د. محمد جودة إبراهيم

لا يستغرب الإخوان الاعتقالات الأخيرة التي طالت قيادات من الجماعة، على رأسهم نائب المرشد العام، ومجموعة من قيادات الإخوان بالمحافظات، ونودُّ هنا أن نوضح الآتي:
أولاً: يعلم الإخوان، صغيرهم قبل كبيرهم، أنهم في سبيل الفكرة الإسلامية التي يحملونها سيُسجنون ويُعتقلون ويُشرَّدون ويُتعسَّف ضدهم في الأرزاق كما فعل بهم النظام الناصري؛ حيث أذاق الإخوان ألوانًا شتى من التعذيب في السجون، فاق محاكم التفتيش في أوروبا في القرون الوسطى، ومن هذه الألوان البشعة تسليط الكلاب البوليسية على المعتقلين ومطاردتها لهم لساعات، وتنقضُّ هذه الكلاب المدرَّبة الضخمة على لحومهم تنهشها نهشًا إذا توقف المعتقل عن الجري.
ثانيًا: يحضرني في هذا المقام ما قاله الإمام النووي: "لقد انتصر الإمام أحمد بإيمانه القوي وشجاعته، وكان انتصاره دليلاً على انتصار الإخلاص، وانهزمت حكومة من أقوى الحكومات وأوسعها في عصرها، وانهزم معها كلُّ من التفَّ حول رايتها من أهل العلم والجدل والذكاء والمناصب والرياسات، وخسر المعتزلة بسبب ما قاموا به نحو الإمام أحمد سلطانهم، وكُرهوا من ذلك اليوم كراهيةً شديدةً، وانصرفت القلوب عنهم، ولم يزَل نجمهم في أفول حتى غرب من غير رجعة، وخرج الإمام أحمد من هذه المحنة خروج السيف من الجلاء، والبدر من الظلماء، حتى قال بعض معاصريه: "أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر"، وأصبح حبه شعار أهل السنة وأهل الإصلاح؛ حتى نُقِل عن أحد معاصريه- وهو الإمام قتيبة بن سعيد- أنه قال: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة".
ثالثًا: إن ما يفعله النظام الآن- تشبُّهًا بالنظام الناصري من ظلمٍ ومصادرةٍ للأموال وشركات الإخوان- لن يثني الإخوان عن طريق دعوتهم أبدًا، ولن تشوِّه صورتهم الحملات الإعلامية؛ لأن شعبنا المصري واعٍ يعرف من يخدمه، ويقف جانبه في الأزمات، ومَن يريد الإصلاح والحرية لشعبه، ويعرف مَن يرعى الفساد وينهب ثرواته.
رابعًا: فليراجع النظام سياسته، وليعلم أن الاعتقالات والقبضة الحديدية لن تثني الإخوان عن طريق الإصلاح، وليعلم النظام أن لغة الحوار هي لغة هذا العصر، وهي التي تحفظ له وجوده، وأن البطش سياسة الضعيف ولا تفلح مع أصحاب العقيدة والضمير الحي، وليعلم شباب الإخوان أن النصر مع الصبر، وأن الصبر مفتاح الفرج.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).