تحقيق- مي جابر:
"زلة لسان".. هكذا وصف الحزب الوطني تصريحات نائبيه بمجلس الشعب، نشأت القصاص وأبو عقرب حول حق وزارة الداخلية بضرب المتظاهرين بالرصاص، نافيًا أن تنم التصريحات عن قناعات للحزب باستخدام العنف في قمع المعارضة.
لكن المراقبين يؤكدون أن هذه التصريحات لم تخرج إلا نتيجة لثقافة الحزب الوطني القائمة على البلطجة، واستدلوا على ذلك بواقع سياسات الحزب التي تؤكد أن تصريحات "نائبي الرصاص" ليست سوى حلقة في مسلسل انتهاج "الوطني" سياسة البلطجة في كافة مجالات الحياة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك تعامل الشرطة الوحشي مع المتظاهرين والحركات السياسية التي خرجت للشارع للتعبير عن آرائهم بطريقة سلمية؛ حيث تلجأ وزارة الداخلية إلى أساليب الضرب والسحل، بالإضافة إلى الاستعانة بأعداد غفيرة من الشرطة التي ترتدي زيًّا مدنيًّا ومعها عصي كهربية لضرب وإرهاب المواطنين.
والاستعانة بالشرطة النسائية التي قامت بسحل وضرب الفتيات المشتركات في المظاهرات السلمية في تعدٍ واضح على حقوق الإنسان والدستور اللذين يقران الحق في التعبير عن الرأي، كما قام رجال الشرطة بالتعرض للصحفيين ووسائل الإعلام المختلفة ومصادرة الأفلام والكاميرات التي سجلت جرائم الشرطة المصرية في حق المتظاهرين.
ميليشيا الجامعات
البلطجية يعتدون بالشوم على طلاب الإخوان
ولا يمكن إغفال ممارسة النظام للبلطجة في الجامعات ضد الطلاب، ومنها ما وقع في العام الدراسي 2006- 2007م، على يد د. أحمد زكي بدر رئيس جامعة عين شمس السابق، حين قام عددٌ كبيرٌ من البلطجية التابعين لأمن الدولة، واتحاد طلاب جامعة عين شمس بالاعتداء الهمجي على طلاب الإخوان المسلمين بالجامعة، واستخدام الشوم والأسلحة البيضاء في إصابتهم بجروح خطيرة، وإلقاء القنابل الصوتية المليئة بقطع الزجاج وقنابل المولوتوف على الطلاب.

هذا فضلاً عن مختلف صور الاعتداء على التعليم الجامعي من تفتيش الطلبة والطالبات يوميًّا على البوَّابات بشكل غير لائق، وتزوير الاتحادات الطلابية، وإحالة أساتذة الجامعة لمحاكمات عسكرية، ومحاصرة الحرم الجامعي بجحافل الأمن المركزي، والقوات الخاصة ومباحث أمن الدولة، التي جعلت الجامعة أشبه بثكنة عسكرية، وحوادث اختطاف الطلاب من داخل الحرم الجامعي.
ويضاف إلى ذلك مجالس التأديب والتحقيقات وفصل الطلاب لأسباب مستفزة؛ من بينها قراءة القرآن في المدرجات وتعليق اللوحات التي تدعو الطلاب للإيجابية والصلاة والحجاب والأخلاق، وكذلك رفض التدخلات الأمنية في الحياة الجامعية.
وكان أبطال هذه الممارسات عمداء الكليات وإدارات الجامعات؛ حيث تكرار حوادث اعتداء عمداء الكليات على الطلاب بالضرب أو السب؛ لمنعهم من ممارسة أنشطتهم، والذي وصل إلى التشابك بالأيدي؛ مما أوجد نوعًا جديدًا من العلاقة بين أساتذة الجامعات والطلاب لم تشهدها الجامعات المصرية من قبل، وكلمات عميد كلية التجارة للطلاب أثناء الاعتداء عليهم، عندما طلبوا حمايته من البلطجية، "تستاهلوا أنا هربيكم"، أكبر دليل على تواطؤ هذه الإدارات مع البلطجية.
بلطجة في البرلمان!
نواب الوطني يتحرشون بأحد نواب الإخوان
ويأخذ نواب "الوطني" أدوار البطولة في مسلسل البلطجة، حيث يتضمن سيناريو البرلمان إجهاض استجوابات نواب الإخوان والمستقلين للحكومة، والبذاءات التي لم يسلم منها نواب المعارضة أو حتى الشعب، ويشهد البرلمان أن وصلات الشتائم والردح وسب الدين لم تخرج إلا من نواب الوطني، الذين يقوم أحدهم كل حين بالاعتداء على الممتلكات العامة مثل الاعتداء على أقسام الشرطة وتحطيمها.

وتؤكد الأرقام أنه خلال السنوات الماضية جاءت أسماء أكثر من 120 برلمانيًّا مصريًّا من أعضاء الوطني في اتهامات جنائية وأخلاقية وتأديبية بسبب انتهاك القانون، أو الضلوع في جرائم قتل أو بلطجة، بل إن بعض هذه الأسماء ورد في جرائم آداب.
كما تورط وزراء في مسلسل البلطجة الحكومية، وقام يوسف بطرس غالي وزير المالية بسبِّ قانون الضرائب العقارية وقال أمام الأعضاء سندفع تعويضات للسكان ولكن الملاك "هنجيبهم ونطلع... أبوهم"، ورده على موظفي الضرائب العقارية المعتصمين "أنا ما يتلويش دراعي" لم يكن إلا تعبيرًا عن البلطجة الحكومية التي يمارسها النظام ضد الشعب المصري.
ومارس وزير الداخلية حبيب العادلي البلطجة عندما أكد أن وزارته تنتصت على مكالمات المواطنين وقال "واللي خايف ما يتكلمش"، كما شارك أحمد أبو الغيط في أحداث هذا المسلسل عندما هدد أهل غزة بعدم دخولهم الأراضي المصرية قائلاً: "اللي هيعدي حدود مصر هنقطع رجله".
وتظهر باقي حلقات مسلسل البلطجة السياسية التي يمارسها الحزب الحاكم في الانتخابات، وعدمَ قبول أوراق المرشَّحين رغم الحصول على أحكام القضاء الإداري بقبول أوراقهم، وإغلاق المقار الانتخابية والاعتداء على الناخبين والمرشحين ومندوبيهم ومنعهم من الدخول إلى لجان التصويت أو الفرز، بالإضافة إلى تزوير نتائج الانتخابات لصالح مرشحي حزب البلطجة، وقد تكرر هذا في انتخابات مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية على مدار الـ30 عامًا الماضية.
ولم تسلم النقابات المهنية من مسلسل بلطجة الحزب الحاكم، حيث تعرضت نقابة المحامين لاعتداء المحسوبين على الحزب على لجنة الحريات بالنقابة وتحطيم مقرها وإلغاء نشاطاتها مثل محاكمة شعبية للحزب الوطني.
كما تعرضت نقابة الصيادلة لإعتداءات "الوطني"، حيث قام أعضاء بارزون بالحزب الوطني باختراق النقابة، والتهجم على مقرها والاستيلاء على الأختام الخاصة بها، بصحبة عدد من الأشخاص. واستعانت بالأجهزة الأمنية التي حاصرت مقر النقابة ومنعت الصيادلة من الدخول.
ثقافة نظام
عبد الحليم قنديل
ويؤكد عبد الحليم قنديل منسق حركة كفاية أن ما نشاهده الآن من أساليب قمع وبلطجة ما هي إلا ثقافة نظام قائم على أساس غير شرعي، فهذا النظام ليس له شرعية سواء من الوجهة التاريخية أو السياسية، وذلك سبب إفراطه في استخدام الآلة الأمنية واعتماده على الإرهاب والبطش والترويع في دعمه لأنه لا يملك أية قواعد اجتماعية وسياسية.

ويتابع: ما يصدر من بعض أفراد الحزب الحاكم ما هو إلا جزء من ممارسة البلطجة على كافة الأصعدة، وسياسة الضرب في المليان متبعة ليس من اليوم فقط ولكن منذ أن تولى النظام الحالي، مشيرًا لاستمرار قانون الطوارئ والأحكام العرفية أكثر من 30 عامًا، ومقتل طالب الإسكندرية عام 2000 خلال المظاهرات الطلابية المؤيدة للانتفاضة الفلسطينية، وتواصل القتل خارج القانون في أقسام الشرطة تحت التعذيب، والتي تنتهي بدون مساءلة لمرتكبيها.
ويقول إنه رغم معاناة الشعب المصري الذي يعد من أفقر الشعوب، نسمع هذا النظام يتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة وكأنه يتحدث عن دولة أخرى غير مصر، موضحًا أن ما تشهده الثروة المصرية بكافة أشكالها من نهب وتجريف وسلب من قبل طبقة من المليارديرات المحيطين بالنظام هو شكل من أشكال هذه البلطجة.
ويضيف: "وفي الوقت الذي نسمع النظام يتحدث عن السلام وحق الفلسطينيين في الحياة في وطن مستقل، نجده يشجع الكيان الصهيوني على الاستمرار في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني من خلال المشاركة في تشديد الحصار على غزة وبناء الجدار الفولاذي على الحدود، كمن يضع الشومة على المائدة ويريد أن يبدأ الحديث مع الطرف الآخر.
ويشير إلى أن وزير الداخلية السابق زكي بدر كان أبرز مثال على البلطجة الحكومية سواء كانت بلطجة لفظية أو بلطجة مادية، ويعتبره النظام الوزير العبقري والمثل الأعلى له في البلطجة، وقد نال هذا الوزير جزاءه من جنس ما كان يفعل؛ حيث قام نائب حزب الوفد بصفعه في مجلس الشعب تحت سمع وبصر الجميع.
ويضيف أن وزير المالية الحالي بطرس غالي هو عنوان للبلطجة الحكومية، مؤكدًا أنه أكثر وزراء المالية استمرارًا في هذا المنصب، لنجاحه في انتهاج مبدأ البلطجة ضد كل المواطنين، حيث فرض الإتاوات والجباية على الشعب وسرق أموال التأمينات وسب الدين للشعب، ورفض إعطاء الشعب أمواله بدعوى حفاظه هو عليها.
ويؤكد قنديل أن تعديلات الدستور في عام 2007 لم تكن إلا نوع من أنواع البلطجة الحكومية، فهي تعديلات غير دستورية قام بها عدد من ترزية القانون لتفصيل الحياة المصرية على أهواء النظام الحاكم، فحسمت نتائج الانتخابات لصالح الحزب الحاكم بالغاء الإشراف القضائي على الانتخابات والتي ظلت القوى السياسية تحارب عليه طوال الـ30 عامًا الماضيين في المحكمة الدستورية العليا.
وبعد أن صدر تفسير المحكمة للمادة 88 بتوفير قاضٍ على كل صندوق الانتخابي وتم العمل بهذا التفسير في الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب في 2002 وانتخابات 2005 وهذا ما يفسر صعود 100 عضو من المعارضة للبرلمان، تأتي التعديلات الدستورية الأخير لتهدم كل هذه الجهود وتفصلها على أن يكون القضاة في اللجان العامة فقط.
بالإضافة إلى المادة 67 والتي تعد أطول مادة في التاريخ لاحتوائها على تفاصيل التفاصيل لصفات المرشح لمنصب الرئاسة، ويستكمل قائلاً: "كان ينقص هذه المادة التصريح باسم هذا المرشح ليقتصر منصب رئيس الجمهورية على أشخاص بأعينهم، كما سلبت هذه التعديلات كل الحريات التي ينص عليها الدستور بتعديل المادة 179، لتجعل الوضع المصري كله استثنائيًّا بحكم استثنائي وشعب استثنائي.
ويتوقع زيادة الصدمات بين النظام المستبد والمواطنين، فبعد غلق الطريق أمام العملية الانتخابية بإلغاء الإشراف القضائي عليها، ستتحول القوى السياسية إلى الشارع مما يزيد معه الحركات الاحتجاجية، ومن ثم سيزيد النظام من عمليات القمع والبلطجة ردًّا على هذه الحركات.
إفلاس سياسي
صبحي صالح
ويرى النائب صبحي صالح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن الواقع العملي يؤكد أن قناعات النظام الحاكم تؤيد هذه الممارسة البلطجية في كافة مجالات الحياة المصرية، مشيرًا إلى أن النظام يحكم منذ أول يوم له بقانون الطوارئ، ويستخدم كل أشكال البلطجة لقمع الأنشطة الطلابية في الجامعات، ويزور الانتخابات البرلمانية، ويقيد حركة الشارع المصري، كما يسيطر على النقابات المهنية ويحتلها.

ويضيف: "لا ننسى التعدي بالضرب على رئيس محكمة أمام نادي القضاة، والاعتداء على المفكر الكبير الراحل عبد الوهاب المسيري، وضرب الناشط السياسي عبد الحليم قنديل، بالإضافة إلى قتل المواطنين في أقسام الشرطة يوميًّا، مما يؤكد أن هذا النظام لا يهاب أي مصري مهما كانت مكانته.
ويوضح أن النظام لا يعرف سوى هذه الثقافة في التعامل مع المختلفين معه، بسبب إفلاسه السياسي، فالإجرام بضاعة المفلسين، مؤكدًا إلى أن التصريحات التي تأتي على لسان أعضاء الحزب الحاكم لتهديد المواطنين هي رسالة صريحة من النظام عبر أفراد، في حين أن القوى السياسية والشارع المصري يرد عليهم بأن رسالتهم مرفوضة وأنهم مستمرون في العمل السياسي مهما كانت التضحيات.
ويناشد صالح جميع القوى السياسية بالاستمرار في نضالها وأن تكون على الاستعداد بدفع الثمن مقابل الحصول على الحرية وتحقيق الديمقراطية وإقصاء هؤلاء المجرمين عن الحياة السياسية.
عزبة
د. مجدي قرقر
ويرى الدكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل أن النظام الحاكم يحكم بثقافة العزبة التي يحكمها لجنة السياسات في الحزب الوطني، فهم يتعاملون بمنطقة العزبة والشعب هم الأجراء والذين يتم التعامل معهم بثقافة الاحتلال الإنجليزي للفلاحين المصريين، وعلى الفلاحين الطاعة العمياء وإلا يستحقون الرمي بالرصاص، مؤكدًا أنها ثقافة عامة للحزب الحاكم رغم إنكار مسئوليه وقياداته، فكل ممارسات النظام تدلل على تعميم هذه الثقافة.

ويشير إلى أن أحمد عز يعتبر من أبرز الشخصيات التي تمارس البلطجة في الحزب الحاكم؛ حيث يمارس بلطجته ضد مجلس الشعب وضد نواب الحزب الوطني، فإشارة واحدة منه يحرك نواب الوطني للتصويت وإجهاض طلبات الاستجواب التي تقدمها نواب المعارضة، بالإضافة إلى ممارساته البلطجية التي يمارسها ضد الشعب المصري من خلال احتكاره للحديد ورفع أسعاره بدون قواعد تحكمه.
ويطالب د. قرقر القوى السياسية بألا تقابل سياسة البلطجة بالمثل، وأن تحكم العقل وتغلب الحكمة، لأن مصر لا تتحمل هذه الممارسات وإسالة الدماء، كما يجب عليهم المطالبة بمحاكمة المسئولين عن هذه الممارسات والقصاص منهم دون مواجهة العنف بعنف مضاد.
توتر النظام
![]() |
|
عبد الغفار شكر |
ويشير إلى أن ضرب قوى المعارضة وقمعها هو دليل على عدم تقبل النظام معارضة سياسية في الشارع، وخوفه من زيادة حجم هذه المعارضة وانتشارها وسط الشعب المصري، مما يهدد مصالحه واستمرار حكمه المستبد.
ويتنبأ شكر بأن الانتخابات القادمة ستشهد قدرًا كبيرًا من البلطجة والعنف والتزوير، لأنه ليس أمام الوطني طريق آخر في ظل ضعف شرعيته في الشارع المصري، ومع تزايد الأزمات التي يمر بها الشعب يزيد اللجوء للشارع فيما سيزداد استعمال النظام لسياسة "الضرب في المليان" حتى تضعف هذه الحركات الاحتجاجية، مشيرًا إلى أنه لو تم القضاء على أعضاء الحركات الموجودة حاليًا وتصفيتهم ستظهر حركة جديدة تطالب بالتغيير.
