تمر بالإنسان مواقف وأحداث في يومه وليله، ويجهل المرء أن تلك المواقف والأحداث هي قدر الله النافذ، يسوق الله من خلالها الأقدار المؤلمة التي ترقيه، وترفع من قدره عند ربه، وهذه المواقف وتلك الأحداث ما هي إلا دليل عملي على صحة إيمان العبد وبها يتحقق الركن السادس من أركان الإيمان "أن يؤمن بالقدر خيره وشره"، وبها يتحقق قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: من الآية 23)، ومن هنا فلا ينفك قدر الله من لطفه، وأي قدر يتنزل بالإنسان سيجد فيه شيئًا من لطف الله لا محالة، تذكرت ذلك بعد مرور سنة كاملة وأنا أعيش اغترابًا قهريًّا فرضه علينا نظام ظالم مستبد حال بيني وبين أهلي وأولادي وأحبابي، فكانت هذا الكلمات اعترافًا بفضل الله ولطفه بنا.

 

إن ربي لطيف لما يشاء: تتجلَّى في قصة يوسف الصديق عليه السلام واضحةً جلية، حاملةً العديد من الدروس التربوية، ولكننا نقف هنا مع درس لطف الله له وبه، فرغم ما تعرَّض له في حياته من مواقف وأحداث جسام لا يقوى على تحملها إلا أولو العزم وأصحاب الهمم العالية، إلا أننا نجده يعلمنا ذلك الدرس في التعامل مع قدر الله والنظر إليه بعين الحكمة فقال لنا بعد تعرضه لتلك المواقف كلها ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ (يوسف: من الآية 100) لم يذكر محنة دخوله السجن، ولكن ذكر نعمة الخروج منه بعد الحبس، ولم يذكر محنة الاغتراب عن الأهل والعشيرة ولكن ذكر نعمة جمعه بأهله وإخوته، ولم يذكر محنة تعرضه للقتل من قِبل إخوته وتآمرهم عليه، ولكنه نسب ذلك إلى نزغ الشيطان، إنها قمة التربية اليوسفية التي شعر خلالها يوسف عليه السلام بلطف الله عليه حينما سخَّر له الأسباب الخارجية التي حوَّلت المحنة إلى لطفٍ من الله.

 

إن ربي لطيف لما يشاء: فقد حال الظلم بيني وبين أهلي وأولادي، فكان اغترابي عنهم فرصة مناسبة لهم لتقوية الوازع الإيماني في نفوسهم، وزيادة صلتهم بالله، وتربية لهم على خوض مصاعب الحياة وعدم الاستسلام لها، والوقوف على ما في النفس من قدرات كامنة لا تظهر إلا وقت المحن، وفرصة للتعرف على معادن الناس وأصنافهم عن قرب، ولله در القائل: جزَى الله الشدائد كل خير.. عرَّفتني عدوي من صديقي.

 

إن ربي لطيف لما يشاء: وقد حال الظلم بيني وبين حضور فرح ابنتي، فكان قدر الله لها أفضل من وجود أبيها بجوارها، وأكرمنا ربنا بفضله الواسع من حيث لا نحتسب، وتم زواجها من غير حولٍ مني ولا قوة، وتحقق قوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ (19)﴾ (الشورى) فهو سبحانه يلطف بنا من حيث لا نشعر، ويهيئ مصالحنا من حيث لا نحتسب، ويقضي حوائجنا ويصرفها كيفما شاء، وعلى غير ما يتوقع الإنسان.

 

إن ربي لطيف لما يشاء: وحال القهر والاستبداد بيني وبين أولادي في مذاكرتهم وامتحاناتهم، فكان فضل الله ولطفه بهم أن نجحوا وتفوقوا، فشعرتُ بالقوة الإيمانية التي تغرسها فينا الآية الكريمة.. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء) فكان لطف الله بنا في غربتنا أن أصبح الأبناء رجالاً في غيبةِ والدهم، وعاشوا المحنة على خير ما يكون.

 

إن ربي لطيف لما يشاء: فهو سبحانه يوصل إلينا مصالحنا وما يفيدنا بالطرق الخفية، ولطف الله بالعبد تارةً يكون لطفًا به وأخرى يكون لطفًا له، فإذا يسَّر الله لعبده وسهَّل له طرق الخير وأعانه عليها فقد لطف به، وإذا قيَّض له أسبابًا خارجيةً غير داخلة تحت قدرة العبد فيها صلاحه فقد لطف له، قال الإمام الغزالي في اسم الله اللطيف: "هو مَن يعلم حقائق المصالح وغوامضها ثم يسلك في إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف".

 

إن ربي لطيف لما يشاء: مدرسة في التربية الإيمانية بأن الله يُصرِّف الأمر بلطفه ويقضي فيه بحكمته، فهو سبحانه يمنع الرزق عن عباده رحمةً بهم، ويبتليهم بالمصائب رأفةً بهم، هي أنوار اللطف الرباني في وسط أستار وظلمات المصائب التي تتنزل بالعباد، ولا يشعر بذلك إلا مَن عَرَفَ ربَّه حق المعرفة، وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"؛ مما يعطينا دفعةً إيمانيةً في أن نعيش حياتنا بعزة وقوة وانتساب إلى المولى سبحانه وتعالى.. "ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإنَّ الأمورَ تجري بالمقادير".

 

إن ربي لطيف لما يشاء: فهو لطيفٌ في بلائه وفيما يختار لنا من بلاء، وهو لطيف في القضاء والقدر، يقدر علينا أنواعًا من المصائب، فيوفقنا للصبر عليها، ويغرس فينا روح الرجاء فيه وانتظار الفرج منه، ويجعلنا متعلقين به سبحانه دعاءً ونداءً واستغاثةً، فتنشأ فينا قيم تربوية جديدة لم تكن موجودةً من قبل، وهذا من لطفه بنا،  فقد كان الاغتراب قهرًا وظلمًا: "فاتحة خير لاكتساب العديد من القيم التربوية والمهارات الدعوية، وزيادة بنك الخبرات والعلاقات الإنسانية، وفتحًا لأبواب خير كثيرة ما كان لها أن تُفتح إلا من خلال تلك الغربة، وتعرفًا على مجالات عمل واسعة وآفاق جديدة".

 

فيا رب ما ألطفك بنا، وما أعدلك في قضائك الواقع بنا، وما أرحمك فيما تبتلينا به من بلاء، وما تنزل علينا من مصائب، قد لا نرى فيها خيرًا ولا بذرة أمل، ولكننا نكتشف بعد حين أن فيها الخير كله والفضل كله واللطف كله، فيا رب لك الحمد كله ولك الشكر كله.. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ (يونس).