لم يفاجئني كثيرًا ما أذاعته وسائل الإعلام عن تنصر مصعب ابن القيادي البارز في حماس الشيخ حسن يوسف؛ وذلك لما أعرفه نظريًّا وعمليًّا عن الوسائل الحديثة والمبتكرة للتنصير أو لتكوين الطوائف المنشقة عن الأديان السماوية مع الانتساب إليها والإلحادية أو اللا دينية.

 

وكثيرًا ما رأيتُ المشاهد نفسها التي يُعظمها الإعلام الغربي إذا كان المتحول عن دينه مسلمًا، وسمعتُ الكلمات البلهاء نفسها وهي تتردد ألسنة لا تعي ما تم تلقينه لها، بغرض استغلال الخبر في دعاية واسعة وعريضة، هدفها التشويش على الدعوة الإسلامية التي تجتذب- في صمت- مئات الآلاف سنويًّا، ولزعزعة العقيدة في نفوس ضعاف القلوب، وخلخلة الثقة لدى أقرباء وأصدقاء وأقارب ذلك المرتد عن دينه.

 

دراسة فرنسية

وأعرض هنا دراسة فرنسية لخبراء أوربيين مختصين في مجال عمل الطوائف، لشرح أساليب عمل المنصرين والطائفيين في الإيقاع بضحاياهم من خلال التلاعب بالقوى والمدارك الذهنية، والذي يعد من أشد الإهانات للكرامة البشرية، وهو السبيل الأقصر للنظم الشمولية والعنصرية مثل النازية والستالينية.

 

وما يجب التنبيه عليه هنا هو التجاوزات والانتهاكات الخطيرة التي يتبناها المنصرون وأصحاب الطوائف من استخدام تقنيات متطورة في التلاعب الذهني، تفوق (غسيل المخ) حتى يسلم المدعو- بكامل إرادته- تبعيته لتلك الطائفة التي يتوهم أنه سيجد بها حلولاً لمشاكله وتسيطر على أفكاره.

4 خطوات

ولا يشعر الضحية بما يتم له دون علمه من تخطيط غايةً في الدقة، يتبع أربع مراحل رئيسية في التلاعب بالمدارك الذهنية، وهي:

 

1- الاقتراب أو المبادءة:

وفيها ينتشر المضللون من خلال أعمال تلهب الفضول مثل برامج التطوير الذاتي وعبر النشاطات الإنسانية والبيئية والثقافية والتعليمية، الطب البديل، العلاج النفسي، الغيبيات  وغيرها، ليتم الكشف عن الأشخاص الذين تتوفر فيهم إمكانية الاتباع.

 

ويتم اختيار هؤلاء الأشخاص اعتبارًا لهشاشة طباعهم، ويُفضل المصابون بالاكتئاب والفاشلون في الحياة الدراسية، المهنية أو العاطفية، والعاطلون عن العمل أو من هم في حداد.

 

2- الإغراء:

وفي تلك المرحلة تكثر الوعود المؤملة بالخروج من الصعوبات، والشفاء، وحل كل المشاكل؛ وذلك مع مدح الضحية والثناء على إمكاناته، التي لن يستفيد منها إلا داخل الطائفة، التي تواصل تهنتئه وتمجيده باستغلال حاجة أي بشر إلى الاحترام والتمجيد.

 

وينهمر على المدعو وابل من الحب أو الصداقة، يشعر منه أنه وجد أسرته الحقيقية، وأن عهد وحدته انتهى ليبدأ عهد قوته مع كونه يمثل جزءًا من النخبة، ويتم استخدام لغة سرية مشفرة، غامضة المفردات، لتكون أداةً متعلقةً بالذاكرة تدعم حفاظ مذهب الطائفة، مع عزل أفراد الطائفة عن بقية العالم، وتعزيز الشعور بالوحدة مع فكرة الانتماء للنخبة.

 

ولا بد من إقناع الضحية خدمته لقضية بوسائل مقبولة أولاً وبعد دخول التابع مرحلة "التزام عاطفي" داخل الطائفة، فإن جميع "الوسائل" تصبح جيدة للدفاع عن قضيتهم ولو بالكذب، والمناورات، والخدع والتضليل والسرقة والاختلاس والتهديد، والابتزاز، وحتى جرائم القتل، الانتحار الجماعي.

 

الوحي والتنوير

3- الإقناع:

وفيها يتم عرض معلومات على كونها حقائق علمية لا شك فيها، واستخدام الخدع وتزييف الأدلة، والتزوير، شهادات مغلوطة، لتزييف المغالطات، وفي بعض الحالات، "الحقيقة" قد تكون سرية، حتى تمنع الطائفة أو المعلم من دائرة النقد الخارجي.

 

والتابع، باستفادته من هذه "الحقيقة"، فإنه يصبح "نيرًا" أكثر، أكثر معرفةً متمتعًا بـ"حالة عليا من الوعي"، وبفضل هذه الحالة، فإنه لم يعد له أي شك؛ لأن يعتقد أن يمتلك الحقيقة ولديه الأجوبة عن أي أسئلة.

 

ويقتنع التابع بأن رئيس الطائفة قد تلقَّى "وحيًا" و"تنويرًا"، ومن غير المجدي له التساؤل أو التفكير بنفسه، بل يجب عليه الانقياد، وسيصبح بالتالي أكثر قدرةً على فهم الحقيقة، وهناك طريقة أخرى للوصول إلى ذلك، وهي ضمان أن يكون التابع مشغولاً باستمرار.

 

ويتم استخدام مشاعر الخوف والقلق، من خلال اللعب على الحاجة لأمن الجميع، ويتم إقناع التابع أنه بدون حمايته، فإنه سوف يتعرض لسوء أو كارثة، واستخدام نزوع البشر لامتثال أعضاء المجموعة الآخرين، وينشأ داخل التابع اعتمادًا متزايدًا على المجموعة يصل إلى حدود الاندماج الكلي، وانعدام الاستقلالية وحس المبادرة.

 

اغتصاب نفسي

4- التغريب:

إصدار الطائفة تعليمات أو رسائل متناقضة: هذه التغييرات في الاتجاه أو الموقف دائمًا تُشرح للتابع بطريقة ذات مصداقية، ويترتب عليها خلط في ذهن التابع حول قيَم الطائفة- بين ما هو مسموح أو غير مسموح به- وزيادة الشعور بالذنب والتردد في أخذ القرارات، وبالتالي استسلامه وانقياده للطائفة، وبالنسبة للطائفة، فإن مجموعة هذه الإشارات المتناقضة التي تُصدِرُها تمثل نظامَ دفاع فعَّال في حالة اتهامها.

 

واستخدام المعالجات النفسية: بتحريف المعالجة النفسية عن هدفها لتصبح وسيلةً للتغريب وزعزعة استقرار التابع عن طريق العمل على التشكيك في رؤاه فيما يخص العالم الخارجي ورؤاه حول نفسه، فالعلاقة المتميزة بين التابع- المريض- ومعالجه واكتسابه معارف جديدة تُسهل إعادة تشكيل شخصيته.

 

ومن أمثلة أساليب العلاجات النفسية التي تستغلها الطوائف: تحليل المعاملات، البرمجه اللغوية العصبية (NLP)، التنويم المغناطيسي، السوفرولوجيا (تأثير بعض حالات الوعي على الجسم)، ويستخدم المضللون طلب المجاهرة بحديث النفس على الملأ، ليكشف التابع معظم أفكاره الأكثر حميمية أمام المجموعة، ما يزيل أي حميمية ويعزز الشعور بالذنب، هو أقرب إلى "الاغتصاب النفسي"، وبالإضافة إلى ذلك، قد تسعى الطائفة إلى التسجيل السمعي البصري الذي قد تستعمله كوسيلة للابتزاز ضد التابع إذا تمرد.

 

وبعد المجاهرة بحديث النفس على الملأ، قد يتخلى التابع عن كل حياء، عن كل القيم الأخلاقية أو عن أي محظورات بشأن مواضيع معينة، ويُمثل هذا الأمر وسيلة لاشتراكه أكثر فأكثر فيما يتعلق بأعمال الطائفة ودفعه للانخراط في أطروحات غريبة أو ممنوعة.

 

وكذلك تكون الحياة الجنسية مؤطرة طائفيًّا، ويكون التأطير إما بالتقييد أو على العكس بالتساهل، وقد تذهب بعض الطوائف إلى حدود الإجبار على التزويج أو التحريض على الاعتداء الجنسي على الأطفال، أو حتى على الزنا بالمحارم.

 

اجتثاث

وبالمديونية يعتمد ماليًّا على الطائفة ويُهيأ للبقاء بصورة متزايدة على ذمة الطائفة، ويسهل انقياده التابع إلى السلطة، مع الجو العام المحيط وشبه الانغلاق على النفس، وتتبع الطائفة جدولاً زمنيًّا مملوءًا جدًّا، يصاحبه تغذية ضعيفة وغير متوازنة، مع الحرمان من النوم، وفقدان مفهوم الوقت، سواء ليلاً أو نهارًا، ترديد أناشيد إيقاعية مضجرة، في وتيرة قريبة من إيقاع ضربات القلب، لخلق حالة التعب المزمن لا تعد تسمح للتابع بتحليل الحالات التي يجد نفسه فيها وانتقادها.

 

ولزيادة الاعتماد على الطائفة تُفرض قيودٌ صارمة تحت ذريعة البحث عن التواضع، فيطلب التابع الإذن من طرف بناء تنظيمي هرمي على درجه عالية من التنظيم البنيوي؛ وذلك للقيام بأتفه الأعمال، وأثره هو الحد تدريجيًّا من حرية إرادة التابع.

 

وتعمل القطيعة مع بيئة التابع الأصلية على تجنب تأثيرات العالم الخارجي "الجاهل" الذي قد يعرض للخطر "نهضته الشخصية"، فإن التابع لا يمكن أن يتلقى زيارات أو رسائل أو مكالمات هاتفية.

 

وقد تلجأ الطائفة للاجتثاث الجغرافي والثقافي واللغوي، وحرمان الضحية من هويتها فيتم تغيير الاسم (من أجل "النهضه" الروحية) ويقطع التابع من البيئة السابقة، مع اختراع الأعداء والمؤامرات والتهديدات الخارجية حقيقية أو خيالية؛ لتعزيز الروابط داخل الطائفة ودفع التابع إلى العمل في السر والانطواء على نفسه.

-----------------

* كاتب ومفكر مسلم مقيم بفرنسا