ليسمح لي الراحل النبيل المهندس جورج عجايبي أن أصفه بالصديق؛ حيث أعتقد أنه لا يحق لي ذلك، فالصداقة تنعقد بين طرفين وهو ليس معنا لأسأله: هل تقبلني صديقًا؟، فهي عقد وليست ادعاء أو تمنيات.
عندما طلب مني الأستاذ علاء أن أشارك بكلمة في كتاب سوف يصدر في ذكرى تأبين المهندس جورج عجايبي احترت ماذا أكتب؟ لكني قبلت على الفور التحدي.
كثيرون غيري ممن شاركوا في هذا الكتاب عرفوا جورج عجايبي سنين طوالاً، ولعل بعضهم كما قرأت لهم عرفوه صغيرًا، وتربوا معًا في أزقة وشوارع شبرا؛ لكني عرفته متأخرًا منذ سنوات قلائل.
وعقب معرفتي به، ومشاركتي له في نشاطات قليلة قصيرة، بدأت رحلته مع المرض، وداومت خلال تلك السنوات على تهنئته وأسرته في الأعياد ومتابعة حالته الصحية، وكان يرد المجاملة بلطف، والسؤال عنه وعن صحته من الزملاء والأصدقاء المشتركين الذين كان له أثر بالغ في حياتهم بسلوكه وأخلاقه ونبله الذي اتفقوا جميعًا على أنه كان أهم ما يميزه، وهو ما نفتقده اليوم في السياسيين والناشطين والمفكرين بل والمثقفين.
عرفت كثيرين من أبناء وطني المسيحيين، بعضهم اندمجت حياتنا معًا مثل أسرة صراف بلدنا الأستاذ إسحق حنين وزوجته أم حنين، وأولاده الثلاثة الذين عرفتهم، سليمان الذي كان يصغر والدي، ولكنه قريب منه يجالسه في مجلسه بدوار عائلة "عبد الهادي" عقب صلاة المغرب؛ للتشاور في الشأن العام، وحل مشاكل أهالي البلد "ناهيا"، وجورج إسحق الموظف بالتأمينات الاجتماعية الذي كان مرجع إخوتي جميعًا في هذا الشأن وهو ما زال على قيد الحياة، ومكرم إسحاق مدرس أول الكيمياء والعلوم في الثانوي والذي أصر رغم المشقة التي تكبدتها ابنتي الكبرى "سارة" على إعطائها درسًا خاصًّا في الثانوية العامة أثناء سجني الطويل لخمس سنوات بحكم المحكمة العسكرية، وكانت تضطر للذهاب من الهرم إلى ناهيا إرضاءً لي؛ حيث كان من المتعذر الاعتذار للراحل مكرم إسحق الذي كان في سن أخي الثاني، وآخر زيارة من مكرم لي كانت بسبب نقل ابنته "فاتن" طبيبة الأسنان إلى القاهرة، بعد نجاحنا في انتدابها من المنيا، وكان يتصور أنني صاحب سلطة وسلطان أستطيع به تقديم الخدمات، ولم يدر أنني نفسي أعاني من الاضطهاد الوظيفي؛ حيث أنهت هيئة التأمين الصحي خدمتي بعد أكثر من ربع قرن في خدمتها.
كنا أشبه بعائلة واحدة، وسقى الله تلك الأيام التي كنت أذهب فيها إلى بيت عم إسحق لتقابلني أم حنين وتعقد لنا طعامًا، ونتبادل النكات والقفشات مع مكرم وجورج، وما زال أولادهم جميعًا بمثابة أولادنا نسأل عنهم، ونتفقد أحوالهم ونساعدهم في مشوار حياتهم.
وعرفت في حياتي المهنية الكيميائي فتحي ونيس الذي علمني أصول مهنة التحاليل الطبية التي أكسب منها رزقي، وتعلمت منه الدقة والالتزام والخلق الرفيع والتفاني في أداء الواجب والتسامح والهدوء، وحدثني أن خاله كان عضوًا منتسبًا في الإخوان المسلمين بفرشوط، وما أدراك الآن ما فرشوط ونجع حمادي؟، وكان خاله يواظب على دفع الاشتراك الشهري 25 قرشًا بانتظام، وخرجنا معًا من الهيئة العامة للتأمين الصحي، هو بالمعاش وأنا بالفصل من الخدمة، ولكننا نتواصل عبر الهاتف في المناسبات رغم زيادة الأعباء وتباعد المسافات.
ولا أنسى زملاء المستشفى من التخصصات الأخرى "عصام ناشد"، وغيره ممن لجئوا إليّ لحل مشاكل في العمل أو أمام النيابة أو غيرها بحكم موقعي النقابي الذي نحرص جميعنا فيه على مساندة الزملاء جميعًا في كل مواقعهم دون تمييز أو تفريق، ولقد حرصنا على وجود زملاء معنا على قائمتنا الانتخابية في النقابة، ولكن للأسف كان للمد الطائفي المقيت وللتدخل السافر لقيادة الكنيسة أثر بالغ في منعهم من الترشح، رغم المشاركة الواسعة للزملاء المسيحيين لتأييد مرشح الحزب الوطني والحكومة الذي- رغم اسمه الناصع في المهنة والسياسة والأخلاق والتدين- سقط أمام مرشح التوافق "د. حمدي السيد" واستضافنا رموزها في الكثير من المناسبات خاصة في إفطار عيد الميلاد سنويًّا بحضور الأنبا بسنتي، ومع ذلك كان أ. د. رفعت كامل أستاذ الجراحة المتميّز في طب عين شمس عضوًا فاعلاً معنا من الخارج في مجلس النقابة.
في الشأن العام، انعقدت معارف ثم صداقات مع عدد من الزملاء السياسيين والناشطين المسيحيين في مقدمتهم جورج إسحق، وأمين إسكندر مع حفظ الألقاب ونسيان البعض، وعرفت صحفيين أختلف معهم وأتفق، لكن يبقى الود متصلاً مثل أ. ماجد عطية من الجيل القديم الذي شاركنا حوارًا ثريًّا في الثمانينيات برعاية المستشار المغفور له الأستاذ مأمون الهضيبي وبحضور د. ميلاد حنا متعهم الله بالصحة، وآخرين في دار الإخوان بالتوفيقية التي أغلقتها المحكمة العسكرية في قضيتنا عام 1995م، وكذلك م. يوسف سيدهم رئيس تحرير جريدة (وطني) الذي شاركنا أيضًا حوارًا ممتعًا، تنقل بين منزل الأستاذ محمد عبد القدوس إلى مقر جريدة (وطني) في وسط البلد بشارع عدلي، وتحطمت الاقتراحات العملية لتوسيع مشاركة الشباب من المسلمين والمسيحيين المشاركين في "برلمان وطني" إلى دائرة الرحلات الاجتماعية والثقافية على صخرة رفض الكنيسة الأرثوذكسية أيضًا خوفًا على الشباب المسيحي، وعرفت أيضًا الصحفي الشاب "سامح فوزي" وغيره الذين لا تحضرني أسماؤهم الآن.
ومن الباحثين والدارسين عرفت د. رفيق حبيب الذي أعده من الأصدقاء، ود. سمير مرقس الذي أشاركه في ندوات ومؤتمرات عديدة، ويجمعنا الهم المشترك حول إزالة الاحتقان وتقوية أسس وقواعد العيش المشترك داخل هذا الوطن، وهاني لبيب الذي اختلفت بيننا السبل، ولم أعد أراه ولا أسمع منه، وغيرهم ممن جمعتنا المشاركة في نشاطات عديدة، ولكن لم تجر الكيمياء في دمنا؛ لنتواصل بعدها مثل الدكتور إكرام لمعي والقس رفعت فكري.
لماذا جرني الحديث إلى هذه الذكريات؟ ولماذا كل ذلك الاستطراد في كلمة تأبينية للراحل النبيل الصديق جورج عجايبي؟
لأن ذلك هو الهم المشترك الذي جمعنا، وعاش من أجله الراحل الفقيد النبيل أن نعيش في وطن واحد يجمعنا، نشارك في بناء نهضته ويحترم بعضنا بعضًا، ولا نتجادل حول عقائدنا وعباداتنا إلا بالحسنى، ثقافتنا المشتركة واسعة الآفاق، وكل منا يعبد الله على دينه الذي اختاره دون إكراه، ونسعى لإزالة الاحتقانات المتوالية التي يسببها التعصب والجهل وضيق الأفق.
عندما جلست في كنيسة "كل القديسيين" الكاثوليكية في مصر الجديدة لأؤدي واجب العزاء في الراحل، وأواسي زوجته وأسرته وزملاءه ورفاقه، وجدت عددًا لا بأس به من المسلمين مثل د. نبيل عبد الفتاح صديق طفولة جورج، وأ. د. حمد شوقي الذي ألقاه سنويًّا في عشاء المكتبة الأكاديمية أثناء معرض الكتاب، والمهندس أبو العلا ماضي الذي عرف الراحل قبلي بسنوات أثناء فترة سجني، ونشط معه في جمعية أبناء الصعيد وجمعية العدالة والسلام.
كانت العظة تركز على الموت وذكرى الإنسان بعد رحيله، وأدركت أنما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم، وأننا لو ركزنا على القدر المشترك بيننا لعشنا في سلام، ولو تركنا الحكم في الآخرة لله، الملك الحق الذي يفصل بين العباد لأرحنا واسترحنا، وهذا ما جعلني أثناء عزائي في الراحل صديق العائلة "سليمان إسحق" في بلدتي "ناهيا" أتحدث عن عظة الموت والحياة بعد الموت، وهو ما يجمع كل المؤمنين بالله والدار الآخرة على ظهر تلك الأرض التي سرعان ما نفارقها لنسكن في بطنها حياة البرزخ إلى يوم البعث والنشور؛ حيث نقف جميعًا أمام الله لا ينفعنا إلا إيماننا بالله الواحد والعمل الصالح.
الوفاء لجورج عجايبي أن نعيش لما عاش له: العيش المشترك بين أبناء الوطن في ظل البر والقسط والتراحم.