الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،

 

لقد شهد النصف الثاني من العام الماضي أحداثًا كثيرة، ومقالات، وتعليقات، واتهامات وردود، داخل وخارج الصف، أظهرت تباينًا كبيرًا عند البعض في فهم طبيعة جماعة الإخوان وعملها وأهدافها، وعلى الرغم من حدوث العديد من التجاوزات ممن كان ينتظر منهم غير ذلك، إلا أنني أعتقد أن ذلك من باب "..لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم.."، ثم قرأتُ تعليقات البعض على مقالٍ جيدٍ للأخ الحبيب د. محمد عبد الرحمن، فقررتُ أن أشارك في طرح أهم الثوابت والمتغيرات في جماعة الإخوان على الجميع بحسب فهمي وخبرتي المتواضعين، ليكون هذا المقال (مع تركيزه الشديد) امتدادًا لما سبق أن طرحه أستاذنا وشيخنا الأستاذ جمعة أمين، وبدايةً لحوارٍ جاد يُعمِّق الفهم ويُزيل الالتباس ويُوضح الغامض، عسى الله أن يتقبَّل من الجميع.

 

1- تعريف الثوابت والمتغيرات:

الثوابت: هي المبادئ والقواعد والأصول الشرعية، ثم الفكرية والدعوية والحركية والتنظيمية، التي يجب التزام الجماعة بها (قيادات وجنود)، ويعتبر الخروج عن بعضها (دون ضرورة أو مصلحة معتبرة تقدرها القيادة) نقضًا لبيعة الإخوان وفكرها وحركتها وتنظيمها.

 

المتغيرات: هي المواقف والقرارات والآراء والتبنيات والنظم واللوائح والوسائل القابلة للتعديل والتطوير حسب الحاجة دون اصطدام مع الثوابت (لغير ضرورة أو مصلحة معتبرة تقدرها القيادة).

 

2- أهمية الثوابت والمتغيرات:

1- كلاهما ضروري لوضوح الرؤية المتكامل، وفهم طريق الدعوة دون إفراط أو تفريط.

 

2- الثوابت تحافظ على أصول الإسلام، وأصالة الدعوة ومبادئها وأهدافها واستمراريتها، فتمنع بإذن الله الخلل والانحراف.

 

3- المتغيرات تعين على الاستمرار بلا جمود، والتكيف مع الواقع دون انحراف، والتجديد والتطوير دون خللٍ أو تحريف أو تفريط.

 

4- ثوابت الإسلام كلها هي ثوابت الجماعة، ثم يضاف إليها ما يلزم الجماعة لتحقيق أهدافها، ويحافظ على سلامة سيرها، ووضوح طريقها.

 

5- الأصل أن يتوحد كل المسلمين (جماعات وأفراد) على ثوابت الإسلام.

 

6- لا تستوي الثوابت الشرعية (ثوابت الإسلام) مع الثوابت التنظيمية والحركية، مع وجوب التزام الأخ بهما معًا عند بيعته للجماعة.

 

الثوابت والمتغيرات في الجماعة

1- دعوة الإخوان إسلامية بحتة في غايتها وفي وسائلها، لا تتصل بغير الإسلام في شيء؛ وذلك من الثوابت.

 

2- في العقيدة: عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم رسالة العقائد، والأصول المتعلقة بالعقائد في الأصول العشرين من الثوابت، ومن المتغيرات القضايا الخلافية بين العلماء المعتبرين: تناقش دون اتهام أو تناحر أو فرقة، وبسعة صدر وأخوة.

 

3- في الفقه والفهم: الأصول العشرون، ورسائل الإمام البنا، والالتزام باختيارات الجماعة الفقهية (لا خيار لأفراد الجماعة فيها) من ثوابت الجماعة (ومن أمثلة ذلك اختيار أن الشورى ملزمة للإمام، التضييق في مسائل إصدار الأحكام على عقائد المسلمين مثل التكفير...)، ومن المتغيرات القضايا الخلافية الفقهية (في غير اختيارات الجماعة، مثل: الخلاف في الأمور التعبدية وفي اللباس، والأمور الشخصية..) نلتزم فيها بأدب الخلاف (نعمل بما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه).

 

4- الشمول في الفهم والحركة والتربية والأهداف: من ثوابت الجماعة، ومن المتغيرات التقديم والتأخير حسب الحاجة والظرف، وتعديل الأهمية النسبية (الأوزان النسبية) حسب الواقع، دونما إنكار أو إغفال يناقض الشمول.

 

5- وجوب العمل الجماعي لإعادة الخلافة: فهو من أسباب وجود الجماعة وتكوّنها، وهو الهدف الرئيسي للجماعة، ومن ثوابت الجماعة.

 

6- وجوب الحكم بالإسلام وتطبيق الشريعة: فالحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، ويجعل الإخوان فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم (مع احتياج ذلك إلى كثيرٍ من التمهيدات والخطوات أولاً قبل الخلافة )؛ وذلك من ثوابت الجماعة، أما الوسائل والتوقيتات والأساليب الملائمة للواقع الداخلي والخارجي فمن المتغيرات.

 

7- أركان البيعة العشرة: التزام جميع أفراد الجماعة بها من ثوابت الجماعة.

 

8- التدرج في الخطوات: من ذلك المرحلية في سير الدعوة، ونبذ استخدام القوة كمنهج للدعوة أو التغيير القسري، والتربية العميقة المستمرة للأفراد، والتوسع والتقدم المناسبان لقدرة الجماعة (كما وكيفا بالتجميع والتربية)، ونسبية السرية (إخفاء بعض تفصيلات الأعمال وبعض مواقع الأفراد) والعلنية وتوازنهما حسب الواقع والظرف.. وكل ذلك من الثوابت، أما تحديد عدد المراحل، وخصائص كل مرحلة، ومدتها، وقياس انتهائها.. فمن المتغيرات.

 

9- حق القيادة في المفاضلة النسبية بين السياسات والمواقف الجائزة، وفي تقدير الضرورة والمصلحة الدعوية المعتبرة حسب الواقع أو المتوقع (غلبة الظن)، وتقديم المصحلة الأعلى، وتفويت المفسدة الأكبر، من الثوابت.

 

10- الضرورة والمصلحة الدعوية المعتبرة تكونان في الأمور الإجرائية والتنفيذية والحركية، لا في أمور العقيدة وأصول الفهم والأهداف الكلية؛ وذلك من الثوابت.

 

11- الشورى ملزمة: وهي اختيار فقهي للجماعة (مجلس الشورى هو أعلى قيادة في الجماعة)، وهذا من الثوابت.

 

أما الشكل والكيفية في اختيار الأعضاء واجتماعهم ونسب اتخاذ القرارات.. فمن المتغيرات حسب الحاجة والظرف.

 

12- البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب: من ثوابت الجماعة، أما طريقة التعامل معهم واقعيًّا فيخضع لقواعد الضرورة والمصالح المعتبرة ومحاولة تجميع الأمة، وهو من المتغيرات.

 

13- اسم الإخوان المسلمين: فهو علم لفكر وحركة وتاريخ، ولا يصح عدم إعلانه إلا لضرورة أو مصلحة معتبرة تُقدَّر بقدرها، مع وجوب بروز رموز تُعلن الاسم، ووجود الجماعة، ومواقفها، على الأقل في الفروع الكبرى؛ وذلك من الثوابت، أما وجود بعض واجهات لا تُصرِّح بالاسم لأسبابٍ تُقدِّرها القيادة فمن المتغيرات.

 

14- التربية: الفرد المؤمن المجاهد المنضبط الواعي هو الأصل في تحقيق أهداف الجماعة، وتربيته يجب أن تكون شاملةً وعميقةً ومستمرة، والأسرة هي المحضن التربوي الرئيسي، والعمل والبذل جزءٌ من تربية الأخ، وكل هذا من ثوابت الجماعة. أما تفصيل المناهج وتطوير الوسائل أو البدائل فمن المتغيرات بحسب الحاجة.

 

15- منهج التغيير: دعوى تربوي اجتماعي سياسي يعد الأمة لقبول ثم تبنى الإسلام ليحكم حياتها، ومراتب القوة أولها قوة الإيمان ثم قوة الوحدة والأخوة ثم قوة الساعد والسلاح؛ وذلك من الثوابت، ومن المتغيرات الوسائل ونسب التركيز والتنوع والأساليب.

 

16- التنظيم: وجوب الالتزام بنظم ولوائح الجماعة، ووجوب الالتزام بأركان البيعة، ووجوب الالتزام بمواقف وقرارات القيادة (الشورى ثم مكتب الإرشاد ثم المرشد)، من الثوابت التنظيمية في الجماعة، أما محتوى النظم واللوائح وتفصيلها فمن المتغيرات حسب الحاجة والواقع (تقدرهما القيادة).

 

17- الدعوة: الأصل في عمل الجماعة هو الدعوة إلى الله ونشر الإسلام وإقامة الخلافة؛ وذلك من الثوابت.

 

18- العالمية: فالإقليمية أو القطرية جزءٌ من كل، يؤدي دوره ضمن الرؤية والأهداف الكلية، فلا عصبية أو تنافس مذموم؛ وذلك من الثوابت. أما تقدير كل مكان لظروفه وواقعه واتخاذ ما يناسب ذلك فمن المتغيرات.

 

19- الجماعة أكبر من الواجهات وتديرها: فالجماعة هي الأصل، وكل المؤسسات والأحزاب والجمعيات واجهات للجماعة وخاضعة لتوجيهها وإدارتها؛ وذلك من الثوابت، أما أهداف وأدوار وصلاحيات وطريقة عمل كل واجهة تفصيلاً فمن المتغيرات.

 

20- العلاقة بالمسلمين الآخرين: تحكمها قواعد: التجميع لا التفريق، البعد عن مواطن الخلاف، التعاون على البر والتقوى، عدم إقرار بدعة أو باطل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك من الثوابت.

 

21- العلاقة بغير المسلمين: تحكمها قواعد: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، البر والقسط لغير المحاربين للإسلام أو المتآمرين عليه، عدم الموالاة لهم، عدم مجاملتهم على حساب الإسلام؛ وذلك من الثوابت في الجماعة.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين.