من منَّا لا يبحث عن السعادة؟، ويسعى جهده ليعيش العمر بين رياض الأفراح والاطمئنان مستمتعًا بكل ما يحب, ولا أحد يريد الشقاء, لا أحد يتمنى ملاقاة الأحزان, بل كل إنسان يدفع عن نفسه وأحبابه كل أسباب الآلام والتعاسة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
بل قد يدفع البعض في سبيل ذلك ويضحي بما يراه غيره سفاهة وحمقًا, ففي سبيل البحث عن السعادة ودفع الشقاء يضحي البعض بأموال.. أو أوقات.. أو راحة؛ بل قد يضحي بكرامته.. ببعض أهله.. بل.. بدينه!.
ومن العجب أن الله عز وجل لم يرض لعباده إلا أن يعيشوا حياتهم كأجمل وأمتع وألذ ما تكون الحياة, وأرشدهم-سبحانه- بل دفعهم دفعًا ورغَّبهم ترغيبًا أن يعيشوا في جنات هانئين سعداء، وهم بعد لا زالوا في دنياهم, ثم جعل هذه الجنات- جنات الدنيا- أكبر وأيسر السبل للفوز بجنات الخلود, فما أعظم وأرحم وأكرم ربنا, وما أشقى العبد إذا أدبر.
ما أشقى العبد إذا أدبر عن مولاه الحق الأكبر..
ما أشقاه حين يضيع بين دروب الغفلة يجأر..
والله المولى يدعوه أن يحيا ليلاً ونهارًا في جنات لا تغرب فيها اللذات..
أن يتذوق في دنياه نعيم القرب..
أن يعلم قدر كرامته عند الرب.
من أجلك أنت..
من أجلك أنت جعل الله في الدنيا هذي الجنات..
أولها جنات لا تفنى فيها اللذات..
تسع الناس جميعًا تتنوع فيها الآيات..
هل جربت نعيم الذكر؟
أن تلزم في يومك بستانًا..
أو تتنقل بين الأذكار..
يومًا تحمد طول اليوم..
أو تستغفر أو تلهج بالتكبير..
أو لا تفتر عن... (لا إله إلا الله)..
أو بصلاتك وسلامك لرسول الله..
حين تجرب طعم الذكر, وتعيش بقلبك وتذوق بروحك حلو الثمر, سترى كم تندم, وستبكي أيامًا وليالىَ مرت حرمت نفسك فيها جناتِ الذكر.
ومن الجنات أن تدعو ربك..
أن تحيا قدرًا من وقتك..
ما بين ثناءٍ ورجاء..
أن تشعر قربك من مولاك..
وتعيش بروحك في الملأ الأعلى..
تتلذ بحديثٍ لا يشبهه أيُ حديث..
ما أجمل أن توقن أن إله الكون قريب منك..
يسمع منك..
يجيبك..
ويحبك أن تدعوه.
ومن الجنات العظمى أن تقرأ آيَ القرآن..
أن تسمع آيَ القرآن..
وتردد آيَ القرآن..
حين يصير نشيدك وأنينك آيَ القرآن..
حين تزول همومُك بالقرآن..
حين يزين ليلك ونهارَك هذا القرآن..
حين يلون جلدَك ويعطر أنفاسَك هذا القرآن..
حين تعيش نعيمَ القرآن..
حين تعيشُ ستعلم..
تعلم كم ضيعتَ من الجنات..
كم ضيعتَ من الخيرات..
حين هجرتَ القرآن..
حين حُرمتَ من القرآن.
ومن الجنات أن تركعَ والناسُ نيام..
أن يشرقَ ليلُك..
أن تحيا بين الكرماء..
لتنال الشرفَ الأسنى..
وتصلي كالملأِ الأعلى..
أن تتلذذَ بالصلوات..
وبطولِ سجودٍ وركوعٍ
وقيامٍ بين يدي مولاك..
أن تحيا عبدًا يتقرب..
يتشوق لقدوم الليل..
يتغذى بقيامِ الليل.
ومن الجنات أن تشرقَ منك الأنوار..
أن يسعد بفعالك غيرُك..
أن يختارَك ربُك لسعادة إنسان..
أن يجري الله الخير على كفيك..
في أمر الدين أو الدنيا..
ما أجمل أن تصبح للخير سفيرًا..
أن تصبح عنوانًا للأفراح..
تهرب لقدومك أحزان..
أن تحمل نعمَ الله إلى خلقه..
فتنال إذا أخلصت عظيمَ الدرجات.
ومن الجنات أن تقضي يومك صومًا..
أن ترقى روحك..
تتعالى فوق مطالب جسد فانٍ..
تتشبه بالملأ الأعلى..
من غير طعام وشراب..
بل تتغذى بالحرمان..
حتى تتطهر روحك..
وتَضمرَ في النفس دواعي الشيطان..
أن تبقى طول نهارك موصولاً بالرحمن.
ومن الجنات أن تدمنَ قرعَ الباب..
أن لا تخلو من ذكرك ساحاتُ القرب..
أن تمرحَ بين الطاعات..
وتمازجَ بين القربات..
أن لا تُشغَلَ عن مولاك.
فهلم لهذي الجنات..
لا تَحرمْ نفسك..
أنت أحقُ بهذا وأولى..
لا إيثارَ... في القربات..
عاهد ربك وابدأ..
من هذي اللحظةِ فابدأ..
حسبك من عمرك ما فات..
وفقنا اللهُ لما يَرضى..
واذكر عبدًا ذكَّرَك الخير بفضل الله..
لا تنسونا بالدعوات.
--------------