بدايةً.. أسجل الدافع لهذه القراءة النقدية والبلاغية لهذا المقال، وهو ما قرأته من ردود فعل على الموقع تتهكم على مقال "صخرة على جسد مفتول العضلات" وكاتبه عبد الجليل الشرنوبي رئيس تحرير "إخوان أون لاين"، وأحسستُ من هذه الردود أن بعضها نابع من عدم فهم المقال بهذه الصورة الرمزية، والبعض الآخر له أغراض أخرى لا تصح مناقشتها، وهذه القراءة موجهة في الأساس للقسم الأول، أما الثاني فمهما كتبنا ووضحنا فإن الأغراض ستغطي على كل جمال- نعوذ بالله منها-.
وأذكر أحد التعليقات التي تنم عن عدم فهم ما كتبه الكاتب والقراءة السطحية للمقال.. "الحقيقة الأستاذ عبد الجليل حيرنا معاه.. شاهدت له منذ فترة قصيرة برنامج على إحدى قنوات التليفزيون يتحدث عن السينما الإيرانية ومخرجيها وممثليها بالتأكيد في البداية استغربت لكني قلت ده تخصصه، وعندما قرأت مقاله السابق هذا أبرهة فأين عبد المطلب اندهشت من التحول في الاهتمامات، واليوم أقرأ حاجة وفي اتجاه آخر تمامًا، والذي أريد أن أعرفه.. هل حقًّا شخص واحد هو مَن يكتب هذا الكلام أم أنه يضع اسمه على مقالات يكتبها غيره".. هذا نص تعليق ينمُّ عن عدم فهم أسلوب الكاتب، ولو أمعنت النظر لفهمت أنه شغل واحد، فمقال "هذا أبرهة فأين عبد المطلب" ليس مقالاً دينيًّا إنما هو في صميم السياسة، وكذلك مفتول العضلات، والقاسم المشترك بينهما التعبير بالرمز، والأسلوب الأدبي الراقي والتصوير الفني الجميل، أما حديثه عن السينما الإيرانية فهذا نابع من اهتمامه بالفن، وأسلوبه الفني هو الذي أخرج هذه المقالات.
وسوف نوضح في هذه القراءة النقدية مواطن الجمال والبلاغة الفريدة التي تميَّز بها الشرنوبي في مقاله الذي هو أقرب إلى روح القصة القصيرة، وسر لجوئه للرمز وعدم الكتابة المباشرة، وسنوضح أهمية استخدام "الرمز" في كتاباته خصوصًا، والكتابة العامة عمومًا.
اللجوء للرمز.. لماذا؟
أولاً الكاتب يتمتع بحسٍّ أدبي راقٍ في عرض مقالاته، ودائمًا يلجأ إلى "الرمز"، والاتجاه إلى "الرمز" ليس بجديد في عالم الصحافة والكتابة، فهو موجود من زمن بعيد، ودائمًا يظهر هذا الاتجاه في عصور الديكتاتوريات وطغيان الحكام وعدم وجود قانون يحمي الكُتَّاب؛ حيث يخشى الكاتب أن يُصرِّح مباشرةً بتفشي الظلم أو أن يلقي بالمسئولية على كاهل الحاكم أو السلطان مباشرةً فيلجأ إلى التعبير عما يشاهده بصورة رمزية لا تُدينه، وهذا ما فعله كاتب كتاب "كليلة ودمنة" الذي ترجمه عبد الله بن المقفع إلى العربية، حيث جاء بقصص رمزية على ألسنة الحيوانات وهي كلها تعبر عن الظلم المتفشي في عالم الإنسان، وكذلك كثير من الشعراء كانوا يلجئون إلى الرمز أحيانًا، بل هناك مدارس تجعل من الرمز اتجاها عامًا في شعرها، مثل شعراء المدرسة الواقعية.
هل الرمز غموض؟
وليس معنى اللجوء إلى الرمز الغموض في العمل الأدبي، ولكن لا بد للكاتب الذي يستخدم الرمز من الإشارة- ولو من بعيد- إلى ما يقصده في عالم الواقع، وهذا واضح جدًّا في كتابات الشرنوبي، فهو لم يُصرِّح بالصخرة المقصودة، ولم يصرح بمفتول العضلات، وإنما كل ما كتبه عن الصخرة ومفتول العضلات ما هو إلا إسقاطات من الواقع، ومن يتابع المشهد السياسي لمصر يعرف ما يقصده الكاتب.
شيء آخر أن الكاتب لم يترك الأمر هكذا وإنما ختم المقال بسؤال وقوع الصخرة، وكتب التاريخ الحقيقي، ومَن يربط بين هذا التاريخ وما كتبه عن الصخرة سيعرف بلا شك المقصود بالصخرة، فالكاتب لم يكن غامضًا في لجوئه إلى الرمز، أما إذا كان الرمز به غموض شديد فيعد- بلا شك- عيبًا يؤخذ على الكاتب أو الشاعر.
كما أن اللجوء إلى الرمز يثير الذهن ويحرك العقل، ويجذب القارئ، ويجعله يتساءل عن المقصود بالرمز فتخرج إجابات كثيرة أغلبها تكون صحيحة أو قريبة من مقصود الكاتب، ففي موضوعنا "الصخرة ومفتول العضلات" البعض فسَّر الصخرة بقانون الطوارئ، ومفتول العضلات بالشعب المصري، والبعض الآخر فسَّر الصخرة بالحاكم نفسه، ومفتول العضلات بمصر ذاتها.
وهذا التنوع في تفسير الرمز له فائدتان؛ أولاها: أنه يُثري الموضوع ويُحرك الذهن ويُحدث تفاعلاً بين القارئ والمقال.
ثانيا: أنه يُخرج الكاتب من المساءلة القانونية؛ إذ لا يوجد دليل على إدانته.
بين التصوير الكلي والجزئي
ومع اللجوء إلى الرمز نرى الكاتب لجأ أيضًا إلى الجمع بين التصوير الكلي والجزئي؛ مما جعل مقاله لوحةً فنيةً متحركة؛ فالنسبة للتصوير الجزئي نلاحظ أن الكاتب استخدم التشبيه والاستعارة والكناية، فيبدأ بالكناية التي تلخص المشهد كله "كان الجسد المفتول العضلات يئنُّ تحت وطأة الحجر الثقيل" كناية عن التعب الشديد والإنهاك والضعف الذي صار إليه هذا الجسد الذي كان في يوم من الأيام رمزًا للقوة عندما كان "مفتول العضلات" وثقل هذا الحجر أو الصخرة ومدى بشاعتها وضخامتها.
ونرى التشبيه الجميل في "فتسحب عضلاته الجبارة سلاسل القيد لتستحيل حجارة الحائط مطرقةً على رءوس أعدائه يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال".. فيصور سلاسل القيد التي كان مربوطًا بها بحجارة تنزل على رءوس الأعداء، وهذا التشبيه له دلالة على أن الوسائل التي يستخدمها النظام لخنق هذا الشعب وتكبيله هي نفسها التي ستنخق النظام نفسه، وسينقلب السحر على الساحر.
ونرى الاستعارة التصريحية المعبرة عن حال مصر في "يقتاتون من دمه"؛ حيث صوَّر خيرات مصر بالدم الذي يجري في عروق الإنسان، ولا يستطيع الإنسان العيش دون الدم؛ وإذا قلَّ دمه أُصيب بفقر الدم وتكون حياته كلها معرضةً للخطر، وهؤلاء ينهبون الخيرات بل نقول ينهبون الأصول، ولن يتركوا شيئًا يعيش عليه الشعب، فكان الكاتب موفقًا في هذا التصوير أيُّما توفيق.
ونرى الخيال المركب في "والمرُّ يتناثر حول شفتيه رزازًا " فكلمة "المر"- بما لها من دلالة قوية على واقعنا- استعارة تصريحية؛ حيث صوَّر ما تتعرض له مصر من ظلمٍ بيِّنٍ بالمُرِّ، ثم صوَّر المر بالرزاز المتناثر من شفتيه ليوحي بأن المرارة قد طفحت وزادت عن حدها حتى أصبحت تتناثر حول شفتيه.
والمقال كله مليء بهذه الصورة الجزئية الدالة دلالةً واضحةً على ما آلت إليه مصر، ولكن عرضنا بعضًا منها، ونترك الباقي للقارئ ليكتشف العلاقة بين هذه الصور وحال مصرنا الحبيبة.
وننتقل إلى التصوير الكلي.. فنرى أن الكاتب رسم لوحةً فنيةً كاملة، بها صوت وحركة ولون، فالصوت نسمعه في أنين مفتول العضلات من ثقل هذه الصخرة وطول مكثها عليه "يئن تحت وطأة الحجر الثقيل"، وأيضًا نرى الصوت واضحًا قويًّا معبرًا عن واقعنا في "ويمصمص الجميع شفاههم المتشققة، ويضربون أكفهم البائسة، ويهتفون كلٌّ حسب توجهه"، وأيضًا صوت الطفل الذي جاء معبرًا عن الأمل في الأجيال القادمة في التغيير.
وأما الحركة فنجدها في "يقاوم الصخرة ويحاول عليها أن يثور"، وحركة الناس حول الصخرة، والحشرات التي تتحرك تحت الصخرة، وهي حركة تنمُّ عن مدى الفساد الذي عشش وفرَّخ وباض في كل مؤسسات الدولة؛ حتى أصبح لا يُطاق.
واللون نراه في "دمه"، ولون الدم الأحمر يُشير إلى وجوب قيام ثورة عارمة وتحرك شعبي عام وتنسيق بين الجهود للإطاحة بهذه الصخرة وبهذا الفساد الذي نتج عن وجودها، والقضاء على الحشرات التي استساغت العيش في ظلها.
وهكذا نجد أن الكاتب قد وُفِّق في رسم هذه اللوحة الكلية بخطوطها الفنية كأنها مشهد تليفزيوني أمامنا.
والمقال- أو القصة القصيرة الرمزية- مليء بالتصوير الفني الجميل، ولكننا أشرنا إلى بعضها، وفي نهاية المقال لم يشأ الكاتب أن يجعل الصورة سوداوية أو متشائمة، فأعطى لنا بصيصًا من النور والأمل في إزاحة الصخرة والقضاء على الفساد في صورة الطفل المبتسم، وهذه الابتسامة بها نظرة تفاؤل وترمز إلى الأمل في التغيير إلى الأفضل، ولكن لا بد من تكاتف كل الجهود.. "أنا ممكن أجيب أصحابي وندفع الصخرة عن صدرك".
---------------
* fawzimansor@yahoo.com