﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)﴾ (الفرقان).

1- (يَبِيتُونَ) بات، يدل على العمل المستمر طوال الليل، وبيتهم محصور بين ﴿سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 9): هو الوقوف بين يدي الله في ظلمة الليل خاصة، على الإخبات والتذلل والتضرع والحذر من أهوال اليوم الآخر، وقال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)﴾ (الذاريات).

 

2- هذا بيان التكليف.. فإلى صورٍ من التطبيق..

أ‌- كان صلى الله عليه وسلم يقيم أهله لصلاة الليل وفيهم فاطمة ابنته وعلي ابن عمه وعبد الله بن عباس وسنه عشر سنين.

 

ب‌- وكان أبو هريرة رضي الله عنه وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا فيصلي، ثم يوقظ الثالث.

 

جـ- روي أن عيسى بن دينار صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة متصلة "من كتاب رهبان الليل "

 

د- والإمام البنا.. رقد حتى ظن أن رفاقه قد استغرقهم النوم من شدة التعب والإرهاق طيلة اليوم وفيهم الأستاذ عمر التلمساني، فتسلل برفق وتوضأ ووقف يصلي، أحسَّ به الأستاذ عمر فقال له: ألستَ متعبًا مرهقًا مثلنا، وبحاجةٍ إلى قسطٍ من الراحة لنشاط اليوم الجديد فقال الأستاذ الإمام: "وأين أنا من قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ (الشرح).

 

هـ- والحاج محمود عبية- مع عنف طوابير السجن الحربي في محنة سنة 1965م، وما راءٍ كمن سمع- كان يحرص على قيام الليل حتى إن رفاقه في الزنزانة قالوا له: إن كنت لا ترفق بنفسك فارفق بنا؛ فنحن يصيبنا قلق نفسي لصلاتك وعدم قدرتنا، على الأقل استرح لتقوى على إجهاد الطوابير غدًا، فكان جوابه: "أنا أستعين بهذا على هذا".

 

3- ومع هذا فلربنا مكرمات، يقبل بها عمل العبد على قدر إمكاناته قال تعالى في سورة المزمل: ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، وفي أول السورة قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: "ليصل أحدكم نشاطه"، وقال: "مَن صلَّى العشاء الآخرة في جماعة، وصلَّى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر" (أورده المنذري في الترغيب وعزاه للطبراني)، وقال ابن عباس رضي الله عنه: "مَن صلَّى بعد العشاء ركعتين فأكثر كان كمن بات الليل ساجدًا وقائمًا".

 

خلاصة

هذا عمل جليل، مَن قام به وواظب عليه، استشرف أن يقبل الله منه الدعاء: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (الفرقان: من الآية 65).