أدلى الحاج فرج النجار بشهادته على العصر في قناة (الجزيرة)، فقصَّ من إنجازات الدعوة خلال أحداث الثورة ما ملأ به 17 حلقة، ولأهمية ما أثاره من وقائع مهمة سلطت الضوء على المغامرين الذين نهبوا مصر بعد أن خطفوا الثورة، والذين سمُّوا أنفسهم مجلس قيادة الثورة، وسماهم النظام المصري بعد ذلك مراكز القوى، فعانى الشعب على أيديهم من الفساد والاستبداد ما كان يخجل منه الملك ويتعجَّب منه أعوانه.
ومضى الرجل إلى لقاء ربه بعد حياةٍ حافلةٍ بالجهاد والعمل لدين الله والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فما بدَّل ولا غيَّر، ولا نكث في بيعته التي استمرت 70 عامًا؛ هي الأعوام التي مرَّت ما بين أن مدَّ يده في يد الإمام البنا مبايعًا، إلى أن مدَّ قدمه في قبره.
لقد كان رحمه الله طرازًا فريدًا من الرجال نحسبه ممن قال الله فيهم: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، وحملناه على أعناقنا في رمضان الماضي إلى مثواه الأخير، ولئن خلا منه بيته فإنَّ مكانه في قلوب الإخوان جميعًا لم يخلُ، بل ازدادوا حبًّا وتقديرًا وعرفانًا واعترافًا بالفضل لأهله، وكان آخر عهدي به زيارتي له قبل اعتقالي العام الماضي بثلاثة أيام، ورغم معاناته الشديدة في مرضه فقد حمَّلني سلامًا لجميع من يحبهم ويحبونه على طريق الدعوة.
وكما حُرمت العام الماضي من تشييع جثمان أخينا المهندس أسامة عطية فقد حُرمت هذا العام من تشييع أستاذنا محمد عمارة ومن قبلهم د. أنور شحاتة، وأثناء الزيارة يوم الأربعاء 21/4 وصلني خبر وفاة أستاذنا الحاج أبو الفتوح عفيفي، رحم الله الجميع، وتقبَّلهم في عداد المجاهدين، وبلَّغهم منازل الشهداء.
ولم تخلُ مواقعهم في حمل أمانة الدعوة وأعباء العمل لنشر دعوة الإسلام الوسطية بيضاءَ نقيةً، بل تقدم لحملها خيرُ خلف لخير سلف، وهكذا تتقدَّم قوافل الدعاة لحمل راية الإسلام جيلاً من بعد جيل، ولئن رحل جيل الأجداد وتقدَّم جيل الآباء فقد ظهر جيل الأبناء، وهو جيلٌ فتيٌّ واعدٌ يحمل حماسة الشباب، مستفيدًا من خبرة الشيوخ.
وقد استقبلنا في المعتقل 6 من طلاب كليات جامعة المنوفية، اعتقلتهم أجهزة الأمن بعد أن أخلت سبيلهم النيابة وهم: معاذ صباح، وأنس الشافعي، وبلال سعد، وأحمد نعيم، وسعيد سالم، ومحمد صالح؛ أحسب أن جميعهم صالحون، وكما يفصلني عن الحاج فرج أكثر من 30 عامًا فإنه يفصلني عنهم أكثر من ثلاثين عامًا، وأغلبهم دون العشرين، وزملاء لأولادي بالجامعة.
وبعد يومين استقبلنا 4 طلاب من هندسة منوف، وكنت أظن بعاطفة الوالد أنهم متحاجون إلى من يرعاهم ويحوطهم حتى يتأقلموا على المعتقل ويتصبَّروا على هذا البلاء، لكن فاجأتني روحهم المعنوية العالية واستعدادهم العجيب في هذه السنِّ المبكرة، وكأنهم قد هيئوا أنفسهم لهذا واستصغروه؛ نصرةً لدينهم، وتمكينًا لدعوتهم، فكان يحلو للحاج فرج النجار أن يصفهم بعبارته: "إنهم جيلٌ جديدٌ يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا ويعمل به.. ورايةٌ عقد لواءها الحق لن تنكَّس أعلامها، وأمةٌ أخرجها الله للناس ستظلُّ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ لتكون كلمة الله هي العليا".
ولسنا جميعًا بأجيالنا المتتابعة بأعزَّ على الله من رسوله، سيد ولد آدم، وقد حُبِسَ في شِعب أبي طالب هو وأصحابه ثلاث سنين؛ حتى أكلوا ورق الشجر.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)﴾ (التوبة)، و"لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم أو خذلهم".
ستظل راية الإسلام عاليةً خفاقةً، تتبارى على حملها الأجيال، جيلاً من بعد جيل، في صفٍّ تنصره الملائكة، ولاحقنا يسبق السابق.
وكفانا فخرًا أن اختارنا الله جنودًا لدعوته، ودعاةً إلى دينه، ندلُّ الخلق على الخالق، والعاقبة للمتقين.
والله أكبر ولله الحمد..
---------
* سجن وادي النطرون.