- معوقاتنا.. الوقود والحصار والمعابر والدواء والتدريب

- اكتشفنا مخلَّفات صهيونية سامَّة تسبِّب أورامًا سرطانيةً

- لدينا خطة لتطوير أقسام الاستقبال والجراحة وبنك الدم

- نطالب مصر بتجنيب الخلاف السياسي في العمل الإنساني

- سلطة رام الله تمنع أطباء "فتح" من العمل في قطاع غزة

- 20 ألف شاب وفتاة حفظوا القرآن الكريم الصيف الماضي

- الجدار الفولاذي خطرٌ على البيئة وفتح المعبر يُنهي الأزمة

 

حاوره- محمد سعيد:

مضى عام على انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة الذي راح ضحيته أكثر من 1500 شهيد و5000 مصاب معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، ولا تزال الأزمة الإنسانية مستمرةً، فالقطاع الصحي لا يزال يعاني من نقص عشرات من المستلزمات الطبية اللازمة مع تصاعد حالة الحصار واستمرار غلق المعابر وتوقف جهود المصالحة وتصاعد حملات التشويه.

 

ورغم الخطط الدءوبة للحكومة الفلسطينية لرفع المعاناة وتحييد قطاعات الصحة والشباب والرياضة عن الأزمات السياسية المتلاحقة التي يعيشها الشارع الفلسطيني، وخاصةً قطاع غزة، تبقى صورة أطباء غزة أثناء العدوان والحصار الذي دخل عامه الرابع صورةً مضيئةً في تاريخ العمل الإنساني الذي لا يزال الخلاف السياسي يلقي بظلاله عليه.

 

(إخوان أون لاين) حاور الدكتور باسم نعيم وزير الصحة والشباب والرياضة في الحكومة الفلسطينية؛ حول الوضع الصحي الفلسطيني عقب العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ومدى تأثير الأسلحة المحرمة دوليًّا التي استخدمها جيش الاحتلال الصهيوني في العدوان الأخير في المواطن الفلسطيني!، وأكثر المناطق تضررًا، ونوعية الأمراض، وما متطلبات القطاع الصحي والصعوبات التي تواجهه؟

 

كما ناقشناه حول خطط الوزارة في تطوير العمل الرياضي والشبابي في ظل الحصار، وحول فرص المصالحة الفلسطينية في الفترة القادمة، والآثار السلبية للجدار الفولاذي العازل الذي أقامته السلطات المصرية مع قطاع غزة، فإلى نص الحوار:

* بعد مرور عام من العدوان على قطاع غزة و4 أعوام من الحصار عقب صعود حماس السياسي، كيف وصل الحال بالقطاع الصحي في القطاع؟

** أولاً أشكر موقع (إخوان أون لاين) على التغطية المتميزة للأحداث داخل فلسطين، وخاصةً قطاع غزة، وأشرف بتلك الإطلالة عبر موقعكم الكريم.

 

أما عن الوضع الصحي داخل غزة فهو للأسف رغم الدعم الكبير الذي توفره الحكومة وعدد من الحكومات العربية والإسلامية، وكذلك المنظمات والهيئات الإغاثية من دعم كبير، فإنَّ القطاع الصحي في غزة يعاني بشدة، وأهم أوجه المعاناة هو عدم استقراره، وعدم قدرة القائمين على النظام التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، مثلما حدث من العدوان الصهيوني الوحشي على غزة يناير العام الماضي، فرغم أن النظام الصحي وهياكله صامدٌ لكنه في النهاية هشٌّ، لا يستطيع أن يطبق خطةً إستراتيجيةً تدفع بالوضع الصحي للأمام إلا على نطاق محدود.

 

أزمات كبيرة

* وماذا عن المواطن البسيط الذي لا يهمُّه صمود النظام الصحي من عدمه، وإنما يريد فقط أن يحصل على الخدمات الصحية دون أبعاد أخرى؟

** بالتأكيد المواطن البسيط الموجود في الشارع يقع ضمن منظومة كبيرة ترتبط بحرية الشعب، وله كل الحق في الغضب أو السخط؛ لأنه بالفعل يعاني من نقصٍ في الاحتياجات الأساسية من الخدمات الصحية، من أدوية وتشخيص ومستشفيات مجهزة، فضلاً عن استمرار الحصار وغلق المعابر، ولا يدخل القطاع إلا النزر اليسير من الاحيتاجات، بالإضافة إلى عدم انتظامها، والمشكلة الكبرى الطاقة الكهربائية التي تمثل هي الأخرى أزمةً يوميةً تؤثر بشكل كبير في مجريات العمل الصحي الذي يحتاج إلى أجهزة ومختبرات ومعامل؛ نتيجةَ عدم سماح الكيان الصهيوني بدخول السولار والوقود إلى القطاع؛ الأمر الذي يجعل القطاع الصحي برمَّته محلَّ انهيار في أي لحظة.

 

خطة

 الصورة غير متاحة

 مستشفيات غزة تواجه أزمة بسبب نقص الوقود

   * وما الإستراتيجية التي تعاملت بها وزارة الصحة في السيطرة على أزمة الكهرباء؟

** بالطبع نحن نتعلم من المواقف، ولكن في قضية الكهرباء لا نتكلم عن إستراتيجية بقدر ما نتكلم عن خطوات إجرائية من أجل حماية نظام العمل الصحي اليومي داخل مستشفيات القطاع.

 

* وما تلك الخطوات؟

** منها توفير المولّدات داخل المستشفيات، وتوفير مخزون كافٍ من الوقود للطوارئ، وإعادة توزيع أحمال الكهرباء داخل اقسام المستشفى بدلاً من تقليص الخدمة؛ بحيث يتم إعطاء الأولوية لأقسام الأشعة والمعامل وغرف العمليات والعناية المركزة وحضانات الأطفال، وهذا ليس جوَّ عمل طبيعيًّا لأي عمل طبي، لأن هناك أقسامًا أخرى نضطر فيها لقطع الكهرباء عنها ترشيدًا للاستهلاك، والأخطر من ذلك عند تعرض أحد تلك المولدات للتوقف لأي سبب من الأسباب؛ الأمر الذي يعرِّض حياة المرضى للخطر، وهو ما حدث بالفعل في الشتاء الماضي؛ حيث انقطع التيار الكهربائي وتوقَّف المولد عن العمل؛ ما تسبَّب في كارثة محققة في قسم حضانات الأطفال، ولكن الله سلَّم.

 

* وهل سيبقى الوضع كذلك على الأقل بالنسبة لكم؟

** هناك محاولات لتطوير تلك التكتيكات لمواجهة تلك الأزمة وغيرها من الأزمات التي تواجه العمل الصحي، ولكنْ كما قلت لك في البداية تبقى أي خطوة أو إجراء في خانة المعالجات المؤقتة، هدفها الاستمرار والصمود، ولا تؤهل بأي حال من الأحوال للقيام بنظام صحي قادر على العطاء والوفاء بالتزاماته.

 

جرائم بشعة

 الصورة غير متاحة
 
   * كشفت تقارير طبية صادرة عن جهات فلسطينية وأخرى إغاثية عربية عن إصابة عدد كبير من الفلسطينيين بأمراض تنفسية وكلوية وأورام سرطانية عقب العدوان الصهيوني، كيف تابعتم تلك الكارثة؟

** مع خفض صوت المعركة وقصف الطائرات ودانات المدافع والدبابات؛ بقي صوت الجريمة الصهيونية البشعة عاليًا مع استمرار الحصار الظام على أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل، واستمرار المعاناة الناتجة من استشهاد أكثر من 1500 مواطن غزي، وإصابة ما يزيد عن 6000 آخرين، وبعد العدوان وجدنا أسلحةً غريبةً تمت بها عمليات القتل والتدمير، ولا نعرف تأثيراتها بدقة في الإنسان والحيوان والبيئة والنبات، وفي نفس التوقيت كشف تقرير لبعثة إيطالية في قطاع غزة عن وجود مخلَّفات لأسلحة صهيونية ذات العناصر الثقبلة بنسب مرتفعة جدًّا مع الوضع بالنسبة للوضع الطبيعي، وبها مواد عالية السميَّة.

 

* وما تأثير تلك المواد؟

** طبقًا لبعض الأبحاث والتجارب وجدنا أن تلك العناصر السامة تؤثِّر بشكل كبير في الأجنة، وتشويه الجينات، وعدد من الأمراض والأورام السرطانية، وخاصةً بالدم والمخ، وتزايد أمراض فقر الدم، والأخطر من ذلك تسببه في تشويه الحيوانات المنوية لدى الشباب في فترة الإخصاب؛ الأمر الذي يجعلنا أمام جريمة بشعة، وقد نكتشف بعد سنوات أن جيلاً بأكمله يتعرض للموت قبل أن يحيا.

 

* وما أكثر المناطق التي تتمركز بها تلك الإصابات؟

** تعدُّ المناطق الحدودية بين القطاع مع مغتصبات الكيان والضفة المحتلة، وخاصةً في شمال القطاع في بيت حانون وجباليا والشرق في مخيم البريج، والشجاعية، والجنوب في رفح.

 

* وهل قامت الوزارة بعمل مسحٍ كاملٍ لأنواع الإصابات وحصر كامل بعدد المصابين؟

** للأسف كل ما توصلنا إليه كان مجهودًا فريدًا من بعض البعثات الأجنبية؛ فالوزارة تفتقد للإمكانات للتعامل مع تلك الإصابات، أو الكشف عنها من معامل ومختبرات وأجهزة، وكذلك عدم وجود آلية للتعامل مع الأراضي التي تسمَّمت نتيجة تلك المخلَّفات، فضلاً عن عدم توافر الكوادر البشرية المدرَّبة.

 

* ولماذا لم تطلبوا من الهيئات والحكومات التي تساعدكم في توفير الاحتياجات الطبية توفير تلك الإمكانات لمواجهة تلك الجريمة؟

** بالفعل طلبنا ذلك، وخاصةً من اتحاد الأطباء العرب الذي يمثل رافدًا مهمًّا لنا، وخاصةً الكوادر البشرية التي تساعدنا في عمليات التدريب، كما طلبنا بإرسال عدد من البعثات الطبية والقانونية لتوثِّق الجريمة الصهيونية، ودراسة الكارثة، وتوفير الحلول، بالتعاون مع الجانب الفلسطيني، ولكنْ في ظل الحصار وغلق المعابر يبقى دخول الأفراد والمعدات صعبًا للغاية.

 

أزمة الدواء

 الصورة غير متاحة

مرضى غزة يعانون من نقص الدواء

   * كثيرًا ما تناشدون الهيئات والحومات، وتؤكدون أن رصيد الدواء لديكم يقترب من النفاد، ومع تصاعد وتيرة الحصار ألم تفكروا في وسيلة أو ابتكار جديد لمواجهة أي تقصير في تلك المسألة؟

** نعم، لدينا أفكار إبداعية تحقَّق البعض منها على أرض الواقع، ولكنْ تحت الظرف الصعب الذي نعيش فيه تبقى تلك الأفكار لها سقف، حتى فكرة إنشاء مصنع للأدوية يغطي احتياجات القطاع، طبَّقناها بالفعل، ولكنْ واجهته صعوباتٌ كبيرةٌ أدَّت في النهاية إلى توقفه.

 

* وما تلك الصعوبات؟

** عدم توافر المواد الأساسية ومواد بناء تلك المصانع والمواد الخام الخاص بتصنيع الأدوية نتيجة التكلفة العالية واستمرار الحصار، فضلاً عن انقطاع الكهرباء المستمر، كما أن تلك المصانع تكون على المناطق الحدودية؛ الأمر الذي يعرِّضها للقصف والتدمير وعمليات نهب مستمرة من جنود الاحتلال.

 

* وما أكثر المشكلات التي تؤثر في عمل وزارة الصحة؟

** تتركز أغلب مشكلات الوزارة في التكلفة العالية لميزانيتها، واستمرار غلق المعابر، وإحكام الحصار على القطاع، واستمرار انقطاع الكهرباء، ونقص الكوادر البشرية، ونقص التخصصات الطبية المتخصصة خاصةً في جراحات القلب المفتوح، والعمليات الدقيقة بالعيون والمخ والأعصاب وجراحات الباطنية الدقيقة، المسالك البولية وأمراض الدم، ونقص الاجهزة التشخيصية والعلاجية، وعدم توافر العلاجات الكيماوية والإشعاعية، واستمرار الأزمات المتكررة الخاصة بخروج المرضى للعلاج خارج القطاع؛ نتيجة عدم انتظام فتح وغلق معبر رفح الحدودي.

 

أبعاد سياسية

* وهل موافقة السلطات المصرية على أسماء المرضى المقرَّر خروجهم للعلاج من القطاع يخضع لأبعاد سياسية؟

** لا بالعكس؛ فالسلطات المصرية تساعد في كثير من الأحيان على إنجاز الإجراءات، وإن كان هناك بعض التعسف الناتج من مواقف سياسية، ولكنَّ الأزمة الحقيقية تتمثَّل في جزئيَّتين؛ الأولى كثرة أعداد المرضى والجرحى، والثانية غلق معبر رفح المستمر وعدم انتظام فتحه؛ الأمر الذي يعرِّض حياة الكثيرين للخطر.

 

* وماذا عن وضع مستشفيات القطاع؟ هل تستطيع التجاوب مع كارثة أخرى بحجم العدوان الصهيوني الأخير؟

** دعني أقُل بصراحة إن وضع المستشفيات هو الآخر يعاني من هشاشة، وإن كان بها عددٌ كبيرٌ من الكوادر الطبية المتميزة، التي استطاعت أن تثبت نفسها في العدوان الأخير، كما أنَّ السعة السريرية التي تتجاوز الـ2000 سرير موزعة على مستشفيات القطاع تعطي شكلاً ممن الطمأنينة، ولكنَّ الأزمة الحقيقية هي أوقات العدوان الذي تعجز معه تلك المستشفيات عن التعاطي الجيد، وإن كانت حقَّقت نجاحًا ملحوظًا في العدوان، فضلاً عن الأزمة الدائمة لبنوك الدم، ونقص العديد من أنواع فصائل الدم النادرة.

 

* وما خطط الوزارة لإعادة بناء وترميم المستشفيات التي تضرَّرت إبَّان العدوان؟

** بالنسبة للمستشفيات والمراكز الطبية التي تعرَّضت لبعض الأضرار تم التعامل معها بشكل جيد، ولكن الأزمة الحقيقية في بناء المستشفيات المهدمة أو الجديدة؛ نظرًا لعدم توافر القدرة على دخول مواد البناء، وللمشكلة الأساسية التي نعاني منها، معبر رفح، والسياسة الخاصة بفتحه وغلقه، وصعوبة إدخال المعدات الطبية وارتفاع تكلفتها، ورغم توافر العديد من المنح من الهيئات والحكومات العربية والأجنبية إلا أن الأمور كلها الآن متوقفة.

 

* ظهر أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة أهمية أقسام الطوارئ وبنوك الدم، ما معالم الخطة التي تتعامل بها الوزارة في الفترة القادمة؟

** عقب العدوان على غزة عقدت الوزارة ورشة عمل موسَّعة للأطقم الطبية والفنية، تم مناقشة السلبيات والإيجابيات التي وقعت أثناء فترة العدوان، وتمَّ وضع خطة طموحة متناسبة مع إمكانات الوزارة للتعامل مع الطوارئ بإنجاز البدائل لبنوك الدم، وتوفير التدريب لأقسام الاستقبال والجراحة لرفع قدراته للتعامل مع الأزمات.

 

تدريب

* عقب العدوان شرع اتحاد الأطباء العرب في التعاون معكم في مشروع تعليم الأطباء عن بُعد عبر تقنية "الفيديو كونفرانس"، هل تلك الوسيلة حقَّقت تقدمًا في أداء أطباء غزة؟

** أولاً فكرة تعليم الأطباء عن بُعد جاءت كفكرة إبداعية نتيجة استمرار الحصار وغلق المعابر، وهي حقَّقت بالفعل نجاحاتٍ بنسب عالية، وإن كانت أيضًا محدودةً لافتقادها التدريب العملي، وهو الأمر الذي يتطلَّب دخول طواقم طبية متعددة من دول عربية مختلفة؛ بهدف التدريب وإحداث التواصل المطلوب في التدريب المهني المستدام.

 

* هل يعني عدم دخول طواقم التدريب تلك أنه تعنُّت مصري مثلاً؟!

** ليس تعنُّتًا بقدر ما هو خلاف سياسي، وعليه نطالب مصر الشقيقة الكبرى بتسهيل دخول طواقم التدريب وتسهيل مهمتها وتجنيب الخلافات السياسية وتغليب البُعد القومي الديني الإنساني.

 

الدور المصري

 الصورة غير متاحة
 
  * في كل حوار ونداء تطالبون مصر بالمساعدة وتوفير الإمكانات، لماذا مصر بالذات؟

** أخي الكريم، مصر هي الدولة العربية والإسلامية التي لها حدود مباشرة معنا، وعلاقتنا بها وأواصر الدم ممتدةٌ عبر التاريخ، أما عن الوضع الصحي وعلاقته بمصر؛ فهو أن جميع الأطباء الفلسطينيين في غزة حتى أوائل التسعينييات خريحي كليات الطب المصرية، وهو ما يعطي مرجعيةً علميةً لهم، ومن الطبيعي أن تقوم مصر كبرى الدول العربية- والتي حاربت سنين من أجل القضية الفلسطينية- أن تواصل مساعيها من أجل إنقاذ شعب غزة المحاصر، وهو ما نراه في المستشفى الميداني الأردني الذي قامت في عام بكشف وفحص وإجراء عمليات لأكثر من 190 ألف فلسطيني، وهو ما نتمنَّى أن نراه في الدور المصري الرسمي عبْر وزارة الصحة والهلال الأحمر الفلسطيني، بعيدًا عن الضغوط السياسية، وندعو أن تُكلَّل الجهود المصرية بالنجاح في إنهاء الخلاف الفلسطيني وتحقيق المصالحة في أقرب وقت، خاصةً مع تصاعد وتيرة التهديدات الصهيونية وحملات التهجير في القدس الشريف ومحاولات هدم الأقصى.

 

* في اجتماعات الأمانة العامة لاتحاد الأطباء العرب جئتَ ممثلاً عن فلسطين، وفلسطين هي غزة والضفة وكافة الأراضي الفسطينية المحتلة، فهل من الممكن أن توضِّح لنا العلاقة الشائكة بين وزارتَي الصحة في غزة والضفة؟

** بالتأكيد كلنا آسفين على ما وصلت إليه الأمور من تدهور بين طرفي المعادلة السياسية؛ فتح وحماس، ونحن نحاول في وزارة الصحة أن نجنِّب العملَ الإنسانيَّ الخلافَ السياسيَّ، ولكننا في نفس الوقت نجد الكثير من الممارسات غير المنضبطة من سلطة رام الله التي تقوم بإثارة الأزمات بتقديمها رواتب لـ2000 موظف والأطقم الطبية التابعة لحركة فتح الممتنعة عن العمل منذ 3 سنوات حتى خلال فترة العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وهو الأمر الذي يدفع بالوضع إلى التهدور، وهو أيضًا ما لا نريده.

 

معالجة شبابية

* سيادة الوزير، كونك وزيرًا للشباب والرياضة بجانب الصحة، ألا ترى أن هناك فرصةً للارتقاء بالشباب الفلسطيني وحمايته من المخاطر التي تواجهه؛ نتيجة الفقر والحصار والبطالة وتفريغ طاقته عبر خطة إستراتيجية؟

** بالتأكيد الشباب هم عماد فلسطين، ولكن الحديث عن خطة إستراتيجية طويلة الأمد أمرٌ صعبٌ يتجاوز صعوبة الوضع في القطاع الصحي؛ ليس معنى ذلك أن الوزارة واقفة مكتوفة الأيدي؛ حيث قامت بوضع خطة لمعالجة مشكلات الشباب والرياضة، وبالفعل حقَّقنا نجاحًا معقولاً، ولكن ليست ذلك النجاح فقط الذي نحلم به.

 

* إذن ما المشكلة التي تواجه خطط تطوير ذلك القطاع؟

** أولى تلك المشكلات هي التمويل، فأغلب المنح تقدَّم للقطاع الإنساني والطبي على وجه الخصوص، فيؤثر ذلك في إنشاءات الإستادات والمسارح وتقديم منح وجوائز الأدب والفكر، ويبقى الحصار هو الآخر عقبةً كبيرةً أمام الشباب، طاروا إلى العالم بجناح الإنترنت، ولكنهم في النهاية يصطدمون بالواقع المر والحصار وآلة القتل الصهيونية التي تحصد أحبابهم.

 

مجتمع صامد

* عادةً ما تظهر المشكلات الأخلاقية في المجتمعات المصابة بالإحباط والياس والبطالة وتنتشر جرائم الاغتصاب والانتحار والإدمان.. أين غزة من تلك المشكلات؟

** بالتأكيد أن المجتمع الغزي هو في النهاية مجتمعٌ بشريٌّ، يصيب ويخطئ، وفيه الصالح والطالح، والاحتلال عبْر تاريخه الطويل يحاول السيطرة على شباب فلسطين، وتفريغ المجتمع من مقومات المقاومة والدفاع عن الأرض والعرض، وهو ما يُنتج بعضًا من الأمثلة التي ذكرتها في سؤالك، ولكن الإجمالي العام يؤكد أن شباب وفتيات القطاع استطاعوا مواجهة تلك الأزمات بنفَس طويل وقدرة على التحكُّم في الظروف مكَّنهم في ذلك تاريخ النضال الوطني الطويل، ووجود قيادة حكيمة رأت أن الإسلام منهج حياة يستطيع- بتضامن كافة أبناء الشعب- أن يغرس قِيَمَه وينشرها ويتعاطى معها بشكل يعطي المجتمع صبغةً إيمانيةً، ونجد أن في الصيف فقط حفظ 20 ألف شاب وفتاة القرآن الكريم، بجانب مخيَّمات فكرية وكشفية يشارك فيها 200 ألف طالب بالمدارس والجامعات تساعد على تفريغ طاقات الشباب، وذكلك محاربة الرذيلة والمفسدات، مع الفارق في قيادة سابقة كانت نفسها تشارك في تغييب العقول وإشاعة الفوضى.

 

تفوق رياضي

* بالنسبة للرياضة ما هي المجهودات التي تبذلها الوزارة؟ وما مصير الدوري الفلسطيني وتأثير الخلاف فيه؟

** في مشكلة بين الأندية بسبب الخلاف نحاول تحييد الرياضة، وأعددنا ورقة الوفاق الوطني للرياضيين، وفي أول مارس القادم سيكون انطلاق الدوري الجديد برعاية اتحاد الكرة الرياضي، كما قمنا بعدد من البطولات كبديل مؤقت لتوقف دوريات الألعاب مثل دورة القدس 1 و2 و3، وليست في كرة القدم فقط بل في ألعاب كثيرة.

 

* هل من الممكن أن نرى في الفترة القادمة مباراةً بين منتخبَي غزة والضفة كبادرة لإنهاء الخلاف؟

** هذه فكرة جيدة وإن كانت في رأيي تعمِّق الانقسام بمنتخبين مختلفين لدولة واحدة، وما أتمناه هو منتخب وطني واحد، تحت علَم فلسطين في الفترة القادمة إن شاء الله، ونحن نشجِّع أيَّ لاعب يحترف في الخارج؛ لأنه سيكون واجهةً مشرفةً لفلسطين، ورسالة بأن الشعب الفلسطيني لديه رياضة، وليس عنوانه الحرب والدمار والحصار فقط، وأبسط دليل على ذلك الإنجازات التي حقَّقتها بعثة فلسطين لأليمبياد المعوَّقين في بكين 12 ميدالية والتي فاقت جميع الدول العربية، ولكن رعاية هؤلاء أيضًا تتعرَّض لنقصٍ حادٍّ في التمويل.

 

المصالحة والجدار

 الصورة غير متاحة

مصر تبني الجدار الفولاذي رغم النداءات المستمرة بإيقافه

   * في رسائل سريعة، ما تعليقك على الجدار الفولاذي بين مصر وغزة، ومستقبل المصالحة، وأخيرًا زيارة نبيل شعث؟

** تلك الرسائل تحتاج إلى حوارات كاملة، ولكن بخصوص الجدار الفولاذي فرأينا فيه واضحٌ، وهو أن ظاهرة الأنفاق هي ظاهرة مؤقتة، الشعبُ الفلسطينيُّ غير معنيٍّ باستمرارها، وهي متوقفة على فتح المعابر، فضلاً عن خطورة ذلك الجدار على البيئة والتربة والمياه الجوفية في القطاع وسيناء، وما نطالب به هو فتح المعابر وعندها ستستوقف الأنفاق تلقائيًّا.

 

أما المصالحة وزيارة الأخ نبيل شعث فأظن أنَّ هناك في الوقت الحالي حراكًا ملحوظًا على صعيد ملف المصالحة، وأن هناك استجابةً لصيغة توافقية تستجيب لطلب مصر بعدم فتح الورقة المصرية ولطلب حماس بفتحها، من خلال كتابة ورقة كملحق للورقة المصرية؛ حتى تطمئن الحركة لأن تكون المصالحة حقيقيةً وليست ورقيةً.

 

أما زيارة الدكتور نبيل شعث في خطوة إيجابية بالتأكيد لإنهاء القطيعة على الأقل على المستوى الشخصي، رغم محاولات بعض عناصر السلطة في الضفة وحركة فتح بالقطاع على إفساد الزيارة، مع التأكيد أن تلك الزيارة لا يمكن تعليق آمال كبيرة عليها، وأن هناك أطرافًا داخل فلسطين وخارجها لا يريدون أن تكون هناك مصالحةٌ في الأساس.