يحتل الأزهر الشريف مكانةً رفيعةً لدى المسلمين، ليس في مصر فقط، وإنما في العالم الإسلامي كله، وهو أعلى مؤسسة دينية في مصر.. وشيخ الأزهر كمنصب بدأ رسميًّا عام 1101هـ، وتولاه حتى الآن 42 عالمًا، كان أولهم الشيخ محمد بن عبد الله الخراشي، وآخرهم الدكتور محمد سيد طنطاوي الذي استمر في منصبه قرابة 14 عامًا، ووافته المنية مطلع الشهر الجاري.

 

وبدأ هذا المنصب بالانتخاب حتى جاءت ثورة 23 يوليو، وقررت تحجيم دور الأزهر، فسنت تشريعًا يحد كثيرًا جدًّا من سلطات شيخ الأزهر ونفوذه، فتم إلغاء هيئة كبار العلماء التي كانت تتولى تسيير أمور الأزهر وتنتخب شيوخه، وحل محلها مجمع البحوث الإسلامية، كما تم إقرار اختيار شيخ الأزهر بالتعيين لا بالانتخاب، وتعيين وزير لشئون الأزهر يجمع كل السلطات الفعلية في يديه؛ ما جعل المنصب منصبًا شرفيًّا إلى حدٍّ كبير.

 

وفاة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي أعادت فتح ملف المطالبات بانتخاب شيخ الأزهر.. المطالبون بانتخاب شيخ الأزهر يرونه ضرورة حتمية للارتقاء بمنصب شيخ الأزهر وتحقيق الاستقلالية لصاحب هذا المنصب، بينما يرى آخرون أن يبقى الوضع كما هو عليه؛ لعدم اقتناعهم بتأثير قرارات شيخ الأزهر على الحياة العامة في ظل نظام استبدادي.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل آن الأوان لتعديل القانون الخاص بتعيين شيخ الأزهر وتحويله لنظام الانتخاب؟

 

 الصورة غير متاحة

علي لبن

في تحليله للقضية، يؤكد النائب علي لبن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أهمية تعديل القانون الخاص بتعيين شيخ الأزهر، وجعله بالانتخاب ليضمن استقلال شيخ الأزهر عن النظام، ويقول: إنه يقدم مع كل دورة انتخابية طلبًا لسن قانون يقضي بانتخاب شيخ الأزهر، ولكن يلاقي رفضًا من الحكومة، رغم موافقة شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي على فكرة الانتخاب، وهو عالم فاضل وله تجربة في هذا الشأن.

 

ويوضح أن الدستور يكفل حق تكافؤ الفرص، ولهذا يجب أن يترك حق اختيار شيخ الأزهر لمن يمثلهم، فلا يعقل أن يكون ممثل الأقلية الدينية منتخبًا من قبل المسيحيين، في حين أن ممثل الأغلبية يعين من جانب السلطة التي تفرض الوصاية على الشعب في كافة المجالات.

 

ويطالب النائب بأن تكون السلطة كاملة لشيخ الأزهر، ولا يكون رئيس مجلس الوزراء وزيرًا لشئون الأزهر يرأس شيخ الأزهر؛ ما يفقد الأزهر الشريف استقلاليته، وهذا ما ظهر بقوة عندما قرر رئيس الوزراء أحمد نظيف عدم التصريح لمعاهد أزهرية جديدة؛ ما يعني تهميش الأزهر والتآمر عليه من مجلس الوزراء، واعترض فضيلة الشيخ سيد طنطاوي على هذا القرار ورفض تنفيذه.

 

ويشير إلى أن المادة 15 من القانون تنص على أن مجمع البحوث هو الهيئة العليا لإبداء الرأي في كل ما يقوله المفتون، بينما تنص المادة 22 على أن المجمع لا يكون قرارته صحيحة إلا بحضور ثلاثين عضوًا من العلماء غير المصريين، وحاول النظام المصري إبطال هذا المجمع فحال دون انعقاده لمدة 7 سنوات، ولم يجتمع سوى العامين الماضيين فقط.

 

الشورى

 الصورة غير متاحة

د. محمد عبد المنعم البري

ويوافقه الدكتور محمد عبد المنعم البري أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة والرئيس السابق لجبهة علماء الأزهر فيقول: "ننطلق من قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران)، هذا هو هدي القران الكريم ليحث المسلمين بالالتزام بالشورى في جميع أمورهم، وبالتالي في اختيار من يمثلهم دينيًّا.

 

ويضيف أن شيخ الأزهر كان يأتي في عصر الملك عن طريقة تزكية العلماء خمسة أشخاص فيختار الملك واحدًا منهم، وهذا الأمر كان يعطي وزنًا لمؤسسة عريقة ذات مكانة كبيرة في الأمة مثل الأزهر.

 

ويؤكد الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة أن هيئة كبار العلماء هي الأنسب لاختيار شيخ الأزهر، فتختار الأصلح والأكفأ والأعلم من بينها، وذلك من خلال تعامل هؤلاء العلماء مع الشخصيات المرشحة لهذا المنصب بشكل مباشر، بينما قد يأتي لنا التعيين بشخصيات ليست أهلاً لحمل مسئولية مشيخة الأزهر؛ حيث يكون هذا التعيين مقتصرًا على رأي شخصيات محدودة قد تفضل مصلحتها على مصلحة الأزهر والأمة.

 

ويضيف قائلاً: إن منصب شيخ الأزهر له أهمية عظيمة، فعليه يقع مسئولية قيادة علماء الأمة، ونشر الدعوة الإسلامية، وتحسين صورة الإسلام والمسلمين، كما يعول عليه جمهور الأمة مسئولية إقامة حدود الله؛ ولذلك يجب العمل على تطوير وإصلاح الأزهر الشريف من خلال اختيار شيخ لها يُعيد للأزهر أمجاده ومكانته التي سلبتها النظم المتلاحقة، عندما حوَّلت شيخ الأزهر إلى موظف عندها، وليس شيخًا مستقلاً يعمل عند المسلمين وليس الحكام.

 

انتخاب القاعدة

 الصورة غير متاحة

الشيخ جمال الخطيب

 

ويرى الشيخ جمال قطب رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف أن فكرة انتخاب شيخ الأزهر جيدة من حيث الموضوع، ولكنها غير ملائمة من ناحية التوقيت، فقبل البحث عن انتخاب شيخ الأزهر لا بد من تصحيح البيئة وإعدادها بانتخاب القاعدة التي يركن إليها ترشيح وانتخاب شيخ الأزهر، فيُنتخب عمداء الكليات الأزهرية، ورئيس الجامعة، وصولاً لشيخ الأزهر.

 

ويضيف أن مجمع البحوث بشكله الراهن وقانونه القائم لا يصلح كبيئة سليمة لإنجاز مهمة ترشيح الإمام وانتخابه، فضلاً عن أن مجمع البحوث في حد ذاته لا يمثل الأزهر بجميع هيئاته.

 

الإمام الأكبر

ويتفق معه الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر فيقول: إن الحديث عن انتخاب شيخ الأزهر كان ممكنًا فيما مضى قبل وفاة الشيخ سيد طنطاوي، فهذا الأمر يحتاج لتعديل تشريعي؛ حتى يسمح بترشيح وانتخاب شيخ جديد للأزهر، ولا يمكن ترك الأزهر بدون شيخ حتى تعديل القانون.

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد المعطي بيومي

ويرى أن هناك سماتًا شخصيةً يجب أن تتوفر في شيخ الأزهر الجديد؛ سواء كان معينًا أو منتخبًا، حتى يستطيع أن يجعل قامة الأزهر الشريف قامة جاذبة للجميع، ويضيف قائلاً: "هذه السمات تنحصر في قوة العلم؛ ليستطيع شيخ الأزهر بحجته العلمية إقناع الجميع، وأن يكون لديه القدرة على التعامل مع المشاكل العصرية بروح فقهية جديدة، فيفهم متطلبات العصر بروح الإسلام، بالإضافة إلى ملكة الاجتهاد، وكذلك القدرة على الإدارة السليمة للمؤسسات التعليمية، ويجب أن يكون مارس هذه الخبرة ليكون ملمًّا بكل أبعادها الإدارية وكيفية وضع المناهج التعليمية".

 

ويرفض د. بيومي بقاء شيخ الأزهر مدى الحياة في منصبه؛ ما يؤدي إلى اطمئنانه بعدم عزله وتراخيه في أداء واجبه تجاه الأزهر الشريف والأمة الإسلامية كلها، مطالبًا بضرورة تحديد مدة لتولي شيخ الأزهر المنصب؛ حتى يتجدد الدم في مشيخة الأزهر.