- فتح الباب: المعتصمون على الرصيف لم يرفعوا لافتة سياسية

- هشام أبو زيد: النظام عمل على إلهائهم في مشاكلهم الاجتماعية

- فاطمة رمضان: للعامل المصري دور تاريخي في تحقيق الديمقراطية

- إبراهيم حسن: تعديل قانون التأمينات والنقابات العمالية هو الحل

 

تحقيق- مي جابر:

عمال مصر كانوا أصحاب الرصيد الكبير في تاريخ الحياة السياسية؛ حيث شاركوا في ثورة 1919م، وكان لهم دور بارز في تحقيق المطالب المصرية آنذاك؛ حيث قام عمال الترام بإضراب نتج عنه شلل حركة الترام شللاً كاملاً، تلا ذلك إضراب عمال السكك الحديدية، والذي جاء عقب قيام السلطات البريطانية بإلحاق بعض الجنود للتدريب بورش العنابر في بولاق للحلول محل العمال المصريين في حالة إضرابهم؛ ما عجَّل بقرار العمال بالمشاركة في الأحداث.

 

وابتكر العمال عملية قطع خطوط السكك الحديدية، وقاموا بإتلاف محولات القطارات، والتي أصبحت أهم أسلحة الثورة، فصدر قرار من الاحتلال البريطاني بإعدام كل مَن يحاول قطع هذه الخطوط.

 

وتشهد الحركة العمالية المصرية منذ عام 2005م حتى الآن حركات احتجاجية متصاعدة، فبداية من إضراب عمال المحلة، والذي قابله النظام المصري بكل وسائل القمع والبطش، لم تخمد حركة الإضرابات والاعتصامات العمالية، فلا يمر يوم إلا ونشاهد وقفات احتجاجية للعمال على رصيف مجلس الشعب، مطالبين بحقوقهم في توفير أجر عادل يوفر لهم حياةً كريمةً، ومنددين بسياسة الخصخصة التي تركتهم ضحية لابتزاز المستثمر.

 

ويثار العديد من التساؤلات حول: ما دور عمال مصر في تشكيلة الخريطة السياسية في الوقت الحالي؟ وما تأثير حركاتهم الاحتجاجية على الحياة السياسية؟ وكيف يمكن تفعيل الحركة العمالية في الواقع السياسي الراهن؟

 

(إخوان أون لاين) حاول الإجابة على هذه التساؤلات في السطور التالية:

في البداية يرى هشام أبو زيد العكل أحد القيادات العمالية أن العمال في الفترة السابقة مهمشون في كافة المجالات ومنها السياسية، وأرجع السبب في هذا التهميش إلى إلهاء العمال بمشاكلهم الخاصة، وتدهور ظروف المعيشة من غلاء الأسعار، وتدني المرتبات، والفصل التعسفي، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها الحركة العمالية لا تعبِّر عن مشاركتهم في الحياة السياسية؛ حيث تعبِّر هذه الاحتجاجات عن مطالب فئوية خاصة، وإذا تمت الاستجابة لها سيعود العامل إلى عمله غير مهتم بما يحدث في السياسة.

 

وأضاف قائلاً: يجب توحيد العمال تحت قيادة واحدة، وبدأ هذا يحدث تدريجيًّا بالفعل؛ للمطالبة بحقوقهم التي هي في الأساس واحدة؛ حيث إن جميع المطالب تقتصر على رفع مستوى الأجور، وتحسين المعيشة الاجتماعية.

 

 الصورة غير متاحة

مطالب العمال تقتصر على ضمان توفير لقمة العيش

وأرجع أبو زيد عدم اتحاد العمال على قضية واحدة واكتفائهم بالمطالب الفئوية لكل قطاع أو شركة إلى الثقافة التي غرسها النظام في العمال بل وفي كل فئات المجتمع الأخرى؛ حيث عمل النظام الحاكم على قصر اهتمام العامل بالحصول على لقمة عيشه فقط دون الاهتمام بمطالب باقي زملائه في الأماكن الأخرى.

 

ويرى أبو زيد أن النقابات العمالية من المفترض أن تقوم بدور الوحدة الذي سبقت الإشارة إليه، إلا أن سيطرة النظام الحاكم عليها جعلها بعيدةً عن تحقيق هذا الطلب، سواء من خلال التحكم في عمليات الترشيح أو بالإغراءات تارةً والتهديد تارةً أخرى؛ ما أعطى الفرصة للمسيطرين على النقابات أن يقصوا المغضوب عليهم الذين يشاركون في احتجاجات العمال.

 

ويضيف أبو زيد أنه طالب بإنشاء حزب الغلابة، والذي سيقتصر على العمال فقط، واشترط للانضمام لهذا الحزب أن يكون العضو من أصحاب الدخول الضعيفة، فلن يُسمح لأصحاب رءوس الأموال بدخول هذا الحزب؛ حتى يضمن مشاركة العمال بالشكل المطلوب في العمل السياسي، مؤكدًا أنه يجب تفعيل نسبة الـ50% عمال وفلاحين من مجلس الشعب وعدم التلاعب بها، بحيث تكون معبرةً بشكلٍ حقيقي عنهم، فيخرج المرشحون من المناطق العمالية مثل المحلة وحلوان وزفتى وكفر الدوار وغيرهم، ومن داخل المصانع وليس خارجها، فهذه النسبة الآن غير ممثلة للعمال بشكلٍ حقيقي.

 

ويستنكر ادَّعاءات النظام الذي يفتخر بأن كثرة الاعتصامات والاحتجاجات دليل على الديمقراطية، مدللاً على عكس ذلك بأنه لا توجد استجابة من الحكومة لمطالب العمال، بل يتركونهم في العراء 25 يومًا دون أي تحرك، في المقابل يجد العمال المساندة من القوى الحية التي تشاركهم همومهم، وخاصةً نواب الإخوان المسلمين، وليس من نواب الوطني الذين يطالبون بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

 

ويطالب أبو زيد بالعمل على توفير دورات تثقيفية للعمال لتغيير قناعاتهم حول التفاعل مع قضاياهم بشكلٍ عام، وبناء كوادر عمالية، كبديلٍ للدورات التي تقوم بها الحكومة، والتي تغرس في العمال أن النقابة هي الأم وكل شيء بالنسبة لهم، وأن هذا هو آخر آماله، وهو ما يظهر في واقع العمال؛ حيث لا يعرف العمال في كتان طنطا غير النقابة، والتي يسيطر عليها النظام بكل رجاله، مؤكدًا أن هناك تضييقاتٍ على مَن ينتمون لتيارات سياسية مخالفة للنظام الحاكم؛ حيث يتم إقصاؤهم من انتخابات النقابات العمالية، ويرفض اتحاد العمال إعطاءهم الصفة العمالية، بالإضافة إلى شطبهم من الانتخابات، وتزوير العملية الانتخابية برمتها.

 

مطالب اجتماعية

 الصورة غير متاحة

 علي فتح الباب

في المقابل يرى علي فتح الباب عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وأحد القيادات العمالية بشركة الحديد والصلب بالتبين أن العمال شريحةٌ من شرائح المجتمع، وإذا لم تشارك في الحياة السياسية بشكلٍ رسمي ومؤسسي بسبب عدم وجود نقابات عمالية مستقلة، فإنهم يشتركون بشكلٍ فردي كمواطنين، ويذهبون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.

 

ويتابع: أن الاعتصامات والاحتجاجات التي يقوم بها العمال من أجل مطالب اجتماعية وليست مطالب سياسية؛ حيث لا يوجد عامل يرفع لافتة تطالب بتعديل الدستور أو التغيير السياسي أو تندد بسياسات الحكومة، وبالرغم من ذلك فهي تؤثر بشكل قوي على الحياة السياسية؛ لأنهم يرفعون احتجاجاتهم في وجه النظام الحاكم، وهذا يضعف من موقف النظام أمام المجتمع الدولي".

 

ويؤكد فتح الباب أهمية توافر الضمانات التي تكفل نزاهة انتخابات الاتحادات والنقابات العمالية دون حالات الشطب الجماعي التي يقابلها العمال، وإقصاء أشخاص بعينهم بسبب انتماءاتهم السياسية، بالإضافة إلى أن توفر انتخابات نزيهة في البرلمان ستُثمر عن وجود نواب أهلاً بتمثيل الشعب ومن ضمنهم العمال، وسيكون لهم دور في الوقوف في وجه رجال الأعمال الذين يأكلون حقوق العمال، ومحاسبة الوزراء المسئولين عن تدهور حياتهم، مثل وزراء التضامن الاجتماعي، والاستثمار، والقوى العاملة.

 

فرِّق تسُد

وتوضح فاطمة رمضان باحثة في المرصد النقابي والعمالي المصري أن العمال استطاعوا كسر الحاجز الذي فرضته عليهم الحكومة خلال الـ30 عامًا الماضية، وتجاهلوا القانون المفروض عليهم والمقيد لحق الإضراب إلا بإذن النقابة العمالية، والتي يسيطر عليها الحزب الحاكم ولا تعمل لمصالح العامل المصري.

 

وتضيف أن النظام الحاكم عمل على تفريق مطالب العمال، فكل فئة لها مطالبها الخاصة حتى لا يكون لهم مطلب واحد، لتسير بمبدأ فرق تسُد، مؤكدةً أن النظام عمل على هدم أي أشكال تنظيمية عمالية حتى لا تخرج هذه المطالب بشكلٍ موحد؛ لأنها تعلم أن للعمال دورًا تاريخيًّا في تحقيق الاستقلال الوطني والديمقراطية.

 

وتشير إلى أن قمع الحكومة لا يقتصر على الاحتجاجات السياسية فقط، بدليل أن الأمن فضَّ اعتصام كتان طنطا بالقوة، وضرب ممرضات الشرقية بالقنابل المسيلة للدموع؛ لإنهاء إضرابهن، وهو دليل على انتشار ثقافة القمع عند هذا النظام، ولكنها تقل شراسةً مع العمال حتى لا تصطدم بشريحة كبيرة في المجتمع المصري.

 

وتؤكد فاطمة على أن العمال يستطيعون توحيد صفوفهم من خلال التنسيق فيما بينهم لتوحيد مطالبهم، وممارسة الضغط على النظام ورجال الأعمال وتكوين شبكة كبيرة منهم، والتنسيق مع الفلاحين والقوى السياسية؛ لتدعيم هذه المطالب والمطالبة بالتغيير السياسي.

 

وترى أن عمال مصر الآن في أسوأ حالاتهم المعيشية؛ نتيجة سياسات الخصخصة والتعليم والصحة وانتشار البطالة.

 

وعن الحل تقول: إنه يرتبط بثلاثة عناصر هي: الأول: توافر الفكرة، وخلق الكادر العمالي الواعي لدوره وقيادة نقابية مخلصة. الثاني: خلق مشروع نهضوي للحركة العمالية النقابية في مصر. الثالث: تسييد التنظيمات النقابية المستقلة التي يجب أن تخضع لجمعياتها العمومية.

 

تقصير الأحزاب

 الصورة غير متاحة

 جورج إسحاق

ويرى جورج إسحاق القيادي في حركة كفاية أن عمال مصر يساهمون في الحراك السياسي بقدر كبير؛ حيث إن ما يقوم به العمال من اعتصامات واحتجاجات يحرك المياه الراكدة في الحياة السياسية، بالإضافة إلى وعي العمال بما يدور حولهم وامتلاكهم العديد من الحلول لتغيير الواقع السياسي المصري.

 

ويرفض إسحاق فصل مطالب العمال عن المطالب السياسية؛ لأنهم يعلمون أن النظام السياسي المصري هو السبب الرئيسي في هذه المشاكل، مؤكدًا أنه مَن لا يستطيع المطالبة بحقوقه الأساسية لا يستطيع المطالبة بحقوقه السياسية.

 

ويتهم إسحاق الأحزاب السياسية بالتقصير في احتواء العمال داخل تنظيماتها؛ حيث لم تسعَ لمعرفة آراء العمال في الحياة السياسية رغم توفر مكاتب خاصة بالعمال في كافة الأحزاب، إلا أنها غير مفعلة ولا تقدم شيئًا للعمال المصريين وقياداتهم الذين استطاعوا أن يقودوا الحركة العمالية بنجاح كبير.

 

تعديل القوانين

ويُرجع إبراهيم حسن أمين العمال في حزب العمل عدم مشاركة العمال في الحياة السياسية إلى الحياة المعيشية والمشكلات التي تواجههم في المصانع والشركات، فالسياسة بالنسبة للعامل هي اعتصامه أمام مجلس الشعب للمطالبة برفع أجره أو بزيادة العلاوة الاجتماعية، مشيرًا إلى ضرورة مشاركة العمال بقوة في الحياة السياسية باعتبارهم فئة كبيرة من المجتمع.

 

ويشير إلى أن العامل في مصر أصبح همه الوحيد هو أن يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته سليمًا، فلا يتكلم في أي شيء حتى لا يُخصم من راتبه الذي لا يكفي لتوفير متطلباته الأساسية؛ حيث إن أصحاب المصانع يحظرون الحديث في أمور سياسية داخل مكان العمل.

 

ويطالب تعديل قانون التأمينات العامة وكذلك القانون الخاص بالنقابات العمالية لتكون أساس العمل النقابي السليم؛ ليتوفر مناخ جيد للعمال للمشاركة في الحياة السياسية، فالقانون الحالي لا يعطي العمال أي حق لممارسة الحياة السياسية السليمة، فليس من حقهم التجمع، ويتم اعتقالهم إذا اجتمعوا بدون تصريح طبقًا لقانون الطوارئ المفروض منذ 30 سنةً.

 

نظام السخرة

ويؤكد طلال شكر عضو أمانة العمال بحزب التجمع أن العمال في مصر غرباء في مجتمعهم، فالحكومة ورجال الأعمال يريدون من العمال العمل بنظام السُّخرة دون المشاركة في الحياة السياسية، وهيئوا الظروف لذلك، فالأجور المتدنية وظروف العمل السيئة، بالإضافة إلى غلاء الأسعار، كل هذا جعل العمال تنصرف عن الحياة السياسية، مطالبًا بإطلاق حرية العمال طبقًا للمواثيق الدولية في إنشاء نقابات حرَّة ومستقلة.