اقترب مني عامل المكواة البسيط المتواضع قبيل تكبيرة الإحرام، وقال لي: انتظرني بعد الصلاة.. صلى ركعتين سنة الظهر في منتهى الهدوء والسكينة والسلام.. أطال فيهما الركوع والسجود.. مد يده إلى السماء بمنتهى الخشوع والتذلل، انسابت الدموع من عينيه بطريقة أشعلت نار الغيرة في قلبي القاسي.. قفلت مصحفي، مددت يدي إليه بالسلام، وضع يده في جيبه وأعطاني مبلغًا كبيرًا من المال، قال: حضرتك نسيت هذا في المكواة.. شكرته وانصرفت.. بدأ قلبي القاسي يرسل دموعه.. دموع الامتنان.. دموع الإحساس بأن الإنسان دائمًا ما ينتصر على نفسه وشهوته إذا أراد.. متى بدأت الحكاية؟.

 

قبل ثلاث سنوات بدأت عندما أعطتني أمي- رحمها الله- خاتمها الكبير تتصدق به.. هذا الخاتم اشتريته أنا لأمي سنة 96، وكلما كانت تقابلني مشكلة أو ضائقة مالية كانت تقول لي: خذ خاتمي يا بني فك به شدتك.. طبعًا الشدائد كانت أكبر من ثمنه بمراحل؛ لكني كنت أفرح جدًّا بما تقوله، بالرغم من أنها كانت تتوقع ردي: الموضوع سهل وسأتصرف إن شاء الله، أنتِ فقط يا سيدتي ادعي لي.. وارضي عني.. فترسل دعواتها إلى السماء لتستحث خطا السماء.. فيأتي الفرج من حيث لا أحتسب.

 

في يوم قالت لي: تصدق بهذا الخاتم، كما أعطاني زميلي في العمل خاتمًا آخر صغيرًا لما عرف بالأمر لنفس الغرض.. أرسلت البليزر مع الساعي إلى "المكوجي"، ونسيت فيه الخاتمين.. تذكرت لما عاد البليزر.. لما لم أجدهما.. كلمت الساعي وعامل المكواة دون جدوى.. تصدقت بثمن الخاتمين.. وحزنت.. قاطعت المكوجي، وبعد سنتين ثم لسبب أو لآخر أرسلت إليه ملابسي.. انتهز الفرصة ورد المبلغ.

 

ليس العيب أن نخطأ، ولكن كم هو جميل أن يعود الإنسان.. من منا لم يخطأ.. فكل ابن آدم خطاء.

 

لكن نفسية عظيمة وقوة جبارة.. نفسية هذا العامل البسيط.. قاوم قسوة الحياة التي فرضها علينا الجباه.. قاوم غلاء الأسعار الساحق الماحق، قاوم وقاوم.. قاوم عدم إحساس الناس به.. قاوم ضعفه وشهوته ثم رجع وعاد إلى ربه وردَّ الحقوق إلى أهلها.. ما أجمل الرجوع إليك يا ربي.. أطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم مدوية لخالد بن الوليد عندما أراد أن يسب الغامدية.. "ويحك يا خالد لقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم".

 

جلست مع نفسي.. قلت لماذا لا أكون أقوى من هذا العامل؟ لماذا لا أحصر كل من اغتبتهم، فأدعو لهم وأستسمح من أستطيع منهم، وأذكرهم بخير عند من ذكرتهم بسوء.. لماذا لا أرد المظالم إلى أهلها؟ لماذا لا أرد الحقوق إلى من غمطهم حقهم؟ أعلم أنه قاسٍ على النفس وشديد عليها.. لكنه مهم.. الوقت لم يمضِ فقد انتظر عامين.. فعلاً ما تأخر من بدأ..

 

اللهم إني سامحت كل من ظلمني أو اغتابني أو أكل حقي لوجهك الكريم.. اللهم ارزقني القدرة على رد المظالم.. وعاملني بما أنت أهله.. اللهم ردنا إليك ردًّا جميلاً، واجعلنا ممن يتوبون إليك من قريب.

-------------

* alielsayar@hotmail.com