بين الحين والآخر أُغَيِّر المسجد الذي أصلي فيه صلاة الجمعة، وشاءت إرادة الله أن أدخل مسجدًا لَمَحت فيه عيناي أستاذًا بجامعة عربية عليه علامات تشير إلى أنه خطيب اليوم بديلاً عن الإمام الراتب، وبالفعل صعد المنبر وسلَّم وجلس.

 

وقلت في نفسي: اليوم يوم السماع، فأرهفت السمع، وأصغيت القلب، وقدحت الذهن، وخفضت الجناح؛ عساني وغيري أن نستمتع بكلمات ومعانٍ في وقت عزَّ فيه أن تجد خطابًا إسلاميًّا تجديديًّا واقعيًّا، ولكن عبثًا كان تصوري، فقد كانت اللغة صادمةً؛ لدرجة أني تذكرت معنى القضاء والقدر؛ حيث كانت العبارات بلا قواعد مطلقًا.

 

فقلت: دعك من هذا، وانظر إلى المعاني لعلها تغنيك فيما تشتهي؛ حيث كان الحديث عن ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ فضيلته في التعريف بنسبه، وتوقف للتعريف بمَن هو عبد المطلب بن هاشم جد النبي "صلى الله عليه وسلم".

 

فذكر أن هاشم من الهشم، والهشم هو إطعام الناس باللحم والثريد، فكان يهشم الناس به، فقلت: إلى هنا قد يتكلم عن الكرم؛ حتى يحثَّ الأغنياء على إطعام الفقراء والمساكين فيهشمهم كهاشم. لا سيما وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء صارت كالجدار العازل!.

 

فإذا به بعد أن خاب ظني يذهب إلى تعريف اسم عبد المطلب، فأضاف فضيلته أن هذا الاسم ليس هو الاسم الحقيقي للجد؛ لأن الاسم الحقيقي هو شيبة، وإن شيبة من الشيب، والشيب خصلة بيضاء في الشعر، وذكر أنه لا يعرف ما إذا كانت هذه الخصلة في مقدمة الرأس أم في وسطه أم كانت في القفا، حيث لم يتوصل أحد العلماء إلى مكانها!.

 

ثم كان أخوال شيبة في المدينة من بني النجار، فأقام معهم وسافر والده في رحلة تجارية إلى فلسطين فمات ودُفن بها، وترك شيبة في المدينة فإذا عمه المطلب يذهب للمدينة ليعود به إلى المدينة، فهو أولى به من أخواله، وأردفه خلفه على البعير، فلما رآه أهل مكة قالوا عنه: عبد المطلب ظنًا منهم أنه اشترى عبدًا فأطلق عليه هذا الاسم، وهم لا يعلمون أنه ابن أخيه!.

 

فقلت: ربما يعلق على هذا العلم الذي نجهله بشيء يرتبط بواقعنا! فلعله يحدثنا عن قبر والد شيبة، وما حوله من مقابر حَوَت من شابت رءوسهم من الأطفال والنساء؟!

 

أو لعله يحدِّثنا عن الحدود التي كانت مفتوحةً بين الجزيرة العربية والشام ومصر، وأنه لم تكن هناك تأشيرات أو جدر عازلة!.

 

أو لعله يحدثنا عن اليتامى أو عن الترابط الأسري الذي دعا المطلب أن يأتي بابن أخيه ليتولاه ويجفف دمعه ويحتويه في حضن قومه وعائلته!.

 

لكنه لم يفعل وراح يحدثنا عن زواج عبد الله من آمنة وعن الأسماء؛ حيث إن آمنة من الأمن، وحليمة السعدية من الحلم والسعادة، وكيف كانت الرضاعة، وهنا قلت: لعل ظني يخيب لو تحدث بتعليقٍ عن الأمن من أحد جوانبه الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو حتى الأمن القومي!.

 

أو يحدثنا عن الحِلم بكسر الحاء وضمها؛ حيث لا يوجد لدينا هدف قومي ونحلِم به ونلتف حوله بصبر جميل؛ حتى يكتمل ويؤتي أكله في حينه.

 

وأخيرًا انتهت الخطبة فلم أجد إلا أن أقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

 

ملحوظة: أود أن أؤكد أن هذه حالة.. أسأل الله أن لا تكون ظاهرة، قصدت من خلالها أن لا نقبل بتغييب العقول، وأن لا نسمح لأنفسنا أن نكون فريسةً للأوهام، فتضيع منا أحلام المستقبل فضلاً عن سرقة الواقع.

 

فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمةً للعالمين ثار على الظالمين، وانتصر للمظلومين، وأيقظ النائمين، وألهب مشاعر المخدَّرين، فسلام عليه في ذكراه، وسلام على مَن تأسَّى به في جهاده!.

 

فما نزلت آية الأسوة من سورة الأحزاب إلا في ميدان المعركة؛ حيث كان العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت عنهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا، في وسط ذلك كله كانت آية القدوة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

-----------------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري.