مما هو جديرٌ بالتأمل ما ورد في صحيح البخاري في "كتاب بدء الوحي" في حديث عائشة- رضي الله عنها- الطويل الذي قصَّت فيه نزول الوحي أول مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء, وكيف عاد بعده إلى زوجه خديجة أم المؤمنين- رضي الله عنها- تقول عائشة: "فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع, فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.

 

فقالت خديجة: كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق".

 

بمثل هذا الوعي والفهم والتمكُّن جزمت خديجة دون كثير مناقشة واستنباط أن محمدًا الداعية لا يخزيه الله أبدًا, لماذا؟ لأن له رصيدًا هائلاً من عمل البر والخير يستأهل به توفيق الله وتأييده ونصره, فاطمأن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

بين عناية الله وإقبال الخلق

عندما يتحول الخطاب الدعوي إلى كلمات رنانة, وخطب جوفاء, دون واقعٍ عملي يدل على صدق حامليها، فإنها كلمات لا يقبلها الله بل يمقت عليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف) هذا في السماء, أما في الأرض وبين الخلق فإنها تفقد قيمتها؛ لأنها فقدت رصيدها المصدق لها, المثبت لصدقها, ولكي تُقبل كلمات الدعاة في السماء, وتتفتح لها القلوب في الأرض لا بد أن يُقدِّم الدعاة رصيدًا عمليًّا كما قدَّم محمد صلى الله عليه وسلم هذا الرصيد الهائل الذي صحبه وقت الخوف والفزع.

 

سنة الله في الجزاء

لقد جرت سنة الله تعالى في كونه أن يجازي البشر من جنس أعمالهم, وهنا رأينا الجزاء الرباني لرسوله صلى الله عليه وسلم: "والله لا يخزيك الله أبدًا"، وفي رواية: "لا يحزنك الله أبدًا"، فأعماله صلى الله عليه وسلم ترفع الحزن عن المحزونين، والخزي عن الخزايا, فكان الجزاء "لا يخزيك" "ولا يحزنك"- لقد وصفت خديجة رسول الله بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على مَن يستقل بأمره أو مَن لا يستقل؛ وذلك كله مجموع فيما وصفته به.

 

عمل البر صدقٌ في الإيمان وصدقٌ في الدعوة

إن خدمة الدعاة لمجتمعهم وتحريك أهل الخير نحو بر الآخرين لهو أمارة صدق في الإيمان: "والصدقة برهان" برهان على صدق ما في القلب, وصدق في الدعوة التي تحمل هموم الناس وتعمل لصالحهم حينئذٍ يقبلونها ويقبلون عليها, ألا فليتحرك الدعاة لتحقيق رصيد عملي بين الناس قريبهم والبعيد, فليقدم أهل الإسلام خدمة المجتمع قبل أن يفقد الناس الثقة بالدعاة، وليؤمنوا بأن "الإسلام هو الحل"، لقد نجحت دعوتنا المباركة من خلال أقسامها المختلفة، وخاصةً قسم البر والخدمات أن تحقق هذا المنهاج النبوي في خدمة المجتمع, ونحتاج إلى مزيدٍ من هذا الرصيد الذي يحقق للدعوة روحها العملية, وقبولها الاجتماعي, ونستجلب بذلك عون الله وتأييده, ونقول "والله لا يخزينا الله أبدًا".

 

توارث الرصيد وتوريثه

من أعجب ما لفت نظري ذلك التأثير الهائل الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه, فحملوا هذا الرصيد العملي وكأنهم نسخة من المربي الأول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه, ورد عن عائشة فيما صحَّ عنها فيه قولها: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه النبي طرفي النهار بكرةً وعشيًا، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قِبل الحبشة حتى بلغ برك الغمام، ولقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة.

 

قال أين تريد؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع اعبد ربك ببلادك فرجع ابن الدغنة مع أبي بكر فطاف في أشراف قريش، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمَّنوا أبا بكر".

 

إن قول ابن الدغنة للصديق هو نفس ما قالته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم, إنه توريث الرصيد العملي لأجيال الدعاة لا يقتصر على جيلٍ دون جيل, وهذا الرصيد الاجتماعي الخيري مؤهل كبير للدعاة بأن يثبتوا أركان دعوتهم بين الناس ويثبتوا أقدامهم ووجودهم بين جماهيرهم, فلا يَخرجون ولا يُخرجون.