﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)﴾ (القصص: 26).
هذا ما قالته المرأة الصالحة بنت الرجل الصالح في حق نبي الله موسى، حينما سقى لهما عند بئر ماء مدين ثم تولى إلى الظل، فقال رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير, وهنا نجد سلوكًا للنبي الصالح يمكن تحليله كالتالي:
1- أنه رأى مشهدًا أثار انتباهه وأثار في ذهنه علامة استفهام: لماذا تدفع المرأتان غنمهما بعيدًا عن البئر برغم وضوح حاجة الغنم إلى الشرب؟ دليل على الفهم والملاحظة.
2- أن هذا السؤال دفعه إلى استيضاح الأمر، ومنهما مباشرةً ولم يقل: (وأنا مالي) أو: (يا عم سيب الملك للمالك)، أو: (لا تسأل حتى لا يقال إنك تتحرَّش بهما)، وهذا دليل على صفه المبادرة في شخصيته.
3- أن سيدنا موسى بادر وفورًا بتقديم قدراته التي يحتاجها الآخرون دون طلب منهم, وهي إيجابية عالية، وتنمُّ عن وجود صفة حب فعل الخير والمسارعة إليه، حتى ولو لم يطلب الآخرون.
4- أن تقديمه لجهده تمَّ بشكل تطوُّعي بدون طلب المقابل قبل التنفيذ أو بعده، برغم احتياجه لهذا المقابل وحتى دون طرح الموضوع للمناقشة فقدم جهده تطوعًا.
5- أنه وبعد أن قام بأداء المهمة التي وضعها قدر الله في طريقه لجأ إلى الله مقدِّر الأقدار وموزِّع القدرات على البشر، سواءٌ كانت قدراتٍ ماديةً أو قدراتٍ ذهنيةً سلوكيةً، فقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
6- أن الله تبارك وتعالى أرسل إليه إحدى المرأتين تمشي على استحياء فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾؛ أي إن المجتمع الذي حصل على خدمة ما أراد أن يردَّ الجميل لمن أسدى إليه هذه الخدمة.
7- أن الرجل الصالح (المدير) أعاد ترتيب الطاقات المتاحة وتوظيفها بأن جعل ابنته زوجة (دوَّر) والقوى الأمين هو الراعي (دوَّر)، وبذلك تكاملت الأدوار في العملية الإنتاجية بعقد صحيح بين كل الأطراف رضاءً.
8- أن الشرطين معًا (القوة والأمانة) لازمان (في حالة التشغيل والاستخدام الإداري)، وهو ما يجب أن يكونا صفتين ملازمتين للمؤمن، وقد نجدهما في غير المؤمن مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باستخدام عامر بن فهيرة المشرك دليلاً على الطريق في رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة.
نحن أمام قانون إلهي مهم، واضح وجلي، ومن مصلحة الجميع- مُستخدِمين ومُستخدَمين- العمل به وهو: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾.
فعلى كل مهني البحث الدائم عن أسباب القوة في مهنته وتحصيلها علمًا ومعرفةً، هذا فضلاً عن التمسك بأهداب السلوك الأمين.
