نعيش مع شخصية عالمية تاريخية، حاضرة، موثوق بها عند العرب وأهل الكتاب، ولم يسجل التاريخ عن رجل مثل ما سجل عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في شمائله وأوصافه، وأقواله وأفعاله حركاته وسكناته، حياته مع أهله وعشيرته وأصحابه ومعاملته مع أعدائه، رفع الله ذكره في العالمين، في الأولين والآخرين، في القرآن وفي الأذان الذي يرفع مع دورة الليل والنهار والصلاة عليه والشهادة له. وهو سيد الناس وأولهم يشفع في الجنة وأكثر الأنبياء تبعًا وأول من تنشق عنه الأرض. "وجبت له النبوة وآدم بين الروح والجسد" الترمذي في المناقب (حسن صحيح).
قال تعالى في حقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، فهذه أكبر شهادة له صلى الله عليه وسلم وقد سجلت السيرة عن خلقه ومعاملاته، وكان واقع حياته أعظم مما كتب عنه، وهو الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق وصالحها، وهذه الأخلاق مستمدة من السماء، فهو القائل "أدبني ربي فأحسن تأديبي" الجامع الصغير: 310 صحيح "وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن" (مسلم 746 وأبو داود 1342 وغيرهم)، فحياته صلى الله عليه وسلم كانت ترجمة عملية للقرآن العظيم ونموذجًا وقدوةً حسنةً للمسلمين، فصلاح الفرد وصلاح الأمة لا يكون إلا من هذا المعين الصافي.
عناصر الثقة في رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العرب
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف النسب عند العرب، معروفًا بالصدق والأمانة والصفات الفاضلة.
1- نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتسب إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فقد قال صلى الله عليه وسلم "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" (مسلم في الفضائل: 2276) (والترمذي: مناقب: 3605 حسن صحيح)، ومجرد أن يختاره الله نبيًّا ورسولاً فهذا يكفي في الثقة به صلى الله عليه وسلم.
2- صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا بالصدق، فحين فاجأه الوحي وهو في غار حراء، ذهب إلى خديجة وقال "زملوني، لقد خشيت على نفسي"، فقالت: "أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث....." (جزء من حديث البخاري في بدء الوحي: 3 ومسلم: 160)، ومعنى كلام خديجة رضي الله عنها: إنك لا يصيبك مكروه، لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل، ويحتمل أنه خشي على نفسه من أن يكون الذي جاءه من جنس الكهانة، فطمأنته خديجة أن الشياطين لا تنزل على صاحب هذه الأخلاق الكريمة وخاصة الصدق، ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾ (الشعراء)، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمونه الصادق المصدوق، أي الصادق في قوله، المصدوق فيما يأتيه من الوحى الكريم.
3- أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم:
فقد كان العرب يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمين، والأمين من يأمنه كل أحد في كل شيء، والإيمان الثقة والمأمون به من كان موضع الثقة وكان أهل مكة يضعون الودائع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مشركون، لما يعلمون عنه من صدقه وأمانته، والرسول أمين أهل الأرض وأمين السماء فقد روى أن العرب حين أرادوا بناء الكعبة، اختلفوا فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود، ثم اتفقوا على أن يحكموا في ذلك أول رجل يدخل عليهم... فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضيناه، وليس محمد بن عبد الله أمين العرب فحسب ولكنه أمين أهل الأرض وأمين السماء، فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم غنائم فقسمها بين أربعة نفر فغضبت قريش وقالوا: أيُعطِي هؤلاء ويدعنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا فعلت ذلك لأتألفهم"، فجاء رجل فقال: اتق الله يا محمد! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني" (جزء من حديث مسلم: 1064/143)، وفي رواية "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (البخاري 4351).
وهذه الأخلاق الفاضلة لخصها جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة فقال: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش... حتى بعث الله إلينا رسولاً منَّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم ونهانا عن الفواحش، ثم تلا آيات من سورة مريم... فلما سمع ذلك النجاشي قال: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة" (مسند أحمد: 1/202: 1740 صحيح).
إن المشركين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه عاش فيهم عمرًا طويلاً ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: من الآية 16)، أي لقد عشت فيكم 40 سنة قبل النبوة وجئتكم بالقرآن المعجزة وأنتم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله إليكم... وقد سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، وكان وقتها من المشركين: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا فقال هرقل: إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله!
وقال الرازي: إن الكفار شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابًا ولا تتلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض 40 سنة جاءهم بهذا القرآن العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ودقائق الأحكام ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم يعلم أن مثل هذا لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل.
عناصر الثقة في رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل الكتاب
كان عند أهل الكتاب علامات يعرفون بها صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- فقد خرج أبو طالب إلى الشام للتجارة وأخذ معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام، وكان بها راهب يسمى بحيرا، فأخذ بحيرا ينظر إلى جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقال الراهب: إنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم.
2- أنه لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء وخشي على نفسه، ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ولما أخبره الخبر قال الراهب: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى.
3- وكان عبد الله بن سلام من أحبار اليهود فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشرطة الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبرني به جبريل أنفًا: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد"، فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله" (البخاري: 3938 ومسلم: 2794)، وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (الأحقاف: من الآية 10).
4- وكان اليهود قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لمشركي العرب: إنه سيبعث نبي نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعثه الله كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم ناس قد أسلموا: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقالوا ما جاءنا بشيء نعرفه فأنزل الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 89).
5- وقد سبق ذكر موقف هرقل ملك الروم والنجاشي ملك الحبشة، وقد علما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي بما ذكرنا وصدق الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)﴾ (البقرة)، وقال تعالى عن النبي أنه ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ (الأعراف: من الآية 157)، وقال تعالى ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾ (المطففين)، وقال ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 33).
وصفوة القول: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم أوتي من الآيات الكثيرة، وبما أنه خاتم الأنبياء فقد حباه الله بالآية الكبرى الباقية على مر الزمن، والتي تكفل الله بحفظها من التحريف والتبديل، وهذه الآيات إنما تهدف إلى زرع الثقة في النفس تمهيدًا للإيمان والطاعة والإتباع، فاتبعه فريق من المخلصين، وكذب به المغرضون ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 146)، إنه لا تنقصهم الآيات ودلائل الحق وإنما تنقصهم سلامة النفس من الحسد والشهوات والمصالح الدنيوية المانعة من قبول الحق.
نسأل الله تعالى أن يهدينا للحق واتباع سبيل الرشاد... والحمد لله رب العالمين.