إن توفير البروتين الحيواني الصحي والكافي للحفاظ على صحة الإنسان من أمراض سوء التغذية، وتوفير الإمكانية للجسم البشري للدفاع عن نفسه ضد الأمراض الوبائية، وقيامه بأداء وظائفه الحيوية بفاعلية وكفاءة, هدفٌ تسعى إليه الأمم التي تقدر قيمة الإنسان وتحافظ عليها, فتحقق بذلك نموًا في قدرة العطاء البشري وزيادة في متوسط الإنتاج القومي, وتخفض فاتورة الرعاية الصحية لمواطنيها، والتي قد تُثقل كاهلها فتتبؤا بذلك مكانتها الراقية بين الأمم والشعوب.
في حالتنا المصرية قد يصاب المرء بحالة من العجب عندما يعلم أن متوسط استهلاك الفرد من البروتين الحيواني شاملاً اللحوم والألبان والدواجن والبيض والأسماك يعادل 19 جرامًا في اليوم، في حين أن المتوسط العالمي 45: 50 جرامًا للفرد في اليوم، وفي أمريكا يصل إلى 75 جرامًا للفرد في اليوم, وعلى الرغم من ذلك فإن لدينا أزمة لحوم, فكيف الحال لو أننا أردنا الوصول إلى المتوسط العالمي, فهل هذا أمر ممكن أو أنها أحلام تراودنا؟!
بدايةً لا بد أن ننطلق من الواقع الذي نعيشه, وهو أن هناك أزمةً في اللحوم أدت إلى ارتفاع أسعارها, وذلك نظرًا لقلة المعروض من اللحوم مقارنة بالطلب عليها, وعليه فيمكننا أن نتحرك من خلال حلول ثلاثة, واحد على المدى القريب، وثان على المدى المتوسط، وثالث على المدى البعيد.
فالحل الذي على المدى القريب يتمثل في تخفيف الوطئة في استهلاك اللحوم المحلية, وذلك من خلال محورين:
الأول: عن طريق توفير اللحوم المستوردة ذات المواصفات الصحية القياسية, بحيث لا تكون حيوانات حية تنقل الأمراض إلى الحيوانات المحلية, بل ينبغي أن تكون مذبوحةً ومشفَّاةً ومجمدةً في بلد المنشأ، وذات جودة عالية وخالية من المشكلات المَرَضيَّة والآثار السلبية على صحة المواطنين, وإلا يتم من خلالها إغراق السوق بما يؤثر في قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
الثاني: فيتحقق من خلال مقاطعة اللحوم البلدية لفترة زمنية مناسبة يتم معها تهذيب جشع التجار والجزارين, وتوفير كمية مناسبة من اللحوم تتناسب مع كمية الطلب, بما لا يضر بمصلحة المربين، حتى لا يعزفوا عن تربية الحيوانات المنتجة اللحوم.
أما الحل على المدى المتوسط, فيتمثل في دعم وتنمية الإنتاج المحلي لبدائل اللحوم الحمراء من لحوم الدواجن والبيض والأسماك والتي تتميز بدورتها الإنتاجية القصيرة, وعليه فإن الدولة مطالبةٌ بمراجعة القرارات التي اتخذتها بصدد معالجة مشكلة إنفلونزا الطيور، والتي أثَّرت سلبًا على إنتاج الدواجن وخفَّضت منه, بغلق مزارع الدواجن، وعدم السماح بتداول الطيور الحية في حين أنها لم توفر مجازر ولا ثلاجات ولا سيارات نقل مجهزة لمعاوضة هذا الأمر والتعامل معه بما يناسبه, ثم إنها لم تتدرج في مسألة غلق المزارع الغير مرخصة، ولم تساعد أصحابها في ذلك.
كما ينبغي أن تتدخل في السيطرة على أسعار الكتكوت والأعلاف حتى يمكن أن تُخفِّض من إجمالي تكلفة المنتج؛ فيؤدي بالتبعية إلى انخفاض السعر للمستهلك, أما فيما يتعلق بمزارع الأسماك فلا بد أن تراجع الدولة قرارها بشأن تربية الأسماك على مياه الصرف الزراعي وليس على مياه الري، والذي يؤثر بالسلب على جودة الأسماك وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي، كما ينبغي أن تساعد وتدعم المربين في كيفية النمو والنهوض بهذه الصناعة الواعدة إذا ما أحسن الاستفادة منها.
ولكن الحل على المدى البعيد يتمثل في تنمية وزيادة الإنتاج المحلي من اللحوم الحمراء والألبان وذلك من خلال عدة محاور:
المحور الأول منها يكون بتقليل الفاقد في إعداد الحيوانات والذي يتمثل في نقاط ثلاثة:
أولها: استصدار تشريعات تنص على عدم ذبح عجول الجاموس (البتلو) حتى يصل وزنها إلى 500 كيلو جرام, فلو تخيلنا 320 ألف رأس من البتلو تُذبح سنويًّا, يبلغ وزن الحيوان منها عند الذبح 50 كيلو جرامًا, سيتم تسمينها حتى يصل وزنها 500 كيلو جرام, فإن الفارق سوف يكون 150 ألف طن من اللحم الحي, معوضًا نسبة النقص في اللحوم بدرجة تصل إلى قرابة 75 ألف طن, وذلك إذا وضعنا في الاعتبار أن أجمالي استهلاك اللحوم حوالي 850 ألفًا إلى مليون طن سنويًّا يتم استيراد 400 ألف طن منها, وحتى لا يكون التشريع سيفًا مصلتًا دون توفير أسباب تحقيقه فلا بد أن يكون مشفوعًا بدعم الحكومة وتشجيها للمربين في ما يسمى بالمشروع القومي للبتلو, وذلك بتوفير الدعم المادي دون فائدة أو تطبيق نظام المرابحة أو المشاركة مع المربين, مع توفير الأعلاف بسعر مناسب، وتقديم الرعاية االطبية المناسبة للحيوانات أثناء عملية التربية.
وثانيها: تفعيل التشريعات وتغليظها والخاصة بعدم ذبح الإناث, فلو اعتبرنا حسب التصريحات الرسمية أن 40% من الحيوانات يتم ذبحها خارج المجازر، وأن معظم هذه الحيوانات من الإناث أي ما يعادل 80% منها, وذلك نظرًا لمخالفة ذبح الإناث للقانون, فإن عدد الإناث التي يتم ذبحها سنويًّا يبلغ حوالي 500 ألف أنثى, يتم خصمها من إجمالي أعداد الماشية القادرة على التناسل؛ ما يؤثر سلبًا في الطاقة التناسلية الإجمالية للماشية المحلية, فلو تُركت هذه الإناث لإنتاج عجول صغيرة, فإنه حسب الكفاءة التناسلية لحيواناتنا المحلية فقد يكون لدينا حوالي 300 ألف رأس جديدة سنويًّا, يضاف منها تقريبًا 150 ألف رأس من الذكور إلى إجمالي حيوانات التسمين بما يعادل 40 ألف طن أخرى من اللحوم, وعليه فإن أعداد الإناث سوف يتزايد سنويًّا بما يصبُّ في القدرة اللتناسلية الإنتاجية لإجمالي أعداد حيوانات التسمين, ليصبح 80 ألف طن في العام الثاني ثم 160 ألف طن في العام الثالث وهكذا دواليك, ولكن ذلك أيضًا يحتاج إلى دعم الدولة للمربين في هذا الأمر, فإن دولاً كبيرةَ بحجم الولايات المتحدة وفرنسا تقوم بدعم المربين في مجال الإنتاج الحيواني المحلي لديها, ولسنا أقل منهم في هذا الشأن.
وثالثها: السيطرة على الأمراض الوبائية، وبخاصة الوافدة منها, فإنه حسب تصريحات السيد وزير الزراعة فإن الأمراض الوبائية عصفت 30 % من الثروة الحيوانية، ولذلك لا بد من استصدار تشريعات صارمة بشأن عدم استيراد اللحوم الحية، وقصر الأمر على اللحوم المشفاة والمجمدة, ثم إنه ينبغي على الدولة دعم تحصين الماشية المحلية؛ للسيطرة على الأمراض المتوطنة، وذلك بتوفير الدعم المادي المناسب لإنتاج اللقاحات لا تقليصه كما هو حادث الآن, كما ينبغي التحرك بتعيين الأطباء البيطريين لدى الهئية العامة للخدمات البيطرية؛ حتى يمكنهم القيام بتحصين الحيوانات ضد الأمراض على الوجه الأكمل والمطلوب.
أما المحور الثاني فيتمثل في النمو الرأسي لإنتاج اللحوم والألبان بانتخاب سلالات عالية الإنتاج للحوم وأخرى للألبان، فعلى سبيل المثال فإن دولةً مثل الولايات المتحدة استطاعت انتخاب عجول يصل فيها وزن الحيوان إلى قرابة الطن والطن ونصف الطن من اللحوم وأبقار عالية الإدرار للبن تنتج 100 كيلو جرام من اللبن في اليوم، في حين أن أقصى وزن للعجول المحلية فقد يصل إلى 650 كيلو أما الأبقار فيصل إنتاج الأبقار المحلية إلى 7: 10 كيلو من اللبن يوميًّا, ومن ثم ينبغي أن يكون تحسين إنتاجية السلالات المحلية من الأمور الأولى بالاهتمام على مائدة البحث العلمي، وأن تنتقل من حيز النظرية إلى حيز التطبيق العملي في أرض الواقع.
أما المحور الثالث فتظهر ملامحه في النمو الأفقي لإنتاج اللحوم والألبان بزيادة الوحدات الإنتاجية أي أعداد الحيوانات، وبخاصة في مناطق استصلاح الأراضي الجديدة؛ حيث يتم استزراع البرسيم الحجازي والمواد العلفية الأخرى, وأن تكون مشاريع الإنتاج الزراعي مقرونة بالإنتاج الحيواني في هذه البقاع الجديدة. فلو أن هناك نموًا في الأعداد بمعدل 20% سنويًّا على مستوى القطر فيمكننا بذلك زيادة وحدات الإنتاج إلى الضعف خلال فترة خطة خمسية، وذلك باستخدام التقنيات الحديثة مثل نقل الأجنة والتلقيح الاصطناعي وجلب السلالات العالية الإنتاج وتهيئتها للتكيف مع البيئة المحلية.
أما المحور الرابع فيتحدد من خلال دعم المربين ماديًّا وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة لهم وذلك بالتحرُّك على مستويين: الأول منها يكون بإنتاج الأعلاف البديلة، والتي يتم فيها الاستفادة من مخلفات مصانع الإنتاج الغذائي، والاستفادة من المخلفات الزراعية مثل قش الأرز وخلافه, أما المستوى الثاني فيتمثل في ضرورة التكامل مع دولة السودان الشقيق في مجال الإنتاج الزراعي والحيواني، وبحث إمكانية استزراع كمية من الأراض هناك بالمحاصيل العلفية في مشروعات شراكة يتم من خلالها استيراد الأعلاف من هناك والتي ستكون في غالب الأحيان أرخص من تلك التي يتم استيرادها من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أمريكا اللاتينية وغيرها, بما يؤثر بالإيجاب على القدرة التنافسية للمنتج المحلي للحوم مع قرينه المستورد وتوفيره بسعر مناسب للمستهلك.
أما المحور الخامس فتظهر ملامحه في إرشاد وتدريب وتوجيه المربين في حسن تنمية الثروة الحيوانية، وهنا يأتي الدور البارز للإعلام في هذا الصدد؛ حيث إن إعلامنا يتجه في غالبه نحو الثقافة الاستهلاكية، ولكن وجب عليه أن يعيد ترتيب حساباته وبخاصة الإعلام الحكومي للاتجاه نحو دعم الثقافة الإنتاجية للمجتمع، وتقديم تجارب إنتاجية جديدة للمجتمع تصبح قدوة وأسوة له, وتعرفه بكيفية التعاطي مع منظومة الإنتاج الحيواني بأسلوب علمي ومتطور بما يعود بالإيجاب على المنتج والمستهلك والقدرة الاقتصادية للأمة.
أما المحور السادس فيتمثل في توفير الرعاية الطبية للحيوانات، وبخاصة فيما يتعلق بالأمراض الوبائية والمشكلات التناسلية, وهنا لا بد من أن نلفت النظر إلى ضرورة استصدار تشريع ينص على ضرورة الإشراف البيطري على التجمعات الحيوانية؛ حتي يمكن التنبؤ المبكر بالأمراض الوبائية ومحاصرتها والقضاء عليها, أضف إلى ذلك علاج المشكلات التناسلية التي لا ينتبه إليها المربون بما يعود بالسلب على القدرة التناسلية للحيوان، وإهدار الأموال في التربية دون عائد جيد يعود على المربين.
-----------
* أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف.