اللهم صلِّ على محمد صلاةً تنجينا بها من الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات، في الحياة وبعد الممات.
في ذكرى مولدك أيها الحبيب، يا صاحب الشفاعة، والحوض، يا ذا الخُلُق العظيم، طابت نفسي أن أذكِّر أحبابك من المسلمين التابعين لك السائرين على دربك من إخواني في الإسلام؛ أن أذكرهم بذكراك، بحديثي عن قول الله لك ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، فأحببت أن أسرح ويسرح معي مسلمو الكون في طيف، وسماء الأخلاق العظيمة التي كانت سمتك، وكنت لها سمتًا التي كانت أضواءً، وكنت لها المصباح، التي كانت قطرات، وكنت لها السماء، التي كانت طريقًا وكنت لها المُمِهد، التي كانت شفاء، وكنت لها الطبيب، ونعم الطبيب أنت، صلى عليك الله سيدي يا محمد حتى نلقاك.
وبعد..
ثناء الله على حبيبه في القرآن بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، إنما هو في حد ذاتها دعوة لكل مسلم بشخصه كي يكون محمديًّا ذا خلق عظيم.
ولنترك العنان الآن لنطوف حول قطوف من الأخلاق العظيمة الواجب أن يتحلى بها المسلم تأسيًا بقدوته ومعلمه محمد سيد الخلق:
ألا يكون حاقدًا ولا حاسدًا ولا أسود القلب، ولا قليل الأدب، ولا كثير الجدال، ولا متمنيًا للغير زوال نعمته ولا مبغضًا للصالحين بل لهم محب، ولا مستأنسًا بالفاجرين، ولا غاشًّا ولا كارهًا للحق ولا خائنًا ولا كذابًا، يراعي أحاسيس الناس، يبذل جهدًا لإسعادهم بل يجد سعادة غيره كسعادة نفسه، عذب الكلام طيب القلب، يحب الله والقرآن والسنة، يفرح لفرح الغير ويحزن لحزن الغير، متواضعًا في غير ذلة، لا يعرف للكبر، والغطرسة سبيلاً، مهمومًا بأمر الدعوة إلى الله، متابعًا لأحوال المسلمين، كل المسلمين عنده أبناء دين واحد، ورب واحد، ونبي واحد، ومحضن كبير واحد هو الإسلام، وأن الأتقى هو الأكرم عند الله، وأن الجميع في الله إخوة لقول الشاعر:
أخوَّة الدين يا قومي تنادينا بها يا قومي نحقق أمانينا
يلين في القول، يبتعد عن قسوة الكلام، يتعفف عن المزاح الذي لا داعي منه، يتقلل من الكلام يكثر من العمل، حيِيًّا في الطريق غير مؤذٍ لأحد، يساعد الغير ويفرح بذلك، ينفع الناس، يصبر على أذاهم، يميط الأذى ويبذل في ذلك الجهد، يوحّد الله كثيرًا ويصلي على الحبيب كثيرًا، ويستغفر كثيرًا فهي المفاتيح لكل خير، والسعد في كل كرب، يرقى دائمًا بعقله، وفكره ونفسه ذا همّة عالية دائمًا، واثقًا من ربه داعيًا لغيره مسخّرًا لله قلمه وللدين ماله وللدعوة وقته، حريصًا على وقته منظمًا لشئونه لا يخاف إلا ربه، لديه يقين بالله، وإيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع، لا يجرّح الآخرين، لا يسخر، لا يهمز، يلقي على الناس السلام إلقاء المسلم الذي يدلل حبه للسلام، وأهل السلام، رافعًا به صوته غير متمتم ولا هامس، يحترم الآخرين حتى وإن اختلفوا مع رأيه، يتأدب بأدب الحوار، لا يقاطع الغير إذا تكلم ولا يبدأ حديثه إلا إذا انتهى الآخر من حديثه.
لا يفعل بالطريق ما يزعج الآخرين، يدعو للخير دائمًا ينهى عن الشر دائمًا، لا يعطّل للغير مصالحه، يسعد بقضاء الحوائج، يجعل ذكر الله همّه الأكبر، فهو طريق الجنة وأفضل ما يحبه الله، ويرضاه، يقبّل أيدي والديه ويدعو لهما إذا توفيا، ليكن بارًّا بهما أحياءً وأمواتًا، لا يدخن، لا يشرب المسكر لا يفضح إذا نصح بل يستر فليس أفضل من الرب الستير.
يكون مع الناس كالشجر يقذفه الناس بالحجر، ويهديهم هو بأحلى الثمر، كيّسًا دائمًا فطنًا، واللبيب بالإشارة يفهم، والحر تكفيه الإشارة، طيّب المعشر، حسن التجاور، إذا اقترض من الغير يفي بسداده في موعده لا مماطلة، ولا مخالفة لوعد وعده، بل الوفاء والإنجاز، يتورع دائمًا عن التدخل في أمور غيره "فمن حُسن إسلام المرء تركه لما لا يعنيه"، "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا ينسى عندما يقف أمام المرآة أن يقول: بسم الله الحمد لله اللهم كما حسّنت خَلقي فحسّن خُلُقي.. كما كان قدوته محمدًا يفعل.
يوقن أن التأثير في الناس بتخلّقه بأخلاق حسنه هو أبلغ بكثير وأكثر في التأثير من أن يخطب فيهم أو يحاضرهم. فالتربية بالقدوة هي الحل، لا يكتفي بتحسين أخلاقه بل يجعل همّه أيضًا تحسين أخلاق أهل بيته، فهو راعٍ وكل راعٍ مسئول عن رعيته، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: من الآية 6)، يؤمن تمامًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن ليبلغ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم".
فهل هناك عظمة، وجمال أجمل من ذلك؟
اللهم أنا نسألك يا من أقرّ له بالعبودية كل معبود يا من يحمده كل محمود، يا من تنزّه عن الشبه والمثيل في الوجود أن تصل على محمد خير مبعوث، دعا إلى خير معبود، وعلى آله وصحبه أهل الكرم، والجود وعنا معهم برحمتك يا ودود.
اللهم صلى على محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم صلى الله عليه، وآله حق قدره ومقداره العظيم.