إن حملات الاعتقال التي تتعرض لها جماعة الإخوان المسلمين تكشف وبما لا يدع مجالاً للشك مدى الظلم البين الواقع على الإخوان الذين يعلنون صباح مساء، وفي كل مناسبة أو منتدى وأمام المجتمع بأسره منهجهم في الإصلاح السلمي وبأسلوب متدرج، وطبقًا لقواعد الديمقراطية والنضال الدستوري.
كما تكشف تلك الحملات أيضًا مدى حالة الارتباك واللاوعي واللا مسئولية من قِبل النظام في التعامل مع جماعة كبيرة لها أنصار ومريدون في طول البلاد وعرضها، يهدفون من وراء ذلك إلى استئصال شأفتها واجتثاث جذورها وتجفيف منابعها، بالإضافةِ إلى حملات تشكيك يقومون بها ويهدفون من ورائها إلى تزييف الوعي وخداع الشعب وإثارة الفتن ونشر البلبلة بين شبابها؛ حملات شرسة موجة قائمة على نشر الأكاذيب والأباطيل وإفساد ذات البين، مستخدمين في ذلك ترسانة من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومعتمدين على حفنةٍ من الكُتَّاب الذين يسيل لعاب أقلامهم أمام المثيرات من المنصب والمال والشهرة الزائفة؛ كُتَّاب باعوا ضمائرهم ومبادئهم؛ فتراهم يزيفون الحق ويبطلونه ويُحقّون الباطل ويُعْلونه؛ تراهم- ويا للأسف- يصورون المجرم على أنه حَمَلٌ وديع، والمصلح على أنه فاسدٌ وضيع، والفاجر على أنه تقي مطيع، قلبوا الموازين وزيفوا الحقائق وهدموا الأصول وخرَّبوا الذمم.
أما آن للظالم أن يتفكّر في عاقبةِ أمره، لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث المصريون من ظلمه وشكوا إلى السيدة نفيسة- رضي الله عنها- فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غدٍ، فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت: يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجَّل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا مكتوب فيها: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوّلتم فعسفتم، ورُدت إليكم الأرزاق فقطعتم، وقد علمتم أن سهام الليل نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوّعتموها، وأجساد عرّيتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون.. وجوروا فإنا بالله مستجيرون.. واظلموا فإنا إلى الله متظلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227)".. فعدل لوقته.
أما آن للظالم أن يتفكر في عاقبة أمره.. أما آن له أن يكفَّ عن ظلمه.. أما فكَّر في دعوة المظلوم عليه.. أما استمع إلى أبي الدرداء حينما قال: "إيّاك ودمعة اليتيم، إيّاك ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام"، أما استمع إلى مسلم بن بشار حينما مرَّ على رجلٍ مظلومٍ يدعو على ظالمه فقال له: "كِلْ الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك عليه".. أما فكَّر الظالم في نظرالله إليه: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم).
أما فكَّر الظالم في غضب الله عليه، فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى اشتد غضبي على مَن ظلم من لم يجد له ناصرًا غيري"، وحُكِي أن الحجاج حبس رجلاً ظُلمًا فكتب إليه الرجل رقعةً فيها: قد مضى مَن بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والموعد القيامة، والسجن جهنم، والحاكم لا يحتاج إلى بينة، وكتب في آخرها:
ستعلم يا نؤوم إذا التقينا غدًا عند الإله من الظلوم؟!
أما والله إن الظلم لؤم وما زال الظلوم هو الملوم
سينقطع التلذذ عن أناس أداموه وينقطع النعيم
إلى ديَّان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
أما يكفي الظالم ليرتدع عن ظلمه أن لعنة الله تلحقه لظلمه ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: من الآية 18)، أما يكفي الظالم ليرتدع عن ظلمه أن الله يمهله ولا يهمله، وإذا أخذه لن يفلته، فعن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102) (رواه البخاري).
أما يكفي الظالم ليرتدع عن ظلمه تهديد الله ووعيده للظالمين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227) ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾ (الكهف: 29) رُوي في كتاب المستطرف والعهدة عليه أن رجلاً مرَّ برجلٍ من الصالحين قد صلبه الحجاج ظلمًا، فقال: يا رب حلمك على الظالمين قد أضرَّ بالمظلومين!! فنام الرجل تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين، وإذا بمنادٍ ينادي حِلمِي على الظالمين أحلَّ المظلومين في أعلى عليين"، وإذا كان رسول الله صلى عليه وسلم أنبأنا "أن امرأة دخلت النار في هرة لأنها حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" فكيف يكون عقاب الله لمَن يسجن إنسانًا كرَّمه الله عز وجل في البر والبحر؟!، وكيف يكون عقاب الله لمَن يسجن المؤمنين المصلحين ظلمًا وعدوانًا دون جريرة أو وزر غير أنهم يدعون لدين الله وينشدون الخير لعباد الله.
وقد خاب مَن افترى، والمرء يتساءل في عجبٍ هل بعد كل هذا الكيد المجنون وتلك الحملات المسعورة حققوا أهدافهم؟! هل قضوا على جماعة الإخوان؟! هل فرَّقوا صفهم ومزقوا شملهم؟! هل نالت أكاذيبهم وأباطيلهم من منهجهم؟! هل تزعزعت ثقة شباب الإخوان ولو قيد أنملة في قيادتهم؟! هل انصرف الناس عن فكرتهم؟!، كلا بل كان عكس ذلك إذ انقلب السحر على ساحره، وازداد شباب الإخوان ثقةً في قيادتهم، والتفوا حولها، وضبطوا إيقاعهم عليها، وازداد يقينهم في منهجهم، ونبل مقصدهم، فشباب الإخوان أكثر وعيًا وأعظم إدراكًا بحملات المشككين والمرجفين والغرض الخبيث من ورائها.
لقد تعرَّض الإخوان لهذه الحملات التشكيكية والضربات الاستئصالية فما وهنت عزيمتهم وما فترت همتهم ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146) من أجل الله ودعوته يهون كل شيء، لقد صبر الإخوان على مرِّ العصور، وفي شتى الأماكن على فكرتهم صبر الرجال المجاهدين، وتحمّلوا تحمل الأبطال المخلصين، ورابطوا على دعوتهم، وعضّوا عليها بالنواجذ فكانوا كالمعدن الأصيل الذي يتخلص من شوائبه وأدرانه ويزداد نقاءً وصفاءً كلما اشتدَّ عليه لهيب النار.
من أجل الله ودعوته طال سجنهم فما ضعفوا وما استكانوا لسجَّانيهم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، ومع كل هذا رابطوا على دعوتهم، والتفوا حول قيادتهم، وكان شعارهم عندها ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف: 33).
من أجل الله ودعوته نُفُوا بعيدًا عن أوطانهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (الأعراف: 88)، ﴿لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إبراهيم: 13)، ومع كل هذا رابطوا على دعوتهم، والتفوا حول قيادتهم، وكان شعارهم عندها ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)﴾ (النساء).
من أجل الله ودعوته أريقت دماؤهم وزهقت أرواحهم.. ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ...﴾ (غافر: من الآية 28)، ومع كل هذا رابطوا على دعوتهم، والتفوا حول قيادتهم، وكان شعارهم عندها ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه).
ومن أجل الله ودعوته غُيّبُوا بعيدًا عن زوجاتهم وأولادهم.. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، ومع كل هذا رابطوا على دعوتهم، والتفوا حول قيادتهم، وكان شعارهم عندها ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)﴾ (الشعراء)، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84).
ومن أجل الله ودعوته ضحوا بأموالهم، وُضّيقت عليهم أرزاقهم، وصُودرت أملاكهم ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186)﴾ (آل عمران).
ومع كل هذا رابطوا على دعوتهم، والتفوا حول قيادتهم، وكان شعارهم عندها.. ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).
لقد كان الواحد منهم أحب إليه أن تُفارق روحه جسده ولا يفارق هو دعوته رغبةً فيما عند الله من عظيم الأجر وجزيل الثواب: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (198)﴾ (آل عمران)، رغم غياهب السجون الإخوان على دعوتهم ثابتون:
1- لن يتخلى الإخوان عن دعوتهم، ولن يرضوا بغيرها بديلاً؛ لأنهم على يقين لا ريب فيه ولا جدال معه أن دعوتهم هي دعوة الإسلام الحنيف بشموله وكماله.. دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يبغون عنها حولاً؟! ويرضون بغيرها بديلاً؟! ما دام القرآن ينبض في قلوبهم وهدي محمد صلى الله عليه وسلم يسري في وجدانهم.
2- لن يتخلى الإخوان عن دعوتهم، ولن يرضوا بغيرها بديلاً؛ لأنهم على يقين كامل بأن هذه الدعوة المباركة- دعوة الإسلام- هي طريق الخلاص والنجاة لنا ولأمتنا في الدنيا والآخرة وسر السعادة والريادة للبشرية جمعاء.
3- لن يتخلى الإخوان عن دعوتهم، ولن يرضوا بغيرها بديلاً؛ لأنهم على وعي كامل بطبيعة الطريق وعقباته وما يُحاك لدعوتهم ليل نهار.. ﴿آلم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت) فاستعدوا لذلك بالإيمان الصادق والأخوة في الله ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103).
4- لن يتخلى الإخوان عن دعوتهم، ولن يرضوا بغيرها بديلاً؛ لأنهم باعوا أنفسهم لله عز وجل وأخلصوا لله في دعوتهم، وتجردوا لله في فكرتهم، فلا يبتغون وجاهةً ولا تشريفًا ولا منصبًا ولا مالاً.. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109)﴾ (الشعراء).. فالدنيا وما عليها لا تساوي في عيونهم لحظة يحيون فيها بدون دعوتهم والعمل لدين الله.. فكل حركة يتحركونها لله تعالى، وكل قول يتلفظون به لله تعالى وكل كلمة يسطرونها لله تعالى.. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، ويحتسبون عند الله تعالى كل أذى ينالهم وكل كيدٍ يصيبهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)﴾ (التوبة).
5- لن يتخلى الإخوان عن دعوتهم ولن يرضوا بغيرها بديلاً؛ لأنهم يعلمون عاقبة التنازع بين المؤمنين وخطورته، فالله عز وجل يحذرنا منه فيقول ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾ (الأنفال).
فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟! أيها الإخوان الطريق ما زالت شاقة وطويلة والعقبات شتى وكثيرة واسمعوا بقلوبكم مقالة إمامكم الشهيد حسن البنا في رسالة دعوتنا؛ حيث يقول: ستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين مَن يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تجد مَن نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم.
وسيتذرع الغاصبون بكل طرق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين علي قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم.. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32)، وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فستجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت)، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)﴾ (الصف).. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟!
نعم يا إمامنا، نحن مصرُّون بإذن الله تعالى على أن نكون أنصار الله ومن جنود دعوته، ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، والحمد لله رب العالمين.