إذا كانت الحياة تسير في طريق مستوٍ لا عوائق فيه، فالأمر يتضح في نتيجة الوصول للهدف في نهاية الطريق بأسرع وقت وأيسر وسيلة، والعكس دائمًا صحيح، فكلما وُجدت العوائق وزاد عددها بطُؤ السير، وصعُبت الوسيلة، وانقضى وقت طويل حتى نشرف على الوصول لما نرجو ونأمل.

 

ودعوة الله يسري عليها هذا القانون الطبيعي، مثلها مثل كل الأهداف الكبرى في حجمها، والراقية في منهجها، والعالية في سموها، وها نحن نواجه تحديات وعوائق نحاول أن نتخطّاها، ونتغلب عليها لنصل بأقل الجهد إن أمكن وأسرع وقت وأيسر طريق. وأرى أن التحديات يمكن أن نقسمها بالصورة الآتية:

 

أولاً: تحديات دعوية:

وأخص هنا عدة أمور أهمها: إما هبوط حاد في الأخلاق العامة للمجتمع المحيط بالدعوة؛ ما يصعب معه سير حركة الدعوة بين الناس، ويجعل التقبل لها مُحاطًا بمزيد من الجهد المبذول في إبراز القدوة الأخلاقية الحسنة للمجتمع؛ لإقناعه بالتنازل عن أخلاقيات تسود وتقلل من الكفاءة النفسية والكفاءة المعيشية والتعايشية لأفراد المجتمع، ومنها بالطبع ما أصبح سجية في النفس؛ مثل الجبن والخوف على الرزق والأجل، وما يسببه من ابتعاد المجتمع عن مجرد التفكير في الاتجاه لدعوة يعرف ما بها من خير، ولكن يجبن من نتائج لا يفهم إلا الضرر منها.

 

وأيضًا الانتهازية والأنانية التي لا تترك للفرد أن ينظر النظرة الجامعة الشاملة، فنظرته قاصرة عليه هو، وعليه أن ينتهز كل الفرص المتاحة لما يسميه بإنقاذ نفسه (أنا ومن بعدي الطوفان)؛ حتى إنه يهزأ بالقيم، مدعيًا (إن جاءك الطوفان فضع ابنك تحت أقدامك)، هي دعوة للنجاة بالنفس ولو على حساب أقرب الناس، متناسيًا أن يضحي من أجل ما يؤمن به ومدافعًا عمن يحب.

 

وكذلك تدني الذوق العام للمجتمع، فبدلاً من أن يسمو بنفسه بذوق رفيع، طاهر وعفيف، من فنون نظيفة وكلام طيب وإعلام هادف دافع للأمام فنجده مبتذلاً في سماعه، متدنيًا فيما يرى، ويبحث عن رؤية الحضيض من فن وإعلام ناقص ومنتقص.

 

كل هذه الأخلاقيات عائق أمام الدعوة والدعاة، تعرقل المسير ولا توقفه، وتتطلب الجهد المضاعف ليبذل.

 

والأمر الثاني من التحديات الدعوية وهو الصوت العالي للفرق المجابهة، وتأثير ذلك على مسار ومسيرة الدعوة، فمن ناحية نظام يحارب الدعوة؛ خوفًا منها على مركز أو قيادة يتمسك بها، أو خوفًا ورعبًا من محاسبة ترتعد منها فرائصه، وهمًّا وغمًّا في ليله ونهاره؛ ما يستدعيه أن يطلق على الدعوة أبواقًا متعددةً وإن كانت متضادة، فتارة نراه يسمح ويبارك للتيار الأصولي المتشدد داخل المجتمع دون أن يرى أن عاقبة ذلك تشدد وغلو يصب في النهاية في نهايته هو كنظام.

 

وتارة يسمح ويبارك للتيار الصوفي الممزوج بالخرافات، دون أن يعي أن عاقبة ذلك أنه يزيد من جهل العامة؛ ما يجعلهم في يوم المواجهة أشد تأثيرًا وأكثر تدميرًا مما يظن، وتارة أخرى يطلق كلاب أمنه على الدعوة والدعاة، فيسجن ويعذب ولا تختلف كلاب أمنه عن تأثير إعلامه الممزوج بالكره والعداوة للدعوة مع استمرار الفساد والإفساد.

 

والأمر الثالث هو ضعف الهمم وتسرب اليأس في نفوس العاملين في الدعوة، إما من إرهاقهم في محاولة الارتفاع بالأخلاق المنحدرة، أو من استمرار الصوت العالي للفرق المجابهة للفكرة والمنهج وهذا هو العائق والتحدي الأكبر؛ فلن ينطلق الباطل علوًّا وارتفاعًا إلا بنوم الحق خمولاً وانكسارًا.

 

ثانيًا: تحديات سياسية:

هنا تجتمع أمور، تتحدى الدعوة، وتعيق تقدمها؛ وهي إما سياسة مواجهة تستهدف الصف من الداخل لإرهاقه وإضعافه، وتأتي من خلال بث إشاعات مغرضة أو أخبار كاذبة أو أخبار غير مكتملة؛ لعل ذلك يفت من عضد الدعوة وأفرادها، ويقلل من كفاءة الحركة، ويهدِّئ من سرعة الأداء، فيطيل الأمد على الوصول للهدف، وقد ظهر جليًّا في الأحداث الأخيرة التي مرت بالجماعة.

 

وإما سياسة تستهدف استنزاف طاقات الدعوة مادية كانت أو معنوية؛ سواء كانت اعتقالاً أو مصادرةً أو سحبًا لمعارك مع الجبهات الأخرى المختلفة في الدين أو الرؤى، فتجعل المسيحي غير متقبل فكرة أنك صاحب قضيته من حرية وحماية، وتجعل من الأحزاب الأخرى بعضها على الأقل إما يرفض الدعوة تمامًا، أو لديه تحفظات مرهقة ومانعة للتعاون، أو لديه مخاوف للتعامل.

 

وإما سياسة تستهدف النيل من الدعوة في معارك حقيقية مثل انتخابات قادمة لمجلسي الشورى والشعب، إما تخويفًا من الدعوة في حالة الصعود والانتصار، وإما تنظيمًا لصفوفهم يكاد يقترب من التنظيم الدعوي إن لم يفقه ماديًّا، وإجراء بروفات لهذا التطور، وانتخابات المحامين ليست ببعيدة.

 

وإما إرسال رسائل سياسية وأمنية تنطق بكل كيد ومحاربة، وفي المجمل يرسل رسالة للجميع أن الدعوة إنما تطمع في الحكم، فهي بذلك سياسية تنتحل صفة الدين، ومحاولة إيهام المجتمع أن الفكرة العامة للدعوة سياسية لا شمولية.