السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
جلس أصدقائي الكرام، وافتتحنا الحلقة بالقرآن والدعاء، ثم كلمة موجزة عن الوضع الحالي الذي تمر به أمتنا في الداخل والخارج، خيَّم على الجميع الحزن والأسى لما يحدث لإخواننا على أرض الرباط والرافدين والقوقاز وكشمير وأفغانستان، وما يُحاك ضدهم من مؤامرات بُيتت بليل، وما يُحاك بالبلاد الآمنة لزعزعة استقرارها وبلبلة أمنها، انتفض الجميع وأدلى كل فرد منهم بدلوه حتى نطق أحدهم ببيت من الشعر حرك المشاعر:
أواه ليلى في العراق عليلة يا صاحبي كل العراق عليل
أختاه ليلى تستجير بأختها يا أخوتي خذل الفراتَ النيلُ
فرد عليه الآخر ببيت على لسان الأقصى زلزل الأحاسيس والأركان:
إني أنادي والرياح عصيبة والأرض جمر والديار ضرام
يا ألف مليون ألا من سامع هل من مجيب أيها الأقوام؟
قد بح صوتي من نداك أمتي هلا فتى شاكي السلاح همام
فوجدت الآخر ينظر إليهم وينادي بأبيات للشاعر العشماوي على لسان طفلة مشردة، هدم الاحتلال البيت، واعتقل الأخ، وقتل الوالد، وجاء ليغتصب الأم فوقفت الطفلة وسط الظلام الدامس لتخاطب الهلال في فجره قبل ظهوره بدرًا قائلة:
غب يا هلال
إني أخاف عليك من قهر الرجال
قف من وراء الغيم
لا تنشر ضياءك فوق أعناق التلال
غب يا هلال
إني لأخشى أن يصيبك
حين تلمحنا الخبال
أنا- يا هلال
أنا طفلة عربية فارقت أسرتنا الكريمة
لي قصة
دموية الأحداث باكية أليمة
أنا- يا هلال....
أنا من ضحايا الاحتلال
أنا من ولدت
وفي فمي ثدي الهزيمة!
شاهدت يومًا عند منزلنا كتيبة
في يومها
كان الظلام مكدسًا
من حول قريتنا الحبيبة
في يومها
ساق الجنود أبي
وفي عينيه أنهار حبيسة
وتجمعت تلك الذئاب الغبر
في طلب الفريسة
ورأيت جنديًّا يحاصر جسم والدتي
بنظرته المريبة!
ما زلت أسمع يا هلال
ما زلت أسمع صوت أمي
وهي تستجدي العروبة
ما زلت أبصر نصل خنجرها الكريم
صانت به الشرف العظيم
مسكينة أمي
فقد ماتت..
وما علمت بموتتها العروبة!
فوجدت الدمعة تسيل على الخدين من بعضهم، وارتفع خنينهم من كثرة البكاء، فشكرت لهم على مشاعرهم الفياضة تجاه أمتهم وإخوانهم في كل مكان، بعد أن ارتفعت رحم الدين وسبقت رحم النسب، ثم قرأنا وردنا من القرآن، وأخذنا جرعة من التفسير والفقه، ثم اغترفنا من إناء السيرة، وشربنا من معين الرقائق، ثم استنشقنا عبير الحديث، ثم دار حديث بيننا عن حال كل فرد مع دعوته وأهله وولده وجيرانه والناس من حوله.
ولما اقترب الختام وجدت أحدهم يهمس في أذني قائلاً لي هل نسيت الجهاد المالي؟! اليوم هو التاسع والعشرين من الشهر، والأسبوع المقبل سنكون قد دخلنا في الشهر الجديد، وبهذا يكون الجهاد قد خرج وقته والله يقول: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 141)، قلت له: بارك الله فيك، والله لقد ذكرتني بعد نسيان، فرفعت صوتي مناديًا من منكم أيها الأحباب تقاضى راتبه هذا الشهر حتى يدفع حق الدعوة في دخله الشهري؟ فقام هذا الأخ ومعه من تقاضى راتبه، وأخرج من جيبه حق الدعوة، ولما أمسكت بجهاده وجدته خمسين جنيهًا وبضعة قروش، فأخذت الخمسين، وأردت أن أرد عليه هذه القروش القليلة فقال أخي: هذا حق الدعوة وقسَمُها في راتبي، عليه بايعت، وبه آمنت، أخرجه راضية بذلك نفسي، فكبرت القروش الصغيرة في عيني حتى أصبحت كالجبال، وسألت الله أن ينميها له، ثم جزيته خيرًا على ارتفاع مستواه التربوي العالي والإيماني الراقي، وبعد أن انصرف الجميع بعد لقاء القلوب والأرواح وذهبت إلى بيتي، وقفت مع هذا الأخ الذي قام بخصم حق الدعوة بالقرش الواحد ولم يبخل عليها به، وقلت: هذا فهم غاب عن الكثيرين من أبناء هذا الجيل، هذا الأخ درة نفيسة لأنه قل أمثاله، أين بقية الأفراد منه؟ وأخذ عقلي بالفعل يدور بعد أن ذكرني بقراءاتي عن الجيل الفريد من أستاذتنا ومشايخنا ومرشدينا الذين أكل منهم الإخلاص وشرب، ونالت التضحية من كل عضو منهم فلم يدخروا جهدًا ولا وقتًا ولا مالاً، لم يقدموا على دعوة الله شيئًا وقدموها على كل شيء، دار عقلي معهم في جودهم مع دعوتهم وعفتهم وكرمهم مع مالهم وعطائهم الكبير.
ذكرني بمن طلبت منه الدعوة نفقة لحاجتها إليها، فذهب إلى بيته فلم يجد إلا دقيق البيت، فأخذه إلى إخوانه، وقال لهم بيعوه فدعوة الله أولى به.
وبالفعل وقفت بين الجيلين بين جيل ضحى بكل شيء وجيل أصبح في بعض أفراده شيء من التباطؤ والكسل وعدم الجد، آمن بعض الشيء بالشكليات والأقوال ونسي بعض الشيء من الأعمال، لربما قدَّم الكلام على الأفعال في بعض الميادين، فجاد من الكلام أكثر من إجادته العمل، عنده جرأة على التأويل والفهلوة.
أُصيب بعدوى المجتمع في كثرة مشاغله، فالدعوة عند هذه القلة على هامش حياتهم يعطونها من مالهم القليل ومن وقتهم الفضول، فن التضحية عندهم يغيب مرة ويعود أخرى.
أُصيب بالعجلة، وبعضهم يود لو قطف الثمرة؛ حتى ولو لم تنضج بسبب ارتفاع الغلاء والوباء والتضييق عليه في فكره ومحاربة رايته وكثرة أعدائه.
أخذت أعدد الفروق التي أُصيب بها بعض أفراد هذا الجيل، فوجدت أن البعض منه أُصيب بهرمون دعوي قاتل.... عددت كثيرًا من الفروق، ولكنني استدركت وتذكرت أني أجول بخاطري مع حق الدعوة في الدخل الشهري الذي ذكرني به هذا الأخ الفاضل الكريم، فعدت إلى الوراء مرة ثانية، وأخذت أحصر بعض الأسباب التي أدت إلى تأخير الجهاد المالي عند البعض أو ضعف حسابهم له، فهذا يخرج عشرة في المائة وهذا يخرج خمسة في المائة، هذا أكثر وهذا أقل، هذا يعطيها فضول ماله وهذا يعطيها كل ما تطلبه من ماله، ووقفت مع المقصرين، وقلت إن من الأسباب التي تجعل الداعية في المحراب لا يضحي بماله ويبخل به على دعوته في نظري عدة أسباب منها على سبيل العد لا الحصر:
1- نسيان العهد الذي قطعه بينه وبين ربه في الوفاء ببيعته:
فلقد دخل الدعوة وهو يحمل حقيبة على كتفه فيها كل مشاغل حياته؛ البيت والأولاد والزوجة والعمل... إلخ، وعندما حمل الأخرى لم يقل له أحد ضع الأولى أو اغفل عنها أو همش من دورها، بل أوصوه بها ونصحوه برعايتها والمحافظة عليها، فهي لا تقل في الأهمية عن الثانية التي حملها مع الأولى، فحمل الاثنين عن طواعية وحب ورضا، وأقسم على الثانية، وبايع عليها وهو يحمل الأولى؛ ولكنه بعد قسمه نشط عدة أيام أو شهور أو سنين، ثم نسي العهد الذي قطعه مع ربه أن يكون خادمًا لها مضحيًا من أجلها؛ فقدم الحقيبة الأولى على الثانية، ولم يفطن لخطورة كسله ولا لفضل وفائه، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ (26)﴾ (الرعد).
ويقول تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)﴾ (النحل).
ولو فطن هذا المسكين لخطورة كسله في وفائه مع العهد الذي قطعه بينه وبين ربه لبادر ولما انتظر أي إنسان أن يطالبه بحق الدعوة في دخله الشهري؛ لأن الكسل والفتور في طريق الوفاء بالعهد رائحته كريهة وعقباته ثقيلة ومخاطره قريبة "كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ"، فهو على باب من أبواب النقض وعدم الوفاء؛ فليحذر من الدخول، ولا يقترب من شرفاته، وليستفيق من غفلته؛ لأن نقض العهد ليس من شيم المؤمنين الصالحين، بل هو من صفات الفاسقين والمنافقين نسأل الله العفو والعافية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)﴾ (الأعراف)، وقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير فقال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر" (متفق عليه).
بل عد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان متصفًا بهذه الصفة الذميمة ممن ذهبت مروءتهم ودينهم فقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (رواه أحمد).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: إن نقض العهد من صفات الفاسقين.
وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: ثلاث خصال من كن فيه كن عليه: البغي، والنكث، والمكر، وقرأ ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (يونس: من الآية 23)، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (الفتح: من الآية 10)، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: إن من نكث يعني نقض العهد فإنما يجني على نفسه، وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له.
وهناك الكثير من الأدلة على وجوب الوفاء بالعهد وعدم نقضه، ولهذا عد بعض العلماء نقض العهود من الكبائر، ومن هؤلاء العلماء: الإمام الذهبي رحمه الله، والإمام ابن حجر العسقلاني، وقال الإمام ابن عطية رحمه الله: إن كل عهد جائز بين المسلمين نقضه لا يحل.
فعلى من يفتر أو يتباطأ في دفع حق الدعوة في الدخل الشهري أن يفطن لهذه المخاطر، وليبادر قبل الوقوع، وليحذر قبل الدخول في هذا النفق العفن؛ لأن نقض العهد ليس من شيم المؤمنين والأحرار.
2- الغفلة عن الأجر والثواب:
فلو نظر هذا الحبيب إلى شعار..."ربح البيع"... لجاد بكل ماله، ولو قرأ وعْد النبي صلى الله عليه وسلم: "لكم الجنة إن وفيتم.." لوفى مع دعوته بالعهد الذي قطعه مع نفسه عندما وطأها بأقدامه ودخلها بحقيبته، إن الفضل كبير والأجر وفير، فبإخراج حق الدعوة في الدخل الشهري يتنزه الأخ عن صفة البخل المُهلك. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد)، ويتعاون على البر والتقوى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾ (آل عمران)، ويبرهن بإخراجها على إيمانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)﴾ (البقرة).
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾ (التوبة)، ويضاعف لنفسه الحسنات ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)﴾ (البقرة).
ومع إخراجها راضية بذلك نفسه يتطلع إلى مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، وإطفاء نار الخطايا، ونيل درجة البر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)﴾ (البقرة)، يصنع مستقبله في الآخرة فيأمن من الخوف يوم الفزع الأكبر، ويحصن الله له ماله ويحفظه وينميه له، عن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَأَعِدُّوا لِلْبَلاءِ الدُّعَاءَ" (الطبراني)، يحصن نفسه وماله بإخراج حق الدعوة فيها ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، الاستظلال بظل الله وظل الصدقة يوم القيامة "... ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"، "المؤمن في ظل صدقته".. فضائل كثيرة؛ فلنفطن لها ولنكثر من قراءتها، لعلها تدفعنا إلى البذل والعطاء والجود والوفاء.
3- ضعف التذكير وقلة التحفيز:
فالإنسان في حاجة إلى تذكير مستمر، وإلى طرق باب قلبه أكثر من مرة، فلربما يفتح في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة.... بعد الألف ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾ (الذاريات)، وقد يكون المسئول عن جمع هذه الأموال هو نفسه عنده فتور أو قصور، فيعدي صديقه بفتوره وتتعدى عدواه إلى غيره، أو يكون عند تذكيره فاترًا لا حماسة عنده فيذكر مرة ولا يذكر الأخرى، وإن ذكَر وذكَّر لا ينوه بالمخاطر المحدقة ولا السيوف المشرعة ولا السهام المصوبة، لا يذكر بآهات المرضى ولا بأنَّة الثكلى ولا بدمعة المحبوس ولا المسجون، وإن ذكر فتذكيره خالٍ من الحماسة والمشاعر الفياضة المتدفقة.
4- النظرة المحدودة والضيقة للمخاطر المحيطة بالدعوة:
فلو قرأ هذا الأخ ما يُحاك بدعوتنا من مخاطر ومؤامرات، ولو أمعن النظر في الواقع المحيط بها لبذل الغالي والنفيس، مضحيًا من أجل بقائها ورافعًا لرايتها ومثبتًا لأركانها، ولقال كما قال أبو بكر بعد سؤال النبي صلى الله عليه وسلم له بعد إنفاقه في غزوة العسرة "ماذا أبقيت لأهلك..؟" قال: أبقيت لهم الله ورسوله؛ فالصهيونية الماكرة والصليبية الحاقدة والشيوعية الغادرة قد نزلوا إلى الميدان والتفوا حول البنيان، يريدون اقتلاع الثوابت والأركان، يعاونهم ويساعدهم في إشعال النيران ذيولهم من أبناء جلدتنا أصحاب الفكرة المنحرفة والراية الشاذة الضالة المضلة والسلطان الفاجر (قاطع الطريق) الذي يسرق حتى مساغ نسائنا، وينهب عند زيارته غير المرغوب فيها قوت أبنائنا، يصادر شركاتنا وينهب خيراتنا وعرق جبيننا، يعزل هذا ويعتقل ذاك، يقتل هذا ويروِّع ذاك، والرعديد المنافق الذي يصفق له، يوالي الأعداء ويعادي الأهل والجيران.... إلخ.
وأهل التباطؤ والفتور والكسل أغمضوا أعينهم عن عمد أو جهل عن هذا الواقع المر الذي تعيشه الدعوة ويعيشه أفرادها فتأخروا مرة وتباطئوا أخرى.
5- عدم استشعار المسئولية:
حلَّ به الكسل ونزل بساحته الفتور بسبب الضباب والشبورة وكثرة الأتربة والرمال التي علت فوق زجاج سيارة الحياة عنده، فضعف نبضه وقلَّ سيره لأن الرؤية قد ضعفت عنده فهو في السيارة يعيش لنفسه، لو أسرع الخطى لوقع في الخطأ والمحظور ولا بد له من السير على مهل، ولو أراد الإسراع حتى يصل إلى هدفه ويحقق مراده قبل فوات الأوان؛ فعليه بتشغيل الماسح حتى تتضح له الرؤية وتجريد ما علق بزجاج السيارة من أتربة حتى يرى الأشياء على حقيقتها والأمور على طبيعتها.
6- ضعف الجانب التربوي:
لم يأخذ حظه من التربية، ففقده الجميع عند الشدائد، وكما قال أحد أستاذتنا: (مثل التربية على التضحية بالنفس والمال مع الفرد كمثل الطوب الأحمر لا يصلح للبناء إلا بعد الحرق بالنار)، وهذا المسكين في نظري لما أكل منه تثاؤب الراحة وشربت منه الدعة والسكون، وجاءت الشدائد بعد ذلك وضع يده على فيه ليرد التثاؤب الذي حل به، ومد يده الأخرى ليفتح جفن عينيه فلم يكد ينتهي المسكين من حركة يديه إلى عينيه وفمه حتى مرت الأزمة وانتهت الشدة دون أن يشعر بها، أما من تربى تربية الطوب وسط المصنع هو الذي تأهَّب واستعد وتجهز، فلم يعبأ بزينة الدنيا، ولم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها، يقول الشيخ الغزالي رحمه عن تربية الشُّعب للصحابة الكرام رضي الله عنهم: (وقد أفاد الصحابة من ذلك عفةً ونقاءً وإخلاصًا، لا يعرف لها في التأريخ نظير، فلما تعثرت تيجان الملوك بأقدامهم، واستسلمت الأقطار المكتظة بالخير لجيوشهم كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم، كما كانت مشغولة بها وهي محاصرة في الشعب، فلم يكترثوا بذهب أو فضة إنما عناهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (فقه السيرة).
عن أبي عبيدة العبدري رضي الله عنه قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الغنائم، أقبل رجل بحق معه فدفعه على صاحب الأقباض (بيت المال)، فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا له: هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم فتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني؛ ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس رضي الله عنه (صفة الصفوة). إن هذا الفعل من عامر لم يأت من فراغ ولكنه نتاج تربية، وهذا الأخ الكريم لو أخذ حظه من التربية على التضحية بالمال والوقت والنفس... لما تأخر أو تقاعس عن دفع حق الدعوة في دخله الشهري ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)﴾ (محمد).
7- ضعف الجانب الإيماني:
تنافر بين الإيمان والشح وسوء الخلق؛ لأن الشح والبخل وسوء الخلق من علامات ضعف الإيمان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا" (رواه النسائي).
وروى الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ".
فالبخل والشح دليل على ضعف الإيمان، ولو أدمن الإنسان وأكثر من الإيمانيات لجاد بما عنده ولما بخل على دعوة الله؛ لأنه من المعروف والمسلم به أن القلب تدور على ساحاته معارك طاحنة بين الخير والشر، أيهما فاز ملك الساحة وسيطر على عرش القلب.
8- سوء في الاختيار:
النفعي لا مكان له عندنا؛ لأن سهم المؤلفة بين الإخوان بعد أن انتشر الإسلام وثاب الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا وضعه عمر رضي الله عنه، والبخيل بوقته وماله ونفسه... لا مكان له عندنا، أيضًا يقول الإمام البنا رحمه عن أصناف الناس أمام دعوتنا: "وإما شخص لا يريد أن يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة وما يجره هذا البذل له من مغنم، فنقول له حنانيك ليس عندنا من جزاء إلا ثواب الله إن أخلصت والجنة إن علم فيك خيرًا، أما نحن فمغمورون جاهًا فقراء مالاً، شأننا التضحية بما معنا وبذل ما في أيدينا، ورجاؤنا رضوان الله وهو نعم المولى ونعم النصير، فإن كشف الله الغشاوة عن قلبه وأزاح كابوس الطمع عن فؤاده فسيعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وسينضم إلى كتيبة الله ليجود بما معه من عرض هذه الحياة الدنيا لينال ثواب الله في العقبى و﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل: من الآية 96)، وإن كانت الأخرى فالله غني عمن لا يرى حقًّا لله، الحق الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته وموته وحياته، وكذلك شأن قوم من أشباهه أبوا مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يجعل لهم الأمر من بعده، فلما كان جوابه صلى الله عليه وسلم إلا أن أعلمهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" (الرسائل).
وهذا الأخ الكريم الذي بخل بماله على دعوة الله، فمرة يهرب ومرة يكسل أو يفتر، يجمع الشهرين والثلاثة ويأكل شهرين أو ثلاثة، أخطأ من اختاره ولم يحسن اختياره جيدًا ولم يفهمه قبل دخوله وبيعته أن من بايع على هذه الدعوة هو شخص صدق بقولنا وأعجب بمبادئنا، ورأى فيها خيرًا اطمأنت نفسه وسكن له فؤاده، فهذا ندعوه كما قال الإمام البنا رحمه الله إلى دعوتنا "أن يبادر بالانضمام إلينا والعمل معنا حتى يكثر به عدد المجاهدين ويعلو بصوته صوت الداعين، ولا معنى لإيمان لا يتبعه عمل ولا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها والتضحية في سبيلها" (الرسائل).
9- الغفلة عن خطورة البخل:
فهو داء ومرض عضال، نسأل الله العفو منه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو "أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" (رواه البخاري).
وروى مسلم بإسناده عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ" قَالَ: "وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ الضَّعِيفُ الَّذِي لا زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لا يَبْتَغُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلا خَانَهُ وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِي إِلا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوْ الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ" (رواه مسلم).
وروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ" فَسَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلا تَتَّسِعُ".
10- النظرة الضيقة والمحدودة لتنوع الصدقة:
لو نظر كل أخ بعين العقل والبصيرة إلى ميادين الدعوة الواسعة التي هي في حاجة إلى كل قرش لبادر وسارع إلى إخراج حقها في دخله؛ لأن ميدان التنوع ومحرابه هنا كبير وواسع، فالجنيهات التي يدفعها الأخ الكريم من دخله الشهري للدعوة توزع على مصارف عدة، فهي تصل إلى اليتيم والأرملة وأسرة المسجون والمريض والعائل الذي لا دخل له لتمسح دمعة وتخفف أنة وترسم بسمة وتدخل السعادة، وفوق ذلك تنشر دعوة وترفع راية وتحقق شمولية وتضع بذرة التمكين وتقاوم المنكر والظلم والفساد وتجاهد بها مع إخوانك المستضعفين في فلسطين والعراق..... إلخ، فثواب الإنفاق هنا كبير ومردوده وفير.
11- عدم توفر نية الجهاد:
غياب نية الجهاد مع دفع حق الدعوة يجعل العبد يتباطأ ويفتر، يؤخر حقها مرة وينقطع أخرى، ولو توفرت لديه نية الجهاد لبادر بمجرد أن سمع المنادي ينادي ولما انتظر من يدفعه من مؤخرته ويسوقه إلى الميدان سوق العبيد لإنفاذ المهام.
ولذلك أهل النشاط والجد والتشمير رسموا في قلوبهم وعلى جباههم مع تقاضيهم حق الدعوة (حي على الجهاد) فلا يصل أحدهم إلى بيته براتبه إلا وقد أخرج حقها منه بالقرش الواحد.
إن إخراج حق الدعوة في الدخل الشهري يجدد النية للجهاد باستمرار؛ فتظل النفس مع كل قرش ينفق في الدعوة تهتف من أعماقها بحب الجهاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ" (رواه مسلم).
12- غياب معنى التضحية والجهاد وضيق الفهم بينهما:
يقول الأستاذ سعيد حوى رحمه الله تعالى: هناك فارق إلى حد ما بين الجهاد والتضحية، فأحيانًا يتطابقان وأحيانًا يتكاملان؛ ولذلك اعتبرهما الأستاذ "الإمام البنا" ركنين، فقد يجاهد المجاهد حتى إذا جاء دور بذل الروح تردد، وقد يجاهد المجاهد بالوقت ويضحي بالمال ولكنه لا يضحي بالحياة، ومن ثم أدخل الأستاذ البنا التضحية بالنفس والمال والوقت والحياة، وكل شيء في هذا الركن إنه حيث وُجد جهاد وُجد نوع من التضحية، غير أن الجهاد الكامل لا يكون إلا إذا وجدت تضحية كاملة، وإن ميزان هذا الركن هو أن يبذل الإنسان نفسه وماله ووقته وحياته من أجل تحقيق الأهداف في سبيل الله (موسوعة الإخوان المسلمين).
يقول الإمام البنا: وأريد بالتضحية: بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 111)، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 120)، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: من الآية 16). وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) (الرسائل).
لو عاش الدعاة معاني هذه الكلمات لما تقاعسوا عن جهاد ولا تضحية بأنفسهم ولا بأموالهم، وكما قال ابن القيم رحمه الله: (الكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما، فسماع لفظه حظ الأذن وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب) (المدارج).
فهيا هيا أيها الأحباب لا تبخلوا على دعوتكم، فهي في حاجة إلى كل قرش من أموالكم، فأموالكم طاهرة حلال، ودعوتكم دعوة ربانية.
أسأل اللهَ أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يحرر قلوبنا من الحرص، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه آمين.. آمين.. والحمد لله رب العالمين.
-------------------