بعد تاريخ حافل بالأحداث، والفتاوى، والقضايا المثيرة للجدل فقهيًّا، وسياسيًّا في حق شيخ الأزهر شخصًا، ومنصبًا، خلا المنصب بوفاة الرجل الذي فاضت روحه، وأضحى في ذمة الله، وقد أفضى لما قدّم إلى ربه، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
وإن كان للسنوات السابقة من حديث، فلا تجوز إلا كدروس مستفادة، نستلهم منها العظة لمن كان له قلب وعقل.
وهنا يجب أن نقف قليلاً عند منصب شيخ الأزهر، سواء على المستوى المصري، أو العالمي، وما يمثلّه لكل مسلم في أرجاء المعمورة.
فتاريخ الأزهر يشهد بالآراء الحاسمة في كثير من المواقف السياسية، وقضايا التحرر، والمقاومة منذ الحملة الفرنسية على مصر، وصولاً لمناصرة الشعب الفلسطيني، وحماية المقدسات الإسلامية فضلاً عن كونه حامل لواء المذهب السنّي في العالم الإسلامي، وله يرجع الفضل في نشر الإسلام الصحيح في كافة قارات العالم أجمع، وتعليم الكثير من دعاة المسلمين من مختلف جنسيات العالم، كما أنه يعيش في نسيج الشعب المصري، فضلاً عن كينونته في أي مسجد وزاوية، وأي قرية وحارة بل كل شارع وبيت.
الذي يجب أن نتأمله، ونقف عنده هو أنّ شيخ الأزهر يمثّل الإمام الأكبر لأهل السنة في العالم، وهو أرفع منصب إسلامي، كما يعتبر سياسيًّا في مصر بدرجة رئيس الوزراء "فهو منصب عالمي قبل أن يكون منصبًا سياسيًّا داخل حدود الدولة المصرية، ومن يخلف شيخ الأزهر الراحل يهم الجميع.. العامة والخاصة، المسلمين وغير المسلمين، الشيعة والسنة، المعارضة والأغلبية.
وما دام الاختيار مقصورًا على المواطنين المصريين، فهذه فرصة لمصر إن أرادت أن تتبوأ مكانتها بين المسلمين، وتعيد لنفسها هيبتها في قضايا العالم الإسلامي أن تراجع كيفية الاختيار، وتدقق في من يشغل هذا المنصب وفق معايير محددة، كما كان متبعًا قبل ثورة يوليو 1952م عن طريق الانتخاب من خلال أعضاء هيئة كبار العلماء.
وكان النص الدستوري على اختصاص رئيس الدولة فقط بتعيين شيخ الأزهر على حساب استقلال مشيخة الأزهر الشريف، واحترام رأي جمهور العلماء.
إذن المطلوب بإلحاح هو مناشدة رئاسة الجمهورية أن تعيد آلية الانتخابات بين علماء الأزهر الشريف، ولو بإجراء تعديل يتيح لرئيس الجمهورية أن يختار من بين أعلى ثلاثة مرشحين حصلوا على أصوات علماء الأزهر.
ما يهمنا أن يحقق المنصب متطلبات محددة؛ كالحفاظ على مصالح الأمة الإسلامية، ومقدساتها، وتصحيح الصورة الذهنية للإسلام، والمسلمين في عيون الآخر، من خلال خطاب ديني جامع وشامل في معالجة قضايا الأمة كمنهج حياة، والتصدي لكل محاولات التشكيك والتغريب... حتى يعود الأزهر إلى الريادة ويسترد مكانته عالميًّا.
وبالنظر لأحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، والذي نال شرف العالمية من خلال انتمائه للعديد من المؤسسات العالمية ورئاسة الكثير منها كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومؤسسة القدس والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ويحظى بقبول على مستوى العالم العربي والإسلامي رسميًّا، وشعبيًّا وهو فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي؛ فإننا نكون بذلك اخترنا الرجل المناسب في المكان المناسب، وحققنا متطلبات هذا المنصب الرفيع، وأنا هنا لا أقصد القرضاوي شخصًا بقدر ما أقدّم نموذجًا يحتذى به في الاختيار.
أما إذا غضضنا الطرف في كل ما سبق.. فسيكون المنصب خاصًّا جدًّا "بريفت"، وسيشمل الأزهر الخصخصة كالتي سرت على القطاع العام لحساب القلة الحاكمة؛ وهو ما يكرّس أوضاعًا تخالف رغبة جمهور العلماء وتصطدم بالرأي العام المصري والعربي!!
ترى مَنْ سيكون الإمام الأكبر شيخ الأزهر؟!!
------------