- أولياء الأمور: ندفع دم قلبنا في كل المراحل
- الطلاب: نشعر بالقلق والتعليم لا يؤهِّل للعمل
- رجال التربية: لا يستشيرنا أحد في أية تعديلات
إعداد- قسم التحقيقات:
20 تعديلاً على نظام الثانوية العامة منذ بداية العمل به قبل 119 عامًا بينها تعديلات غيَّرت نظامها كليًّا، ورغم توالي التغييرات فما زال التدهور يلاحقها، وباتت الثانوية العامة العبء الأكبر على الأسر المصرية، فضلاً عن كون نظامها التعليمي يمضي في وادٍ والاحتياجات الأساسية للطلاب للتعايش مع المجتمع تمضي في وادٍ آخر.
وخلال الفترة من (عام ١٨٩١ إلى عام ١٩٠٥) تغيَّر نظام التعليم الثانوي بشكل كلي 4 مرات!؛ حيث كان قبل سنة ١٨٩١ على أربع سنوات، ثم زادت سنة ١٨٩١ إلى خمس سنوات، ثم انخفضت إلى ثلاث سنة ١٨٩٧م، وتمَّ رفع عدد السنوات إلى أربعِ أخرى عام ١٩٠٥م، وتم تقسيم الدراسة الثانوية خلالها إلى مرحلتين، مدة كل منهما سنتان، بحيث يحصل الطالب الذي يجتاز المرحلة الأولى على شهادة الكفاءة، ثم يتخصَّص في القسم الأدبي أو القسم العلمي، وتستمر دراسته في أحدهما مدة عامين، يحصل بعدهما على شهادة البكالوريا.
وفي سنة ١٩٠٧م تم إلغاء شهادة الكفاءة، ثم أعادوها تحت اسم القسم الأول من الشهادة الثانوية، ثم استقرت هذه المرحلة عام ١٩٢٨م على أن تكون مدة الثانوية العامة خمس سنوات، تنقسم إلى قسمين: الأول عام لجميع التلاميذ ومدته ثلاث سنوات، والثاني تتفرع فيه الثانوية إلى فرعين علمي وأدبي، لمدة سنتين.
وعند قيام الثورة كان التعليم الثانوي يخضع لقانون رقم (١١٠) لعام ١٩٣٥م، والذي نظَّم التعليم الثانوي فيه بنظام جديد، فأصبحت الدراسة فيه تنقسم إلى قسمين: القسم العام أو مرحلة الثقافة العامة ومدتها أربع سنوات للبنين، وخمس للبنات؛ حيث كانت هناك مواد إضافية خاصة بالبنات، والدراسة بها واحدة لجميع الطلاب، ثم القسم الخاص أو المرحلة التوجيهية، وتتنوع بها الدراسة إلى ثلاث شعب (آداب- رياضة- علوم)، وهذه المرحلة التوجيهية مدتها سنة واحدة للجميع.
وكان أول قانون للتعليم الثانوي في عهد الثورة هو القانون رقم ٢١١ لسنة ١٩٥٣م لوزير المعارف وقتها إسماعيل القباني، وفيه تمَّ تحديد مدة الدراسة الثانوية بثلاثة أعوام؛ حيث اقتُطع من التعليم الثانوي عامان، ومن الابتدائي عامان، وضمَّت لاستحداث مرحلة جديدة سُميت بالتعليم الإعدادي، مدتها أربع سنوات، ثم أصبحت بعد ذلك ثلاث سنوات.
ثم جاء مصطفى كمال حلمي وزيرًا للتعليم منذ (عام 1975 إلى 1984م) والذي قرر فيها، اعتبارًا من العام الدراسي ١٩٧٧م تشعيب الدراسة بالصف الثالث العلمي إلى شعبتين إحداهما شعبة للعلوم وشعبة أخرى للرياضيات.
وكان القانون رقم ١٣٩ لسنة ١٩٨١ الذي طال فيه التشعيب إلى علمي وأدبي الصف الثاني من التعليم الثانوي، لكنه أُلغي وفقًا للقانون رقم ٢٣٣ لسنة ١٩٨٨م، في عهد الدكتور أحمد فتحي سرور وأصبحت الدراسة عامةً في الصفين الأول والثاني، وقصر التشعيب على الصف الثالث وحده اعتبارًا من العام 1989م.
ومنذ عام ١٩٩٢م تمَّ العمل بنظام المواد الاختيارية في الثانوية العامة داخل الشعب المختلفة، وفي نطاق المواد التي تعبر عن ميول الطالب، والأخذ بنظام المستوى الرفيع في مادتين على الأقل من المواد المؤهلة لدخول الجامعات، والتي كانت في عهد حسين كامل بهاء الدين، والذي مكث في الوزارة من عام (1991 إلى 2004م).
وفي عام 1994 صدر القانون رقم ٢ لسنة ١٩٩٤م لتصبح الدراسة عامةً في الصف الأول الثانوي لجميع الطلاب وتخصيصها في الصفين الثاني والثالث، وأصبحت مواد الدراسة تتكون من مواد إجبارية وأخرى اختيارية يحددها الوزير، وكان الوزير في ذلك الوقت هو الدكتور حسين بهاء الدين، كما تقرر في القانون نفسه أن يتم الامتحان للحصول على شهادة الثانوية العامة على مرحلتين: الأولى في نهاية السنة الثانوية الثانية، والأخرى في نهاية الصف الثالث، فضلاً عن تقرير عقد امتحان دور ثان، يسمح بدخوله للطالب الراسب، وكذلك الناجح الذي يريد تحسين مجموع درجاته، لكن عندما تولَّى الدكتور كمال الجنزوري رئاسة الوزارة وقف مجلس الوزراء ضد التحسين وقرَّر إلغاءه!.
![]() |
|
د. يسري الجمل |
وفي عهد الوزير أحمد جمال الدين موسى والذي مكث في الوزارة عام (من سنة 2004 إلى 2005م)، قام خلالها بإعداد خطة طويلة المدى، وأخرى قصيرة المدى، وأخرى عاجلة لمدة 9 شهور حتى يتمَّ تغير نظام الثانوية العامة رأسًا على عقب، مبررًا أن مناهج الثانوية العامة لم تتغير بشكل كلي منذ 18 عام مضى!.
ثم جاء الوزير السابق يسري الجمل والذي تولَّى منصب الوزارة منذ عام (2005 الى عام 2009) والذي خرج علينا باقتراح جديد للثانوية العامة على أن يبدأ تطبيقه في عام 2011م على الصف الأول الثانوي، ويتضمَّن ألا تكون شهادة الثانوية العامة وحدها هي المؤهَّلة للالتحاق بالجامعات؛ بحيث يستطيع الحاصل عليها التقدم لسوق العمل، باعتبارها شهادةً مفتوحةَ الصلاحية، وأن يتم تدريس مواد أساسية للطلاب على مدار 3 سنوات من اللغة العربية، واللغة الأجنبية، والتربية الدينية، والتربية القومية، والجغرافيا، والتاريخ، وعلوم الكمبيوتر، والمواد العلمية، والكيمياء، والفيزياء والرياضيات، إلى جانب مواد الثقافة العامة، وأن يتم إجراء تقييم شامل للطالب خلال السنوات الثلاث في الأنشطة، والحضور، والانتظام في الدراسة، ويحتسب لهما 50% من الدرجات و50% أخرى لاختبارات نهاية العام؛ بحيث يدخل الطالب اختبارًا واحدًا في نهاية المرحلة الثانوية يتم على المستوى القومي، وذلك للمواد الأساسية، بينما المواد المتقدمة يدخل فيها امتحانًا على مستوى المدرسة، وهي التي تحدِّد درجة الطالب، على أن يكون تقويم الطالب بنظام التقويم الشامل.
وأشار الوزير وقتها إلى أن النظام الجديد لا يضع المجموع شرطًا لدخول قطاع بعينه، لكن الذي يحدد الالتحاق بكلية معينة هو الاختبار الذي تعقده الجامعة ويسمى "الاختبار القطاعي" ويكون على المستوى القومي، وبالتالي لا يتحكَّم مجموع الثانوية العامة في دخول الجامعة؛ بحيث يكون ذلك النظام الجديد من شأنه إنهاء حالة التوتر التي تمر بها الأسرة المصرية إلى جانب تعدد سنوات صلاحية الثانوية.
![]() |
|
د. أحمد زكي بدر |
وبمجرد حلول عام 2010 المفترض فيه أن يكون قد قطعت أكثر من ثلاثة أرباع المسافة حتى يخرج المشروع للنور في عام 2011م، تم إقالة الوزير يسري الجمل، وتمَّ تعيين الدكتور أحمد زكي بدر، والذي لم يلبث في الوزارة سوى 3 أسابيع حتى خرج باقتراح جديد لتغيير منظومة الثانوية العامة؛ ليكون بذلك هذه هي المرة الثالثة التي يتمُّ فيها تعديل التعديل قبل أن يخرج للنور بعد أن قام الدكتور أحمد جمال الدين موسى وزير التربية والتعليم بوضع نظام جديد، وتمَّ استبعاده من الوزارة فجأةً، وتكرار نفس الأمر مع الدكتور يسري الجمل.
وتتركز أبرز ملامح القانون الأخير المقترح على أن تكون الثانوية العامة سنة نهائية يستطيع الطالب من خلالها التوجه الفوري إلى سوق العمل، بالإضافة إلى عودة نظام الثانوية العامة إلى عام واحد بدلاً من عامين، وتوزيع الوزن النسبي للقبول بالجامعات بين درجات الطالب بالثانوية العامة، ومن المنتظر أن تكون النسبة المخصصة لها 50%، وبين اختبارات القدرات التي تعقدها لجان القطاع بالمجلس الأعلى للجامعات، والتي تخصص لها الـ50% الباقية ؛ بحيث يكون هناك توازنٌ بين المرحلة الثانوية وبين اختبارات القبول بالجامعات، ويعتمد على تهميش درجات الطالب في الثانوية مقابل الاعتمادات بشكل أساسي على اختبارات القطاع التي ستجريها لجان القطاع بمجلس الجامعات.
(إخوان أون لاين) طرح العديد من التساؤلات حول فوضى أنظمة الثانوية العام في مصر ومدى تأثير ذلك في الوضع التعليمي في مصر، وهل أفادت هذه الأنظمة سوق العمل أم أنها كانت عبارةً عن تجارب شخصية خضعت لأهواء وزرائها؟!
شكليات!
تقول هدى عبد المعز (أم لثلاثة أطفال في المراحل المختلفة الابتدائية والإعدادية والثانوية): إن نظام التعليم بأكمله بما فيه الثانوية العامة في حاجة إلى تغير جذري؛ وذلك لاعتماده على التلقين والحشو لتفريغه في الامتحانات.
وأضافت: "كان الأولى على الوزير الجديد أن ينظر في كيفية متابعة ومراقبة المعلمين في شرحهم للمناهج ومدى ابتكارهم في وسائل العرض، وأن يركِّز في كيفية تقليل كثافة الفصول؛ حتى يكون التغيير جوهريًّا، وليس مجرد شكليات من الخارج".
وأْد المهارات!
ويضيف عباس يونس (أب لخمسة أبناء) قائلاً: إن ابنته الأخيرة أدخلها الثانوية الصناعية؛ نتيجةً ليَقِينِهِ بأن التعليم الثانوي فاشلٌ، ويدفن مهارات الطلاب وقدراتهم، ولِمِا وجده في الثانوي الصناعي من اكتشاف وتعليم مهارات حقيقية.
ويتابع قائلاً: إن قراره جاء بعد تجربته المريرة مع أولاده الأربعة السابقين الذين تخرَّجوا بعد معاناة ومرارة مع الدروس الخصوصية ومع تعقيد المناهج، وفي النهاية منهم من لم تسعفه دراسته في شيء فلجأ إلى الالتحاق بالدورات المختلفة؛ حتى يواكب سوق العمل، ومنهم من عمل في مجال غير مجاله، وغيره الذي لم يعثر على عمل يقبله؛ رغم تخرجه من كلية الهندسة قسم عمارة منذ 3 سنوات مضت!.
إحباط
على صعيد الطلاب يقول أحمد شادي (الطالب بالصف الثاني الثانوي): إنه لا يستشعر بأي فرق في أن تكون الثانوية العامة سنة أو حتى 5 سنوات؛ لأنه في كل الأحوال لا يذاكر ولا يهتم بذلك، وأضاف قائلاً: "اللي اتخرجوا عملوا إيه.. في الآخر مش لاقين شغل، وقاعدين في بيتهم، فأتعب نفسي ليه على الفاضي، والدروس الخصوصية بأخدها علشان أفرفش عن نفسي مع أصحابي وبس"!.
وعن خطته وأحلامه المستقبلية يقول: "هاشتغل مبرمج كمبيوتر في أي مكان، وهما مش بيدوروا على الشهادة ولا بيبصوا لها، وفقط بيعملوا اختبارات؛ ليتأكدوا من أن الشخص اللي أمامهم متقن وماهر في الشغلانه وييجي منه ولا لأه"!!
فئران تجارب!
البكاء والتعجب.. رد فعل طبيعي لطلاب الثانوية

تضيف فاتن فهمي (في الصف الأول الثانوي) أن نظام السنتين كان أفضل؛ حتى يكون هناك فرصتان متنوعتان لحصد مجاميع عالية، وليس فرصة واحدة يا تصيب يا تخيب، فالرعب هيكون بفترة زمنية أقل، ولكنه مكثَّف وأشدّ؛ لأنه على سنة واحدة.
وتقول: "كل ثانية بيغيروا نظام التعليم ويا ريت في الحاجات اللي بنعاني منها فعلاً، فكل التغيرات مجرد حاجات شكلية، وكأننا فئران تجارب، وكل لحظة بنبقى حطين أدينا على قلبنا يا عالم إيه الجديد اللي الوزارة بتفكر لنا فيه".
المعلمون
وفي وسط المعلمين يسود سخط واستنكار شديدان على تلك التغيرات والتعديلات التي تتم خاصةً المتعلقة بالمرحلة الثانوية، فتقول آلاء ناصر (مدرِّسة بالمرحلة الثانوية منذ 10 سنوات): إن كافة التعديلات التي تتم على المناهج أو الامتحانات أو حتى الخاصة بآلية السنة الدراسية لم تتم استشارتهم فيها ولا بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث تقول: "من المفترض أن تتم استشارتنا في تلك التعديلات مسبقًا؛ لأننا محور العملية التعليمية، وبنا سيتم تعديل المناهج، وأساليب الشرح وغيرها الكثير من أركان نجاح العملية التعليمية التي هي بنا ستنجح ومن غيرنا حتمًا ستفشل".
وأبدت ناريمان عمر (مدرسة بالمرحلة الثانوية منذ 23 سنة) استنكارها وتعجبها الشديد من تلك القرارات المتعاقبة، والتي لا تستغرق إلا وقتًا قصيرًا لا يستطيعون استكمال تنفيذ البرنامج الجديد؛ للوقوف على سلبياته أو إيجابياته، وتساءلت: "من الذي يسهم في وضع تلك التعديلات إذا كنا نحن المدرسين المفترض أننا ذو الخبرة وفي قلب المسئولية لم تتم استشارتنا؟"!
كما تعجبت من كثرة التعديلات التي تهبط عليهم من سماء المسئوليين، وغياب فهمهم الحقيقي لجوهر التعديلات المختلفة التي تطرأ على النظام، وتقول في كثير من الأحيان تمر علينا السنة الدراسية كاملةً دون أن نفهم طبيعة تلك التغيرات وأهدافها، ما سرَّب إلينا الإحباط واليأس؛ لأنه يتم معاملتنا كقطيع من الغنائم ولسنا كمكون أساسي في العملية التعليمية، وحتى إننا أصبحنا نشعر بأننا عاجزون عن أداء أي شيء، وأن مهمة التدريس تلك هم نريد أن نتخَّلص منه بأي شكل".
مطبخ الوزير!
نقلنا تلك الصور والنماذج للخبراء لتحليلها وللوقوف على آثارها ونتائجها، فقال الدكتور محمود كامل الناقة (أستاذ المناهج وطُرق التدريس في كلية التربية جامعة عين شمس): إنه سواء تمَّ تحديد الثانوية العامة على سنتين أو سنة واحدة أو حتى خمس سنوات فليست هي المعضلة؛ لأنها لا تمس بحقيقة الفجوات الموجودة بالتعليم بشيء، مشيرًا إلى ضرورة الالتفات إلى تطوير المناهج ومحتواها وكيفية تقسيمها، وطرق تدريسها للطلاب، فضلاً عن ضرورة الالتفات إلى عدد الساعات الدراسية، وكيفية تقسيمها، بالإضافة إلى ضرورة تحديد المواد الاختيارية والإجبارية وعلى أي الأسس سيتم تحديدها.
ويؤكد أن التطوير أمر ضروري وحتمي لا بد منه، ولكن لا بد أن يتم بناءً على أسس علمية وموضوعية، وألا يكون كل فترة قريبة مثلما يحدث مع كل وزير جديد يتم تعيينه، موضحًا أن الاستقرار في العملية التعليمية أمرٌ لا بد منه، وأن مرور السنوات الطوال دون تغير مع وجود رؤية وإستراتيجية وهدف محدد، يمضي على نهجه كل الوزراء؛ حتى ولو تم تغييرهم فسيتم استكمال المسيرة لا أن يبدأها من الصفر.
ويوضح أن بذلك الاستقرار يمكن أن تتضح مساوئ أي نظام وإيجابياته، وحتى يتم تلاشي عيوبه في الخطة التي تليه، والتركيز على إيجابياته وتكرارها في الخطط الجديدة، ملمحًا إلى أن التطوير والتعديل يأتي بوضع أسس ومعايير واضحة، وانتهاج خطوات عملية منظمة قائمة على أسس علمية محددة.
ويتساءل- مستنكرًا- عن هوية "المطبخ" أو الهيئة التي قامت باقتراح نظام الثانوية العامة الجديد، خاصةً أن الخبراء لم يتم استشارتهم في تلك الاقتراحات، مشددًا على ضرورة وجود مجلس أعلى للتعليم يكون كل مهامه هو بحث كيفية تطوير التعليم وكيفية وضع الخطط ومتابعتها، وتحديثها كل فترة بما يتماشى مع مجريات العصر.
ويصف د. الناقة تلك التعديلات التي اقترحها مؤخرًا وزير التعليم على نظام الثانوية العامة بأنها مجرد "فرقعة إعلامية أكثر منها موضوعيةً"؛ لأنها لم تتم بناءً على أسس موضوعية، ولاعتمادها على مجرد أقاويل إعلانية مرسلة.
ويشدِّد على ضرورة عدم خضوع المنظومة التعليمية للرؤى الفردية والتصريحات البراقة؛ لما فيها من تعقيد شديد، مؤكدًا ضرورة إفراد الأوقات الطويلة؛ لبحث كيفية تطوير النظام التعليمي تطويرًا حقيقيًّا، من خلال عقد العديد من اللقاءات التي تتضمن نخبةً متنوعةً من أولياء الأمور والطلاب والمعلمين والإداريين وأصحاب المدارس؛ لأنها منظومة متكاملة لا يتم تقويمها إلا بمشاركة الجميع وإحاطتها من جميع جوانبها.
النموذج الآسيوي
ويوضح الدكتور مصطفى رجب سالم (رئيس قسم تطوير المناهج وطرق التدريس وتكنولوجيا التعليم بكلية التربية جامعة عين شمس) قائلاً: إن التعليم في حاجة إلى تقويم مستمر كل سنة وكل شهر، ولا بد من ضوابط دقيقة تنظمه داخل المدارس؛ حتى تتمكن مصر من الالتحاق بموكب التعليم المتقدم في العالم، ولكن بشرط أن تكون تلك التعديلات موضوعيةً وبنَّاءةً، وقائمةً على تحليلات وأسس موضوعية تصبُّ في النهاية في مصلحة الرقي بالمنظومة التعليمية.
ويشير إلى أنه على الرغم من أن التعليم في البلاد الأسيوية متقدمٌ على مصر بمراحل- على الرغم من ازدياد الكثافة السكانية فيه- فإنهم لم يتعللوا بأن تلك الكثافة هي السبب في تدهور التعليم، ملمحًا إلى أن لديهم العديد من البرامج الدقيقة التي تطبق بدقة وعناية بالغة داخل المدارس، بالإضافة إلى إعداد الدورات الخاصة برفع كفاءة المدرسين في كل مادة على حدة، فضلاً عن إعادتهم لكيفية تقويم نظم التعليم وكيفية الابتكار في وسائل عرضها.
ويشدِّد على ضرورة تغيير وجهة نظر أولياء الأمور حول أزمة الدروس الخصوصية، والتي أصبحت الآن بديلاً عن الحضور في المدارس بشكل عام؛ حتى أصبحت تشكِّل تعليمًا موازيًا في كل منزل؛ حتى إن كل طالب أصبح يستعين بمدرس خصوصي في كل مادة وفي كافة المراحل وليست الثانوية فقط؛ وحتى أبناء الأساتذة أصبحوا لا يستغنون عن الدروس الخصوصية، والتي أضحت تمثل أزمةً كبيرةً أمام تطوير التعليم والحكومة في غفلة عنها.
ويوضح أن أي نظام جديد للتعليم لا بد أن يصاحبه تقويم وتصحيح مسار داخل المدارس أولاً، والتي تبدأ من رفع الواقع من المدرسين وأولياء الأمور؛ حتى يستطيع هذا النظام الجديد الذي يتم إعداده النهوض بالتعليم على أرض الواقع وليس على الورق، وتحقيق هدفه في تخفيف العبء عن كاهل الأسر المصرية والطلاب.
طلاء بلا جدران!
د. أحمد دياب

ويرجع نائب الشعب د. أحمد دياب (الأستاذ بكلية الألسن وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن لجنة التعليم بمجلس الشعب) السبب الأساسي في ارتباك منظومة التعليم وعدم استقرارها وتدهورها عامًا تلو الآخر، إلى التغيرات في النُّظم التعليمية التي تصاحب تعيين كلِّ وزير جديد، بحيث يأتي بنظام آخر مغاير تمامًا لما قبله، بل ويرفض الالتفات إلى الرؤى السابقة؛ للوقوف على سلبياتها وإيجابياتها؛ ما يؤدي إلى تدهور العملية التعليمية أكثر.
ويشدِّد على ضرورة وضع خطط التطوير والتعديل بعناية فائقة ودقة بالغة، ووفقًا لإجراء مسح ميداني موسع على كل القطاعات التي تساهم في العملية التعليمية؛ بحيث يستشار فيها أولياء الأمور والطلبة الذين هم محور العملية التعليمية، ثم يتم عرض تلك نتائج على الخبراء التربويين وواضعي المناهج والمدرسين وأصحاب المدارس؛ حتى يتم الوصول إلى أفضل النتائج الممكنة، وحتى تكون حقيقية وواقعية تلامس احتياجات وفجوات العملية التعليمية حقيقةً.
ويبدى النائب اندهاشه البالغ من أن وزير التعليم الجديد لم يلبث في الوزارة سوى أسابيع قليلة ثم خرج بقراره الجديد بتغيير نظام الثانوية العامة من سنتين إلى سنة واحدة، متسائلاً متى وضعت تلك الرؤى الجديدة لمسيرة الثانوية العامة في مصر؟ ومن الهيئة التي قامت بوضع تلك المعايير الجديدة؟ وما هي الآلية المتبعة التي سبقت ذلك القرار؟.
ويشير إلى أنه من المفترض أن تستغرق تلك العملية شهورًا وسنواتٍ طويلةً؛ حتى تكون حقيقية، وتلامس حقيقة الفجوات الموجودة فعليًّا في المنظومة التعليمية، وليس أيامًا وأسابيع، ملمحًا إلى أن ذلك يُظهر مدى العشوائية التي تتعامل معها الوزارة في تطوير منظومة التعليم، والتي هي بمثابة إحدى القضايا المصيرية بالغة الخطورة في أي مجتمع.
ووصف تلك التعديلات الأخيرة بأنها مجرد "طلاء بلا جدران"؛ حيث إنها تركت جوانب جوهرية كان الأولى التركيز عليها والالتفات لها، بدلاً من تعديل نظام الثانوية العامة بتلك السطحية، موضحًا ضرورة الالتفات إلى كثافة الطلاب في الفصول، وتدهور إمكانيات المدارس، فضلاً عن رداءة جودة المدارس من الفصول ودورات المياه وغيرها من المرافق، وسوء إعداد المناهج وعدم العناية باحتياجات الطالب الحقيقية، وغياب الاهتمام بمستوى المعلمين وبمستوى الإدارة التعليمية، وغيرها من اللبنات الأولى في أي عملية تعليمية يفترض فيها أن تكون بمثابة مكان تُحترم فيه آدمية الطالب.
"بعبع"!
من جانبه يعلق سعيد عمارة (وكيل أول وزارة التعليم بحلوان) قائلاً: إن مشروع تطوير التعليم ما زال قيد البحث والدارسة، ولم تتضح رؤيته بعد، مؤكدًا أن أهم ما يميز هذا المشروع هو أن مردوده الاجتماعي والنفسي على الأسر المصرية سيكون ذا آثر جيد من الجانب المادي؛ لما سيقوم به من تخفيف العبء المادي والهموم والضغوط النفسيه، ويزيل ولو جزءًا منها من كاهل الأسرة من سنة واحدة إلى سنتين.
ويشير إلى أن ذلك النجاح ليس نابعًا من أن نظام الثانوية العامة يُكسب الطلاب مهارات أو يكشف عن قدراتهم، وإنما هو نابعٌ من أن نظم التعليم تعتمد فقط على الحشو والتلقين؛ ما يجعلها "بعبع" يشكو ويعاني منه الطلاب وأولياء الأمور، مشيرًا إلى أن النظام الجديد المقترح سيجعل بدلاً من وجود بعبعين وجود بعبع مكثَّف واحد!.
ضغط نفسي
ويقول الدكتور عماد مخيمر (أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة الزقازيق): إن كل وزير يأتي بنظام جديد مغاير ظاهريًّا للنظام الذي يسبقه؛ حتى يوهم المجتمع من حوله أنه قام بتغيرات جذرية شامخة، ويخلق لديه نوعًا من الانبهار، لا يتعدى تغيير الشكل الخارجي فقط، مؤكدًا أن التعديلات أصبحت سمةً في الحكومات المصرية لا انفكاك عنها.
ويشير إلى أن تلك التعديلات المتكررة ناتجة من عدم وجود تخطيط إستراتيجي ورؤى محددة في مصر؛ حتى في القضايا الإستراتيجية والمصيرية مثل التعليم، مشيرًا إلى أن ذلك هو ما يُحدث نوعًا من الفوضى والارتجاج على المستوى العام في المنظومة التعليمية لدى كل من الطلاب والمدرسين.
ويوضح أن تلك الفوضى وتلك التغيرات المستمرة لها أكبر الأثر في تدمير نفسية الطلاب وأولياء الأمور، وبالأخص المدرسيون المعنيون بتوجيه مضمون المناهج للطلاب، مفنِّدًا أن عدم استشارة المعلم في التطويرات الجديدة ومفاجأته بتلك القرارات الجديدة يخلق لديه نوعًا من عدم الانتماء في تلك المنظومة، ومن ثم الانفصال عنها تمامًا؛ لأنه يشعر بأنه غير مشارك في العملية التعليمية، وأنه مجرد مَسُوقٍ وفقًَا للتعليمات؛ مما يدفعه إلى عدم الابتكار وعدم الاهتمام أو الالتفات إلى المناهج وكيفية تطويرها؛ لأنه على علم بأنه لن يؤثر، وبالتالي كافة تلك العوامل في اتحادها تعمل على تدهور العملية التعليمية أكثر.
ويؤكد أن هذه التغييرات في نظم التعليم لن تنجح بالشكل المطلوب؛ لأنه من المفترض تهيئة الطلاب وإعدادهم قبلها للتماشي مع تلك التغيرات، فضلاً عن ضرورة إعداد الدراسات الوافية لذلك، وإفراد المساحة لمشاركة الطلاب في وضع تصور لكيفية تطوير منظومة التعليم.
ويشير إلى أنه بتلك المشاركة يستشعر الطلاب المسئولية ويتعاملون بنفسية مختلفة، تسهم في نجاح منظومة التعليم، ويتم تجنب العديد من الأخطاء والسلبيات في النظم القديمة، التي من شأنها أن تؤدي إلى التقليل من الثغرات الموجودة داخل أي مشروع، مشيرًا إلى تغيير النظم كل فترة متكررة وبطريقة مفاجئة دون استشارة أركان العملية التعليمية هي التي تؤثر سلبًا في الطلبة؛ حيث تخلق نوعًا من الفوضى وعدم الجدِّية، وتجعل الطلاب يشعرون بالانفصام وعدم الجديَّة، وأن كافة النظم فوضاويَّة و"كوسة".
ويرى أنه في حالة الاستمرار في تغيير نظم التعليم بتلك الهمجية والعشوائية فإن دمج سنتي الثانوية العامة في سنة واحدة إن كان ظاهريًّا أفضل من الجانب النفسي؛ لما سيقوم به من تقليل الضغوط على الأسر المصرية والطلاب؛ ولما فيه من تقليل حالة القلق التي تعيشها الأسر المصرية طيلة أربع سنوات لا سنتين فقط، متمثلة في 3 سنوات في المرحلة الإعدادية والصف الأول الثانوي يعيشونها تحت ضغط شديد مادي ومعنوي لتهيئة أبنائهم الخوض في ماراثون الثانوية العامة إلا أنها جوهريًّا ستكون نفس كمِّ الضغط النفسي بل من الممكن أن يكون أشدَّ؛ لتركزه في وقت أقل، وتقنين فرص النجاح فيه من فرصتين إلى واحدة.

