مقدمة:

جاءت اتفاقية "ويست فاليا" الموقَّعة عام 1648م لتنهي مئات الأعوام من الحروب المذهبية والطائفية في أوروبا، وبعدها تشكَّلت بوضوح "الدولة القومية" ذات السيادة على الشعب والأرض، وفق حدودها الجغرافية المعتمَّدة والمعترف بها برًّا وبحرًا وجوًّا.

 

لكن في نفس الوقت كان انتشار الاستعمار الغربي لعدد كبير من بلدان القارات (إفريقيا، وآسيا)- بدءًا من القرن الخامس عشر، منذ بدء حركة الكشوف الجغرافية وحتى القرن العشرين بأكمله- إهدارًا لهذه السيادة.

 

وحرص الاستعمار الأوروبي- مع معرفته للحدود الجغرافية لهذه الشعوب وتلك الكيانات- إما على الإبقاء عليها أو تعديلها على النحو الذي يحقِّق مصالحه ويجعلها مرتبطةً به، وظهر ذلك واضحًا في رسمه لخريطة الجناح الشرقي للوطن العربي في اتفاقية "سايكس- بيكو" عام 1920م، ويتحكم من خلال ذلك في أمنها القومي.

 

تعريف المصطلح:

يقصد بالأمن القومي كمصطلح تلك الأمور والقضايا المتعلقة بـ:

1- حماية الدولة.    2- وبقائها.     3- وضمانة أمن حدودها المحيطة.

 

وأضاف ليدل هارت قضية "الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة" إلى هذا التعريف؛ حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل تأمين منابع نهر النيل بالنسبة لمصر كمثال.

 

وجاء في "دائرة المعارف" البريطانية: "الأمن القومي هو حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية".

 

وذكر هنري كيسنجر أن مفهوم الأمن يعني: "أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء".

 

كان المفهوم القديم للأمن القومي يركِّز على التهديدات من الناحية العسكرية الخارجية البحتة، إلا أن هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة، فدخلت في المفهوم تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية، والتي أدَّت في بعض الأحوال إلى تفتُّت دول بأسرها.

 

كما أن التدخلات الدولية أو الخارجية في شئون الدولة لم تعُد تقتصر على التهديد المسلَّح، بل هناك المصالح الاقتصادية والسياسية والإقليمية.

 

وقد وضع اللواء الدكتور زكريا حسين (المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية- وله كتابات جيدة في هذا المجال) تعريفًا يشرح به ذلك: "القدرة التي تتمكَّن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية والاقتصادية والعسكرية في شتى المجالات في مواجهة المصادر التي تهدِّدها في الداخل والخارج، وفي السلم والحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطًا للأهداف المخططة".

 

فلم تعد التهديدات التي تتعرَّض لها الدولة قاصرةً على الأدوات العسكرية، بل إن الصراعات الإقليمية والدولية أصبحت تُثار وتُدار بوسائل فاعلة أخرى، فهناك تهديد المصالح التجارية، والمائية ومحاولات التخريب وإثارة النعرات الطائفية.. إلخ.

 

وهناك كذلك التأمين ضد الكوارث الطبيعية وآثارها الضخمة على الدول: مثال (كارثة تسونامي- إعصار كاترينا في أمريكا- زلزال هايتي.. إلخ).

 

مرتكزات الأمن القومي:

وبالتالي أصبح الأمن القومي يرتكز على مبدأين أساسيين: مبدأ الإدراك، ومبدأ التنمية:

أ- الإدراك لطبيعة وأبعاد الخطر الداخلي والخارجي.

ب- تنمية قوى الدولة لمواجهة هذه التهديدات الخارجية والداخلية.

 

ويكون ذلك ضمن سياسة شاملة وإستراتيجية محددة، تشمل:

1- الجانب العسكري والقوات المسلحة.

2- الاقتصاد القومي الشامل.

3- تأمين كل مرتكزات الشأن المعنوي لدى المواطنين.

4- المنظومة الاجتماعية التي تلبي الاحتياجات الأساسية وتواجه بها التحديات والتهديدات.

5- الفعالية السياسية داخليًّا وخارجيًّا في الدور الإقليمي وامتلاك أوراق ووسائل الضغط.

 

وبالتالي أصبحت قضية الأمن القومي تشكِّل في أبعادها النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.

 

وبالنسبة للمنطقة العربية، فإنه بعد قيام جامعة الدول العربية واستكمال هذه الدول لاستقلالها، أصبح في اعتبارها وجود منظومة كاملة مشتركة لأمن المنطقة، بالإضافة إلى متطلبات الأمن القومي لكل دولة.

 

وكان زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي مهددًا لأمن المنطقة ككل، ولأمن كل دولة فيه.

 

رؤية الإمام البنا للأمن القومي

في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر لم تكن هناك رؤية محددة لأمنها القومي، فلم يكن همّ الاحتلال إلا بسط سيطرته بأشكالها المختلفة، وإضعاف مقدرات الأمة المصرية داخليًّا وخارجيًّا، وتحقيق أهدافه من هذا التواجد العسكري.

 

والمنطقة العربية كلها كانت في حالة من الضعف والتمزق، وظهرت فيها دعوات وحركات عدة، تحاول أن تقدم رؤية للبعث العربي وفق أيديولوجيات وفلسفات مختلفة.

 

وفي داخل مصر كان الملك لا يهمه إلا منصبه والمساحة التي يلعب فيها مع القوى السياسية الأخرى.

 

كانت دعوة الإمام الشهيد بظهورها في تلك المرحلة، وبأهدافها ومنهاجها المتكامل وقدرته على التأثير في الجماهير وإحداث التغيير فيها، كانت تشكل بهذا الواقع، وتلك الممارسة نقطة إيجابية أساسية في أمن مصر القومي، بل إنها تعتبر الحدث الأساسي في تلك المرحلة من تاريخ الأمة في بلورة رؤية عميقة وخطوات عملية في هذا الشأن، والدارس لرسائل الإمام الشهيد بدءًا من عام 1934م وما بعدها يرى بوضوح أبعاد هذا المشروع الإسلامي للنهضة، وإلمامه بكل مرتكزات الأمن القومي، وإذا كنا الآن عندما نقرأ كلمات الإمام الشهيد عن أمن البحر الأحمر والأبيض، وعن تأمين منابع النيل، وعن دور مصر في المنطقة، نشعر أن هذه مسلمات ليس فيها جديد؛ لكن الأمر وقته عندما طرح هذه الرؤية لم يكن كذلك، فكان رحمه الله أول من عرض هذه الرؤية المتكاملة، ونبه إلى أهمية هذه الأمور حتى أصبحت في وقتنا الحالي من المسلمات والقضايا البديهية.

 

اعتبر الإمام الشهيد أن إخراج المحتل وتحقيق استقلال الوطن وتحريره من كل سلطان أجنبي في شتى المجالات هدف رئيسي، تعمل عليه الجماعة وتحشد له طاقات الأمة، وهو يمثل المحور الأساسي لهذا الأمن القومي ووضع لذلك مسارات وبرامج وخطوات (راجع مقالة الإمام البنا والاحتلال الإنجليزي لمصر).

 

وقد تبنى هذا الأمر كذلك كثير من الشخصيات والاتجاهات الوطنية، لكن كان الإخوان الأكبر ثقلاً والأبعد نظرًا وأصحاب مشروع متكامل.

 

تناولت رؤية الإمام الشهيد تغطية هذه المحاور:

أ) محور الخطر الخارجي: ويشمل:

1- خطر الاحتلال الإنجليزي.

2- الخطر الصهيوني.

3- خطر موجة الإباحية والإلحاد، وقد غزت قلوب وعقول الأمة وخاصة الشباب.

 

ب) المهددات الاجتماعية والاقتصادية: وتشمل جوانب عدة منها:

1- انتشار البغاء والقمار والتحلل الأخلاقي.

2- التفاوت الشديد بين الطبقات، وازدياد مساحة الفقر في الشعب.

3- ازدياد النشاط التبشيري (التنصير) والدعوات الهدامة.

4- انتشار الجهل والأمية.

5- بروز الصراعات الحزبية والعصبية العمياء التي تفرق الأمة.

 

جـ) فقدان مرتكزات مطلوبة لأمن الوطن، ومطالب أساسية لتحقيق النهضة القوية.

 

يقول الإمام الشهيد: "الإخوان أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمة هذه الأوطان واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا" (رسالة إلى الشباب).

 

ويقول: "أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه، إلا إذا كان سياسيًّا، بعيد النظر في شئون أمته، مهتمًا بها غيورًا عليها.. وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشئون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام" (مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين).

 

قضايا الأمن القومي التي تناولها الإمام الشهيد

1) تكلم الإمام عن الاحتلال الإنجليزي وكيفية مواجهته، ووضع خطة متكاملة لذلك (راجع مقالة الإمام البنا والاحتلال الإنجليزي).

 

يقول الإمام مشيرًا إلى ذلك: "ومن هنا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة اعتدت وتعتدي على أوطان الإسلام دولة ظالمة لا بد أن تكف عدوانها، ولا بد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها"، "إن إنجلترا لا تزال تضايق مصر رغم محالفتها إياها"، "والمعاهدة غل في عنق مصر وقيد في يدها ما في ذلك شك، وهل تستطيع أن تتخلص من هذا القيد إلا بالعمل وحسن الاستعداد؟ فلسان القوة هو أبلغ لسان، فلتعمل على ذلك ولتكتسب الوقت إذا أرادت الحرية والاستقلال". (رسالة المؤتمر الخامس).

 

2) وبالنسبة للخطر الصهيوني، فقد تنبه له الإمام الشهيد مبكرًا، وتحرك منذ عام 1934م لمواجهته وتوعية الأمة بهذا الخطر وحشدها لمحاولة إيقافه (راجع الإمام البنا وقضية فلسطين).

 

وفي مقال للإمام الشهيد عام 1936م كتب يقول: "إن اليهود في فلسطين خطر داهم على سياسة الشرق العامة؛ لأن فلسطين قلب الشرق وموطن مقدسات مسلميه ومسيحييه، ودسائس اليهود السياسية غير منكورة، ومطامعهم في الوطن القومي غير محصورة.

 

وهم خطر على وحدة العرب في الشرق؛ لأنهم لا يعيشون إلا في جو التفريق، وهم خطر داهم على أخلاق الشرق، فهم قوم خُلقهم جمع المال، باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا يزالون يبيعون الأخلاق بثمن بخس.

 

وكذلك في البيان الذي وجهه للأمة في عام 1947م جاء فيه: "وليست دولتهم الخيالية إلا نقطة ارتكاز تنقض منها اليهودية العالمية على الأمة العربية دولة فدولة ثم على المجموعة الإسلامية أمة بعد أمة..".

 

وفي بيانه الذي وجهه إلى الشعوب العربية سنة 1948م، يحذر من خطر المشروع الصهيوني على إمكانات تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية والإسلامية، ويقول فيه: ".. إنه لن تقوم في أية دولة صناعة ناجحة ولا تجارة رابحة، وستقضي المنافسة الصناعية والتجارية على كل أمل لهذه الأمم العربية والإسلامية في التقدم والنهوض هذا فضلاً عن الفساد الاجتماعي".

 

3) تكلم الإمام في رؤيته للأمن القومي عن الأبعاد الإقليمية والعالمية، وحدد موقع مصر في هذه الدوائر: الدائرة الإفريقية- الدائرة العربية- الدائرة الإسلامية- الدائرة الشرقية ثم الدائرة العالمية.

 

واعتبر أن أمن مصر ودورها تكمله الدائرة العربية، ويمتد إلى الدائرة الإسلامية، وأن دائرة رابطة الأمم الشرقية بوضعها القائم ووقوفها ضد الهيمنة الغربية تشكل خطًّا مساعدًا داعمًا لهذا الأمن.

 

ومن أقوال الإمام الشهيد في ذلك: ".. ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام، وإقامة دولته وإعزاز سلطانه.. ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها.." (رسالة المؤتمر الخامس).

 

".. الإخوان المسلمون يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود.. ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية، باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض، ثم يعملون للجامعة الإسلامية، باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام.." (المؤتمر الخامس).

 

ومع تكتل الدول الإسلامية واتحادها أشار الإمام إلى دائرة أوسع من التجمع تشمل الأمم الشرقية في مواجهة دول الاستعمار الغربي، فيقول عن هذا: "والشرقية لها في دعوتنا مكانها وإن كان المعنى الذي يجمع بين المشاعر فيها معنى وقتيًّا طارئًا، إنما ولده وأوجده اعتزاز الغرب بحضارته وتعاليه بمدنيته، وانعزاله عن هذه الأمم التي سماها الأمم الشرقية، وتقسيمه العالم إلى شرقي وغربي، هذا المعنى الطارئ هو الذي جعل الشرقيين يعتبرون أنفسهم صفًا يقابل الصف الغربي.. أما حين يعود الغرب إلى الإنصاف ويدع سبيل الاعتداء والإجحاف.. فتزول هذه العصبية الطارئة وتحل بمحلها الفكرة الناشئة فكرة التعاون بين الشعوب على ما فيه خيرها وارتقاؤها.." (دعوتنا في طور جديد).

 

وكان الإمام أول من نادى بسياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي وقد توجه بهذا في خطاباته للملوك والرؤساء العرب.

 

4) تأمين حدود الوطن: تكلم الإمام في رؤيته عن ذلك، وأنه يبدأ عميقًا خارج تلك الحدود، ولا يقف التأمين عند خطوطها القائمة تكلم عن تأمين الحدود الشرقية والخطر القادم من العصابات الصهيونية "كما نريد أن نؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاًّ يحقق وجهة النظر العربية أيضًا ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد إن مصر والعالم العربي والإسلامي كل يفتدي فلسطين...." (رسالة مؤتمر رؤساء المناطق).

 

وكذلك تأمين الحدود الغربية، وأهمية العلاقة القوية مع دولة مستقلة في ليبيا "نحن نريد أن نؤمن حدودنا الغربية باستقلال ليبيا ووحدتها وقيام حكومة عربية صديقة فيها..".

 

وعن تأمين الحدود الجنوبية للوطن المصري، وضع إستراتيجية أساسية لذلك منها ما يتعلق بالعمق الإفريقي والتواجد الفعال فيه، ومنها ما يختص بهدف أساسي هو وحدة وادي النيل واستقلاله أي وحدة مصر والسودان حيث يشكل ذلك الأمر بعدًا إستراتيجيًّا هامًّا نجح الاستعمار في تحطيمه.. يقول الإمام بهذا الشأن: "السودان جزء من الوطن، فهو مصر الجنوبية، ومصر هي السودان الشمالي وكلاهما وادي النيل".

 

"إن النيل الذي تتوقف عليه حياة مصر أرضًا ونباتًا وحيوانًا وأناسًا إنما ينحدر إليها من السودان"، " نحن نريد السودان جزءًا من مصر، كما أن مصر جزء منه.."، ".. ونريد بعد ذلك أن نؤمن حدودنا الجنوبية بأن نحفظ حقوقنا في إريتريا ثم زيلع ومصوع وهرر وأعالي النيل.. تلك المناطق التي اختلط بتربتها دم الفاتح المصري.. ورفرف في سمائها العلم المصري الخفاق ثم اغتصبت من جسم الوطن ظلمًا وعدوانًا".

 

ومن واجبنا ألا نتلقى حدود بلدنا عن غيرنا وأن نرجع في ذلك إلى تاريخنا ولنرى أي ثمن غالٍ دفعناه من الدماء والأرواح في سبيل تأمين حدودنا، لا لمطامع استعمارية ولا لمغانم جغرافية، ولكن لضرورات حيوية لا محيص منها" (رسالة مؤتمر رؤساء المناطق).

 

5) تأمين منابع النيل: وكان للإمام إدراكه المبكر لأهمية قضية المياه وضرورة تأمين الدولة المصرية لمنابعه، وفي السطور السابقة من كلماته ما يشير إلى ذلك.

 

6) كذلك تأمين البحر الأحمر والبحر المتوسط والتحكم في مداخله، وعودته للسيطرة العربية الإسلامية: يقول الإمام في رسالة إلى الشباب "يجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل".

 

7) عن أهمية دور مصر الإقليمي: كان الإمام يرى أن مصر بمثابة الدولة الأم لباقي الدول العربية.. وفي الوقت الذي لم يكن للحكومة المصرية وقتها دور فاعل داخل المنطقة العربية، كان الإمام الشهيد يوجه الأمة لهذا الأمر ويخطو خطوات فاعلة لتحقيق هذا الدور وذلك التواصل الشعبي، فكان يتبنى كل قضايا العالم العربي، وخاصة في مواجهة الاستعمار ويبذل جهده في توعية الأمة المصرية بالواجب المطلوب منها تجاه ذلك، ويدعم بكل صور الدعم حركات التحرر الوطني، وأنشأ لذلك قسمًا فاعلاً في الجماعة هو "قسم الاتصال بالعالم الإسلامي" وكان المركز العام يستضيف رموز وقيادات هذه الحركات الوطنية مثل بورقيبة من تونس وبن بيلا وبومدين في الجزائر، والخطابي في المغرب، ودعاة الإصلاح في اليمن بالإضافة إلى زعماء الشام وقضية فلسطين.

 

8) أهمية استقلال النقد: أكد الإمام على أهمية استقلال النقد، وتنظيم المعاملات المالية، وألا يرتبط بأي عملة أخرى تتحكم فيه، وأن يقوم على أساس اقتصادي قوي، فيقول في ذلك: "ومن أفظع التغرير بهذا الشعب أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي" (رسالة النظام الاقتصادي).

 

"فهي توجب استقلال نقدنا واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا لا على أذونات الخزانة البريطانية".. وأن ننفصل عن الكتلة الإسترلينية، وفكرنا في تأميم البنك الأهلي وكل هذا ونحوها مشروعات تؤمن النقد المصري.."، "وإن مصر إذا حزمت أمرها وأحكمت تصرفاتها ستصل- ولا شك- إلى هذا الاستقلال" (راجع رسالة النظام الاقتصادي).

 

والدولار الآن يقوم بنفس الدور الذي تمارسه العملة الإنجليزية وقتها.

 

9) تمصير الشركات وبناء اقتصاد قوي مستقل: يقول الإمام: "كما توجب هذه الأصول- للمنهج الإسلامي- الاهتمام الكامل بتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك، وتخليص المرافق العامة- وهي أهم شيء للأمة- من يد غير أبنائها فلا يصح بحال أن تكون.. الأرض.. والبناء.. والنقل.. والماء.. والنور.. والمواصلات الداخلية.. والنقل الخارجي.. حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني إلا البؤس والشقاء والحرمان" (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

 

كما طالب بسرعة استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى، وبالتحول إلى الصناعة فورًا فهذا من روح الإسلام، وإنشاء مصانع السلاح والاستقلال في ذلك" (راجع مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

 

".. وأنهم قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه، شركات أو أفرادًا، فالصناعة والتجارة والمنافع العامة والمرافق الرئيسية كلها بيد هؤلاء الأجانب حقيقة، أو الأجانب الذين اتخذوا من الجنسية المصرية شعارًا وما زالوا يحنون إلى أوطانهم ويؤثرونها بأكبر أرباحهم" (الرسالة السابقة).

 

كما حذر الإمام من خطورة الأزمات المالية والاقتصادية: ".. ولا يحرك النفوس ويؤلم المشاعر شيء كالضائقة المالية، تأخذ بخناق الجماهير فتحول بينهم وبين الحصول على ضروريات الحياة، فضلاً عن كمالياتها ولا أزمة أعنف من أزمة الرغيف، ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة، وطالب القوت ما تعدى.." (الرسالة السابقة).

 

10) أهمية التحول للصناعة وإنشاء مصانع السلاح: فقد طالب الإمام "بالتحول إلى الصناعة فورًا فهذا من روح الإسلام، وإنشاء مصانع السلاح والاستقلال في ذلك".

 

11) حول تماسك المجتمع وترابطه: اعتبر الإمام أن وحدة الأمة واحترام إرادتها من أركان النظام السياسي الإسلامي (راجع رسالة نظام الحكم)، وكذلك رفض كل ما يؤثر سلبيًّا على هذه الوحدة، فرفض الفتنة الطائفية وأسلوب الانقلابات العسكرية والثورة المخربة، وكذلك الصراعات الحزبية العمياء وهذا التفاوت الضخم بين الشرائح في المجتمع مما ينتج عنه من صراعات وأحقاد.

 

يقول الإمام: "كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقًا بين حرية الرأي والتفكير، والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة- وهو ما يوجبه الإسلام- وبين التعصب للرأي والخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع حدة الانقسام في الأمة.." (رسالة المؤتمر الخامس).

 

وكان للموقف الأساسي من رفض العنف واستباحة الدماء والثورة والفوضى كأسلوب في منهج الإصلاح ما يؤكد هذه الرؤية.

 

وبين الإمام ضرورة الضمان الاجتماعي لكل مواطن: "وقرر- أي الإسلام- الضمان الاجتماعي لكل مواطن وتأمين راحته ومعيشته كائنًا من كان، ما دام مؤديًا لواجبه، أو عاجزًا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه.. وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بين الناس جميعًا.." (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

 

وكذلك دور الإخوان في مواجهة البغاء حتى صدر القانون بمنعه عام 1940م وأيضًا الحملة التي قادوها ضد حركات التبشير ونجحوا في إيقافها، ويقول أيضًا ضمن أهداف مشروعه الإصلاحي: ".. نريد إصلاح مظاهر الحياة الاجتماعية، وأن نحارب الإباحية واللهو العابث وأن ننظم التعليم ونصلحه وفق سياسة الإسلام وأهدافه.."، خدمة المجتمعات وتنقيتها بمحاربة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع البر والنفع العام في أي صورة، والإصلاح الاقتصادي الذي يوفر لكل إنسان قوته وضروريات حياته، ويرفع مستوى المعيشة، ويقرب بين الطبقات.." (رسالة دعوتنا في طور جديد).

------------

* عضو مكتب الإرشاد.