أيها العلماء الأجلاء:

كيف تُستباح بلادكم من أبناء القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وناقضي العهود والمواثيق، ولا تغلي الدماء في عروقكم؟!

 

إنكم أيها الأعزاء أبناء العظماء الذين كانوا حراسًا أمناء للإسلام والمسلمين، فكان الإسلام قضيتهم، ودولته دولتهم، نصروا الله فنصرهم الله، وكانوا من الصادقين.

 

أيها العلماء: إن مقدساتكم تستنهضكم، وتستفز عزائمكم، وتدعوكم أن تقوموا لله مثنى وفرادى فتتفكروا في هؤلاء الحكام الذين نصبهم أعداؤكم على رقابكم، فخُذوا على أيديهم حتى لا يصيبكم الله بما يصيبهم من العذاب، فإن المصيبة إذا وقعت فهي تصيب الظالمين بظلمهم، وكذلك تصيب الساكتين على الظلم.. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال).

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي عن طريق أبي بكر (رضي الله عنه): "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".

 

ففروا إلى الله أيها العلماء وانتصروا لدينكم، وأعلوا راية نبيكم صلى الله عليه وسلم، إن المقدسات تستنصركم فانصروها، وتستعين بكم فأعينوها، وإنكم على ذلك لقادرون بإذن الله.

 

فإن كلمتكم المخلصة القوية لله لهي السيوف التي تُبقي قوائم الكراسي التي يجلس عليها حكامكم قائمة، فإن تخلت عنها تلك السيوف تكسرت تلك القوائم وتناثرت، وهوى الحكام عنها.

 

أنتم أبناء الأزهر وعلماؤه:

منار العلم- رمز مصر والمصريين والإسلام- كان ولا يزال دوره الروحي خالدًا في مقاومة شتى تيارات الإلحاد، والانحرافات، والمذاهب الهدامة، والذي يمثل عطاءً روحيًّا للمسلمين في شتى بقاع الأرض، ويبين الوجه المشرق، والوسطية السمحة لهذا الدين الحنيف، ولهذا كان الأزهر، ولا يزال، مصدر الدعوة الإسلامية إلى مختلف الأمم والشعوب، وباعث مئات العلماء إلى مختلف القارات.

 

قوموا، وانهضوا أيها الإخوة، ولا تنسوا دور الأزهر في مقاومة المعتدين المحتلين، والذين حاولوا اغتصاب أراضي مصر، ولا ننسى موقفه البطولي، ورجاله منذ حملة نابليون على مصر، ومحاولته احتلال مصر.

 

قاد من قبلكم عمر مكرم، والشيخ الشرقاوي المقاومة ضد نابليون؛ حيث ألَّف الأزهر لجنة لتنظيم الثورة ضد الفرنسيين، وقامت هذه الثورة في أكتوبر سنة 1778م، واحتشدت الجموع في الأزهر ينادون بالجهاد ضد الفرنسيين، وهاجموهم، ومعسكراتهم، وقتلوا جنرالهم في القاهرة.

 

وقاد الأزهر عديدًا من الحركات ضد الحملة الفرنسية كما قُتل الجنرال الكبير قائد الحملة الفرنسية بعد نابليون على يد طالب أزهري سنة 1800م، وأعدم الأزهري، وهو البطل سليمان الحلبي، فلقد قاد الأزهر ثورة مصر والمصريين ضد الفرنسيين في ثورة القاهرة الأولى بقيادة الشيخ السادات، وثورة القاهرة الثانية برئاسة عمر مكرم، وبعد خروج الفرنسيين قاد الأزهر وعلماؤه رغبة الشعب في حكم أنفسهم بأنفسهم، واختار علماء الأزهر محمد علي واليًا على مصر، وطالبوا بخلع خورشيد باشا الوالي العثماني فاستجاب لهم السلطان العثماني، ووقفوا بعد ذلك ضد محمد علي عندما اغتصب الأوقاف، وأرهق الشعب بالضرائب.

 

ووقف الأزهر ضد الحملة الإنجليزية على مصر عام 1807م، وأفتى علماؤه بوجوب الجهاد، وقاد الأزهر وعلماؤه الثورة العرابية حتى أن عرابي زعيم الثورة أزهري، وأغلب رجال الثورة العرابية من الأزهر مثل عبد الله النديم، والشيخ محمد عبده، حتى أن علماء الأزهر عزلوا الخديوي توفيق الذي شردهم، ونفاهم وصادر أملاكهم عقب فشل الثورة العرابية.

 

ووقف الأزهر وعلماؤه وقفة شجاعة ضد الإنجليز، وساندوا الحركة الوطنية المصرية وثورة 1919م، وقاد الأزهر حركة الشعب بقيادة علماء الأزهر، كما أن قائد الثورة سعد زغلول من رجال الأزهر، ومن على منبر الأزهر بدأت مقاومة الشعب المصري للعدوان الثلاثي على مصر 1956م.

 

حقًّا إن الأزهر رمز من رموز مصر، وقلعة من قلاع النضال الوطني فهو رمز لمصر والمصريين في مقاومة المعتدين، والحلم الذي يراودنا أن يعود الأزهر بكم إلى قوته، وصلابته في مواقفه كما سبق.

 

واجب الأئمة والدعاة والعلماء

علماؤنا الأجلاء:

إن الأمر جلل، والمصاب عظيم، والأمة تتوقع منكم نصرة تروي عطشها، وهبَّة لوجه الله تصحي الضمائر النائمة في سباتها العميق من أبناء هذه الأمة.

 

هبوا مع الناس بالخروج إلى الشوارع لا للهتاف، وإنما للاعتصام، ومسيرات لا تنتهي إلا بانتهاء الظلم والتواطؤ، فهبوا لنجدة الأمة لا بالبيانات فقط، وإنما بالاعتصام، والاستمرار حتى ننال نصرة إخواننا، ومقدساتنا فهذه فرصة جهاد حقيقية ننال فيها شرف الوقوف إلى جانبهم، ونفعّل بها قول الحبيب صلى الله عليه سلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".

 

فهيا علماؤنا تراصوا، ولا تخافوا في الله لومة لائم، قوموا فحمِّلوا الحكام العرب المسلمين مسئولية حماية المسجد الأقصى، وأكدوا لهم أن الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين فرض عين على المسلمين، وأن هدم الأقصى ليس علامةً من علامات القيامة أبدًا، وهو ما يعني أن على جميع المسلمين التحرك لحمايته بأجسادهم، وأن ما يحدث حاليًا من تجرؤ الصهاينة على المسجد الأقصى محنة سياسية، ومحنة اغتيال تقوم بها دولة مغتصبة لدولة مقدسة.

 

وحمِّلوا الحكام العرب والمسلمين مسئولية التخاذل عن مناصرة إخوانهم الفلسطينيين، والدفاع عن المسجد الأقصى.

 

قوموا وناشدوا العالم الإسلامي والعربي أن يقف وقفة رجل واحد أمام هذا الاغتيال، والاغتصاب، وأخبروهم بأنه يجب عليهم تقديم كل الدعم المادي والمعنوي للدفاع عن المسجد الأقصى ضد هؤلاء الصهاينة، الذين لا يعرفون حرمة لمقدسات أو لدماء بشر، وأن حروب اليوم لا تعتمد على الأفراد فقط، وإنما لا بد من تحرك الحكام، والجيوش الإسلامية للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى.

 

هبوا أيها العلماء فالأمل فيكم كبير:

أخرجوا البيانات التي توضح الحقيقة، وتكشف للناس الأمر، وإصدار الفتوى الشرعية في هذه الكارثة، وبينوا التصور الصحيح عن الكارثة الواقعة، ووضحوا الحقائق قدر الوسع والطاقة.

 

لتكن منابركم وسيلة لنصرة إخوانكم، وشرح قضاياهم لعامة الأمة، ألقوا الكلمات في المساجد، وفي شتى تواجدكم التي تبين الدور المنوط على الأفراد تجاه قضايا المسلمين.

 

أحيوا روح الجهاد في الأمة، وحاربوا الوهن المتمثل في حب الدنيا وكراهية الموت ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).

 

بينوا للجميع حقيقة الصراع مع اليهود المعتدين بشقيه العقدي، والسياسي، وأن كرهنا لليهود وحربنا لهم لا تنطلق من منطلق الرغبة في القتل، وإنما من منطلق الدفاع عن العقيدة ورد العدوان، واسترداد الحقوق ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: من الآية 82).

 

أكدوا أن القضية تخص المسلمين، والعرب جميعهم، وردوا على الشبهات، والأقاويل، والمزاعم المنتشرة بين عوام الجماهير العربية والمسلمة، والتي تفت في عضدهم، وتخذلهم عن نصرة إخوانهم.

 

ادعوا القيادات العربية، والإسلامية إلى وقف التطبيع مع الكيان الصهيوني، وادعوهم إلى تبني الخيار الصحيح والناجح في التعامل مع العدو الصهيوني، وهو خيار المقاومة، والصمود، وتعبئة الأمة.

 

أعلنوا وبينوا تأثيم الضمير الإنساني العالمي لسكوته عن الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، ومقدسات المسلمين، وغضه الطرف عن الصلف اليهودي.

 

وضِّحوا أن الإرهاب هو ما يقوم به الكيان الصهيوني، وليس ما تقوم به الحركات الجهادية من مقاومة مشروعة، ومتعينة للاحتلال الغاشم.

 

طالبوا الحكام العرب والمسلمين بتكوين جيش إسلامي عربي موحد تحت قيادة إسلامية موحدة؛ وذلك لتحرير القدس من أيدي المحتل الغاصب فإن لم يستطيعوا ذلك فعليهم أن يفتحوا الحدود أمام المجاهدين من أبناء الأمة الإسلامية ليذهبوا إلى فلسطين، والأقصى الأسير مسرى الرسول الأمين ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ (الإسراء)، وإن ماتوا فإنه فخر لهم، وشرف، وإن كُتب لهم النصر فمن عند الله، أما إن لم يستطيعوا فعل هذا، أو ذاك فعليكم بالاعتصام أمام مقر جامعة الدول العربية حتى تنفذ مطالبكم.

 

يا خلفاء العز بن عبد السلام يا خلفاء الشيخ الشرقاوي الذي شكا له الفلاحون من إحدى قرى بلبيس من ظلم محمد بك الألفي، وجنوده وأتباعه، فبلغ الشيخ الشكوى إلى مراد بك وإبراهيم بك، فلم يفعلا شيئًا فعقد الشيخ اجتماعًا حضره العلماء والطلاب؛ حيث استقر الرأي على مقاومة الأمراء المماليك بالقوة، وعندئذ أمر الشيخ الشرقاوي بإعلان إضراب عام بإغلاق الأسواق، والمحلات، وفي اليوم التالي سار، ومعه الجماهير إلى منزل الشيخ السادات، وهو من كبار علماء الأزهر، وكان منزله قريبًا من قصر إبراهيم بك الذي فزع من ثورة الشعب، وبادر بإرسال رئيس ديوانه ليسأل عن مطالب العلماء، وحاول المماطلة، لكن العلماء بزعامة الشيخ الشرقاوي أصروا على موقفهم فأرسل إبراهيم بك إلى العلماء معتذرًا، واجتمع بهم ونفذ مطالبهم.

 

وهذا عمر مكرم الذي ذهب ووفد من العلماء إلى محمد علي لإلباسه خلعة الولاية بعد أن اشترطوا عليه أن يحكم بالعدل، ويقيم الأحكام، والشرائع، وألا يفعل أمرًا إلا بمشورة العلماء وفي حالة مخالفته يتم عزله.

 

ولا ننسى الشيخ محمد الخضر حسين: كان يتنقل بين الأقطار منددًا بالاحتلال عن طريق الخطابة في المساجد، والكتابة في الصحف والمجلات، وكان ينادي بضرورة نبذ الخلافات بين المسلمين من أجل الوقوف ضد الاستعمار، ومن أقواله: (إن فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين).

 

وعندما كان شيخًا للأزهر دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث، فاتصل الشيخ بهم وأنذرهم، إن لم يتراجعوا عما قيل فإنه سيلبس كفنه، ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله، وكان له ما أراد.

 

ونختتم بالشيخ المراغي مع الملك فاروق: عندما طلق الملك فاروق زوجته الملكة فريدة أراد أن يحرمها من الزواج من بعده، وطلب من الشيخ إصدار فتوى بذلك، فقال: (أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه)، ولما غلظ عليه الملك فاروق صاح الشيخ: (إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله).

 

أيها الفضلاء:

قولوها، وأنتم والله لقادرون بإذن الله، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب).

 

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران).

 

وكونوا مع الذين قال فيهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قيل يا رسول الله أين هم؟ قال: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس" أخرجه الإمام أحمد.

 

والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وأجرى الله الحق على ألسنتكم يا ورثة الأنبياء، وتقبل الله منا، ومنكم صالح الأعمال، وجزاكم الله خيرًا، وصلى الله على البشير النذير وعلى آله وصحبه والتابعين.

-------------

* من علماء الأزهر الشريف