مولد الرسول صلى الله عليه وسلم يعد مولد أول رب بيت مسلم في الرسالة الخاتمة؛ بل وهو النموذج، والأسوة الحسنة لكل رب بيت على مر الزمان والمكان، في كل صغيرة وكبيرة تخص البيت المسلم.
البيت المسلم صاحب الرسالة
كان زواج الرسول صلى الله عليه وسلم زواجًا فريدًا، وتفرده يكمن في طرفيه، وغايته ونتيجته وأثره، فطرفاه فريدان، طرفه الأول محمد بن عبد الله، صفوة الخلق، خاتم الأنبياء والمرسلين، إمام الأمة يوم الدين، وطرفه الثاني خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، ذات الشرف والنسب، وغايته رسالية، ونتيجته نشر خاتمة الرسالات، وهو الأسوة لكل المسلمين على مر العصور.
من صفات البيت صاحب الرسالة
1- المودة والرحمة: ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس معاشرةً وودًّا ورحمةً بأهله "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، فنراه شديد الود، والوفاء للسيدة خديجة- رضي الله عنها- وحين ذكرها بعد وفاتها، وبحضور إحدى صاحباتها، غارت من ذلك السيدة عائشة- رضي الله عنها- قائلةً: "وهل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها؟!" فردَّ قائلاً: "لا، والله ما أبدلني الله خيرًا منها!، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ووآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء".
2- المعاشرة بالمعروف:
معاشرة بالعدل والمعروف والتقوى.. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: من الآية 228)، ويقول تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء:19)، إنها عدالة في الحقوق والواجبات.. "تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت"، وكان ابن عباس- رضي الله عنهما- تنفيذًا لهذه الأوامر يتزين لامرأته كما يحب أن تتزين له، حتى إن هذه الأسس تُـستصحب في أصعب حالات الحياة الزوجية من الطلاق والتسريح، يقول تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 28)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: من الآية 2).
3- تعاون الزوجين على نشر الدعوة:
عندما بُعث النبي صلى الله عليه سلم، كانت السيدة خديجة أول مَن آمن بالله ورسوله وصدقته فيما جاء به عن ربه، وآزرته على أمره، فكان صلى الله عليه سلم لا يسمع من المشركين شيئًا يكرهه- من تكذيبٍ له أو استهزاء به- إلا فرَّج الله عنه بخديجة، التي كانت تثبته على دعوته، وتخفف عنه، وتهون عليه ما يلقى من قومه من المعارضة والأذى؛ حث رسول الله الزوجين على التعاون على الطاعة، فقال: "رحم الله رجلاً قام في الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء".
4- حفظ أسرار البيت:
حثَّ الرسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجين على كتمان سرهما، ومثل إفشاء سرهما بعمل الشيطان، فعن أسماء بنت يزيد- رضي الله عنها- (أنها كانت عند رسول الله والرجال والنساء قعود عنده فقال: "لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها"، فأزمَّ- سكت- القوم، فقلت: أي والله يا رسول الله إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون، قال: "فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في الطريق فغشيها، والناس ينظرون" رواه أحمد.
الأب صاحب الرسالة
كان صلى الله عليه وسلم يفرح لمولد بناته رضي الله عنهن، فقد سُرَّ- صلى الله عليه وسلم- لمولد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وتوسَّم فيها البركة واليمن، فسماها فاطمة، ولقبها بـِ(الزهراء)، وكانت تُكنى أم أبيها.- أم المؤمنين خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها- كانت إذا ولدت ولدًا دفعته إلى مَن يرضعه في البادية حتى ينشئوا على الفصاحة، والشجاعة كما كانت عادة قريش.
- هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء البيوت المسلمة الجديدة:
من حق البنت على الأب أن يزوجها من الرجل الكفء.. والكفء معروف هو صاحب الدين، والخلق قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "إذا أتاكم من ترضون خلقه، ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (أخرجه الترمذي)، وقد زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- جميع بناته من خيرة الرجال: فزوج زينب- رضي الله عنها- من أبي العاص بن الربيع القرشي- رضي الله عنه- وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد، وأبو العاص كان من رجال مكة المعدودين مالاً، وأمانةً، وتجارةً، وقد زوجه النبي- صلى الله عليه وسلم- من ابنته زينب عندما طلبت منه أمها خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها- أن يزوجها له فوافق النبي- صلى الله عليه وسلم- على طلبها، لما يعرف من رجاحة عقلها وثقتها بابن أختها فكانت تعده بمنزلة ولدها.
وزوَّج النبي- صلى الله عليه وسلم- رقية من عثمان بن عفان- رضي الله عنه- الخليفة الراشد الزاهد الجواد السخي الحيي، وكان من أبرز أخلاقه وأشدها تمكنًا من نفسه خلق الحياء، الذي تأصَّل في كيانه؛ لذا فقد أشاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- بهذا الحياء الواسع العميم فقال: "إن عثمان رجلٌ حييّ"، وقال- صلى الله عليه وسلم: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" (أخرجه مسلم).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه كثيرًا فلما توفيت رقية- رضي الله عنها- زوجه النبي- صلى الله عليه وسلم- بأختها أم كلثوم، ولما ماتت أم كلثوم قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان".
وزوَّج فاطمة- رضي الله عنها- من علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ابن عمه- صلى الله عليه وسلم- وكان أول مَن آمن برسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الصبيان، وكان قد تربى في حجر الرسول- صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام، ولم يزل علي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى بعثه الله نبيًّا.
- صداق بنات النبي صلى الله عليه وسلم:
فقد زوَّج النبي- صلى الله عليه وسلم- بناته على اليسير من الصداق فبعد أن تمت الموافقة على زواج علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- من فاطمة الزهراء- رضي الله عنها- سأله النبي "ما تصدقها؟" فقال علي: "ما عندي ما أصدقها"، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- "فأين درعك الحطمية التي كنت قد منحتك؟" قال علي: "عندي". قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "أصدقها إياها"، فأصدقها وتزوجها وكان ثمنها أربعمائة درهم، أخرجه ابن سعد في الطبقات، وهذا كان هو صداق بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وزوجة رابع الخلفاء الراشدين.
- الأب الحنون:
عندما أراد النبي- صلى الله عليه وسلم- الخروج لبدر لملاقاة قريش كانت رقية- رضي الله عنها- مريضة فأمر النبي- صلى الله عليه وسلم- زوجها عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أن يبقى في المدينة؛ ليمرضها، وضرب له بسهمه في مغانم بدر، وأجره عند الله يوم القيامة.
- ابتلاء الأب في الأبناء:
1- طلاق البنات.. ابنتا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: رقية وأم كلثوم طلقتا من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب ظلمًا بدون سبب إلاَّ أنهما صدقتا ما جاء به النبي- صلى الله عليه وسلم- من أنه أوحي إليه وأنه نبي هذه الأمة، العمل الذي أغضب قريش فقد تزوج عتبة بن أبي لهب من رقية بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾ (المسد)، قال أبو لهب: "رأسي من رأسك، حرام إن لم تطلق بنت محمد ففارقها قبل الدخول"، ولم يكتف أبو لهب بذلك بل أمر ابنه عتيبة أن يطلق أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم. وثبتت ابنتا الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الابتلاء العظيم وهما لم تقترفا أي ذنب بل صدقتا بالحق فأبدلهما الله بمَن هو خير من ابني أبو لهب.
2- موت بناته.. وقد يحدث أن يفقد الأب بعض أبنائه بموتهم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61)﴾ (الأنعام)، وكان- صلى الله عليه وسلم- في وفاة بناته- رضي الله عنهن- يشرف على غسلهن وتكفينهن، ويصلى عليهن ويدفنهن، ويقف على قبورهن ويدعو الله لهن.
البيت صاحب الرسالة والخدم
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أفٍ قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا"، والرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة لأمته، وهي إذا لم تستطع أن تصل إلى درجة الكمال التي بلغها صلى الله عليه وسلم فلتسدد ولتقارب.. (مسلم). قال صلى الله عليه وسلم "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي حره وعلاجه" البخاري. وبلغ من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يطيق أحدًا أن يقول: (كان عبدي وأمتي، وأنه أمر المسلمين أن يكفوا عن ذلك، وأن يقولوا فتاي وفتاتي)، (البخاري).
البيت صاحب الرسالة والجيران
ولقد تعلم الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم حسن معاملة الجيران فقد ذبحت لعبد الله بن عمرو بن العاص شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (متفق عليه).
أخيرًا..
لنسأل أنفسنا لو كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- بيننا الآن فهل سيجد في بيوتنا ما يسره؟ فإن كان الجواب نعم فلتحمد الله على توفيقه لك، وهدايتك إلى الطريق الصحيح, وإن كانت الأخرى فلتتسلح بالهمة العالية التي تسلح بها سلفنا الصالح، وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولتبدأ الطريق من جديد، ولا تعجز.
نتمنى أن نحيي ذكرى المولد النبوي في بيوتنا هذا العام تحت شعار "بيتي على نهج البيت المسلم الأول" الأول في الحب، التعاون، الإيثار، الطاعة، نشر الدعوة، الرحمة بالخدم, حب الجيران، التيسير على الأصهار في نفقات الزواج اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم، تقبل الابتلاءات ويكون لسان حالنا يقول لقضاء الله وقدره نعم يا رب حاضر يا رب.
ولنتذكر أن سر تميز البيت المسلم يكون ناتجًا من تميز رسالته التي أنشئ من أجلها.. رسالة الإسلام... وغايته التي يرجو كل أفراده تحقيقها.. رضا الله.