أول أمين للجامعة العربية عقب إعلانها، فقد كتب في وقت مبكر يعبِّر عن الوحدة العربية من خلال مفهوم إسلامي متقدم، وليس من خلال مفهوم عرقي أوروبي، ويبرهن على ضرورة الوحدة وأهميتها.
إن معظم الموضوعات المنشورة في هذا الكتاب، تعالج موضوعات معاصرة، مع أنها كُتبت قبل 80 عامًا أو يزيد، وما زالت قابلةً للحوار والمناقشة.
ويظهر الجهد الكبير الذي بذله المحقق في الضبط والتعليق والترجمة للكتاب والشعراء، بما يجعل الكتاب إضافةً جديدةً إلى الإبداعات المعاصرة.
