بدايةً يعلن كاتب هذه السطور أنه كان واحدًا ضمن المجموعة التي تمَّ اعتقالها من منزل الدكتور عبد الرحمن البر عصر يوم الأحد 5 أكتوبر 2008م فيما عُرف وقتها بتنظيم الفضائيات.
وكلامي هنا سيكون نابعًا من معرفتي بالدكتور عبد الرحمن البر ومعاشرتي له، خصوصًا خلال فترة الاعتقال، ففي مثل هذه الظروف يبدو الإنسان على حقيقته.. الدكتور عبد الرحمن البر بعد انتخابه عضوًا بمكتب الإرشاد ومسئوليته وإشرافه على قسم نشر الدعوة بجماعة الإخوان المسلمين؛ أصبح واحدًا من صنَّاع القرار في الجماعة، إضافةً إلى أنه ابن دائرة أجا، تلك الدائرة التي من المقرر إعادة انتخابات مجلس الشعب فيها، تلك الإعادة التي ليس لها داعٍ أصلاً إلا إذا كان الغرض منها هو تحديد ما إذا كان الإخوان سيخوضون الانتخابات التشريعية القادمة من عدمه.
والذي ثبت للأمن والنظام- من خلال دائرة أجا- أن الإخوان عازمون على خوض الانتخابات القادمة مع أن هذا الأمر بالتأكيد لم يحسم بعد في مكتب الإرشاد، إلا أن النظام عجَّل بقرار ضرورة المواجهة الأمنية من الآن مع الإخوان؛ حتى يمنعهم من التجهيز والاستعداد للانتخابات القادمة، وذلك باعتقال العناصر الحيوية أو ما يسمَّى بمفاصل الجماعة، والذي ظهر جليًّا في اعتقال كلٍّ من الدكتور محمود عزت والدكتور عصام العريان إضافةً إلى الدكتور عبد الرحمن البر كضربة استباقية يجهض بها العمل مبكرًا، ويستنزف الإخوان في الملاحقات الأمنية، بعيدًا عن ملف الانتخابات وقد حدَّد الأمن بغيته بوضوح في تلك المجموعة المنتقاة بحرفية، والتي حتمًا- وباعتراف قيادات الإخوان- سوف تؤدي لتأجيل بعض المفات وإطالة أمد البعض الآخر.
وهكذا يدخل الإخوان في هذه الدوامة، وإذا ما بدأ الإخوان في تجاوزها تبعها الأمن بمجموعة أخرى لا تقل أهميةً عن تلك المجموعة حتى تظلَّ الجماعة في حالة استنزاف بشري ومادي يستهلك قوتها ويجعلها تأخذ قرارًا بعدم خوض الانتخابات التشريعية القادمة، وبذلك يكون النظام قد ضمن خلوَّ الساحة أمامه من منافسة حقيقية، فالمواجهة مع الإخوان كانت باديةً للكل، والجميع يعرف أنها قادمةٌ لا محالة، لكنْ لا أحد يستطيع التكهُّن بحجمها وشراستها، وإن كانت الشهور القادمة تحمل الأسوأ مما حدث، وبالتأكيد سيعمد النظام إلى ضربة مماثلة، تستهدف الكيانات الاقتصادية الإخوانية؛ حتى تستمر عملية الاستنزاف المادية، ولا يقوى الإخوان على الصمود في المواجهة.
فالواضح أن حملة اعتقال الدكتور عبد الرحمن البر ورفاقه لن تكون الأخيرةً، ولن تكون الأسوأ أيضًا، لكنها حتمًا قدرٌ لها أن تكون هي البداية ليس إلا، ولكن كما علمنا الدكتور البر دومًا تأتي المنح من قلب المحن، وهذه محنة أخرى يتعرَّض لها الدكتور البر ومن معه وأنا على يقين أنها ستزيدهم صلابةً.
والدكتور البر كعهدي به مبتسمٌ ودودٌ حنونٌ، فأنا ما زلت أتذكر عندما وضع رأسي على رجله وأخذ يمسح على رأسي ويرقيني بعدما أُصَبت بنزلة برد في الزنزانة (2 ب مخدرات سجن المحكوم بطرة) ودومًا يكون الشخص بعد تجربة الاعتقال شخصًا جديدًا، محمَّلاً بتجربة ثرية تجعل منه إنسانًا آخر يتحمَّل مسئولية أكبر وأمانة أعظم من ذي قبل، فالاعتقال يكون بمثابة دورة تدريبية تأهيلية لتولي مكان أكثر أهميةً.
ولا عجب أن نجد الدكتور عبد الرحمن البر بعد فترة من الزمن وقد أصبح مرشدًا للإخوان المسلمين، فالرجل قد خبر السجون والمعتقلات والمحن، وتعدَّدت تجاربه معها، واستقى منها زادًا حياتيًّا ودعويًّا، كما أعرف أنها ستكون بالنسبة له فرصةً يخلو فيها بربه وبكتاب الله، الذي كان يراجعه كل يومين وربما كانت فرصةً لإمتاعنا بمؤلف جديد من مؤلفاته، وهي بالتأكيد فرصة لقيام الليل الذي كان يوقظنا له كل يوم ويؤمنا للصلاة.
------
* معد برامج حر.